الواجهةمجرد رأي

من التَّمَسُّق إلى التأمل .. قراءة في قصة «نبوءات» للأديبة المغربية نعيمة سي أعراب.

حفيظ ابن أحمد 

📜✔️ هذه مدة طويلة لم أقرأ فيها قصة أو رواية، ولم أُباشر الأدب العربي قراءة وتأملا كما كنت أفعل من ذي قبل، لا تهاونا مني في شأن الأدب، ولا زهدا فيه – وأنا الشغوف به، المسكون بعربيته – ولكن لأن انشغالي بالفكر وقضاياه أخذ مني مأخذا كبيرا، واستأثر بجانب واسع من وقتي واهتمامي !!
غير أنني حين قرأت قصة «نبوءات» للأديبة الكبيرة، المهندسة السيدة نعيمة سي أعراب Naima Essiarab شعرت كأن بواكير الأدب الندية قد تفتقت في داخلي من جديد، وكأن شيئا قديما جميلا استيقظ بعد طول خفوت !! وجدت نفسي مشدوها أمام لغتها، ومشدودا إلى بنائها، أتابع تفاصيلها بابتسامة مرة، وأتأمل ما وراء سخريتها من دلالات نفسية وإنسانية !!
ولأن النص الجميل لا يمر بالقارئ مرورا عابرا، بل يستفزه إلى الوقوف عنده ومحاورته، فقد كانت لي مع هذه القصة القراءة الآتية..
قصة «نبوءات» لنعيمة السي أعراب تنتمي إلى ذلك النوع من السرد القصير الذي يختار الخفة مدخلا إلى معنى أعمق، فيبدو النص في ظاهره طريفا ساخرا، بينما يشتغل في باطنه على فكرة متماسكة، الإنسان الذي لا يرى ما أمامه لأنه منشغل دائما بما يستولي على ذهنه، حتى تتحول غفلته إلى قدر يتكرر بأشكال مختلفة !!
منذ الجملة الأولى : « انتبه يا ولدي، أنت لا تبصر أمامك ! » يتأسس المفتاح الدلالي للقصة، فالأم لا تحذر ابنها فقط من اصطدام مادي، بل يكاد تحذيرها يكتسب، مع تطور الحكاية، معنى أوسع، أنت لا ترى ما أمامك في الحياة أيضا، وهنا ينجح النص في تحويل عبارة أسرية بسيطة، مرتبطة بذاكرة الطفولة، إلى ما يشبه النبوءة التي تلاحق الشخصية بعد وفاة الأم، وتتحقق كل مرة بصورة أكثر قسوة وسخرية !!
البناء السردي في القصة ذكي، لأنه لا يسير في خط مستقيم، بل يعتمد على حركة ذهاب وإياب بين الحاضر والذاكرة، حادثة عربة النفايات هي المركز الذي تنطلق منه التداعيات، خوار بقرة يعيد السارد إلى حادث السيارة، وهدير محرك المصنع يستدعي حادث الدراجة النارية، ثم تعود رائحة الأوساخ في كل مرة لترده إلى واقعه، وهكذا تصبح الحواس جسورا سردية بين الأزمنة، لا مجرد أوصاف عابرة !!
ولعل من أجمل خصائص النص ذلك التوازي الذي أقامته الكاتبة بين النساء والحوادث. ريحان، وجنان، ووجدان ليست أسماء عشوائية، فلكل اسم إيقاعه وإيحاؤه، ولكل امرأة مرحلة من مراحل اندفاع الشخصية وراء الصورة والوهم !! ريحان تحيل إلى الفتنة والعطر والصبا، وجنان توحي بالجنة والافتتان، ووجدان تحيل مباشرة إلى القلب والعاطفة. لكن هذه الأسماء الرقيقة تقابلها دائما نهاية خشنة، اصطدام، خسارة، سقوط، لكمة، أو عربة نفايات. ومن هذا التضاد يتولد الجانب الكوميدي في القصة !!
والسخرية هنا لا تقوم على النكتة المباشرة، بل على المفارقة. الشخصية تقدم نفسها في كل مرة كما لو أنها ضحية ظروف أو ضحية نساء معقدات، لكنها لا تكاد تنتبه إلى العامل الثابت في جميع الوقائع، هي نفسها، وشرودها، واندفاعها، وسوء تقديرها. وهذا ما يمنح السرد بعدا نفسيا طريفا، فالرجل بارع في تبرير ( تسويغ ) إخفاقاته، لكنه أقل براعة في مراجعة ذاته !!
كما أن التدرج في الحوادث محسوب بعناية. البداية اصطدام بسيارة وخسارة مالية، ثم سقوط عن الدراجة ولكمة، ثم تنتهي السلسلة بعربة نفايات. وهذا التصاعد ليس فجائيا، لأن المسار كله يتحرك من الرومانسية المتخيلة نحو واقع أكثر خشونة وابتذالا، حتى يجد البطل نفسه حرفيا وسط القمامة، في صورة ساخرة تختصر حجم الهوة بين أوهامه وواقعه !!
أما النهاية فهي من أنجح أجزاء القصة. فبعد كل ما جرى، وبعد استحضار تحذيرات الأم ومحاولة فهم «نبوءاتها» يلمع في ذهنه فستان جارته الأحمر. هنا تكتمل المفارقة الكبرى، البطل لم يتعلم شيئا. كل علامات الخطر مرت أمامه، وكل الحوادث أعادت الرسالة نفسها، ومع ذلك يكفي فستان منشور على حبل غسيل كي تبدأ الدورة من جديد. والنهاية المفتوحة هنا لا تحتاج إلى حادث جديد، القارئ يتنبأ به وحده !!
وتبرز في النص أيضا لغة حيوية، تجمع بين السرد والوصف وخفة العبارة، مع عناية واضحة بالصورة. من ذلك تشبيه القلب براكب أمواج مبتدئ، وتشبيه الشعر الذهبي بكثبان الرمل على شاطئ الأحلام، وهي صور تخدم شخصية السارد نفسه، فهو رجل يعيش داخل مخيلته أكثر مما يعيش في واقعه، ولذلك تأتي لغته حالمة حتى وهو يسير نحو الاصطدام.
«نبوءات» قصة ساخرة، لكنها ليست سطحية. إنها تشتغل على الغفلة، والرغبة، وتكرار الخطأ، وعلى ميل الإنسان إلى تفسير مصائبه خارج ذاته. ونجاحها الأكبر أنها لا تقدم هذا المعنى في صيغة وعظية، بل تتركه يتولد من المواقف والمفارقات، ثم تختم بابتسامة ذات دلالة تجعل القارئ يدرك أن النبوءة الحقيقية لم تكن في كلام الأم، وإنما في طبيعة البطل نفسه !!
تحية للأستاذة نعيمة السي أعراب على هذا النص الجميل، وعلى قدرتها على الجمع بين خفة الحكاية ودقة البناء ولمعة السخرية. وهذه من القصص التي تُقرأ بابتسامة، ثم تترك وراءها سؤالا أكثر جدية، كم مرة نظن أن الحوادث تتربص بنا، بينما نحن من نمضي إليها شاردين ؟؟
وختاما، نحمد لله على أن المغرب ما يزال يزخر بأديبات يقفن على ثغر من ثغور الأدب الرسالي الإنساني الملتزم؛ من خناتة بنونة إلى سعاد الناصر وأمينة المريني و وصال تقة وليلى مهيدرة ومريم لحلو، وصولا إلى الأديبة نعيمة سي أعراب وغيرها من الأقلام التي تعمل بعيدا عن ضجيج الأضواء.
وهذه الأصوات أولى بالتعريف والاحتفاء من كثير مما تصنع الآلة الإعلامية شهرة عريضة لبعض الإنتاجات ( الأدبية )، وهو عند التحقيق ـ على حد تعبير بعض النقاد ـ ليس إلا قيئا على ورق صقيل !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى