غمزة : حين يصمت القارئ… يتكلم التضليل

أليست طليعة القراء هي السلطة الخامسة، والسلطة العليا التي ينبغي أن تمارس نفوذها وثقلها لتغيير ما يستجد على الساحة، بصفتها الفئة الواعية والرَّاصدة لكل ما يُنشر؟
فالقراء مسؤولون، بشكل أو بآخر، عن جودة أو سطحية ما يُقدَّم إليهم من محتوى؛ إذ إن صمتهم واستسلامهم لما يُطرح يُعدّ بمثابة رضا ضمني عمّا يُقدَّم، وتغاضيًا عن الأساليب المضللة التي تنتهجها بعض المنابر، من خلال تجاوزها للقضايا الجوهرية التي تهم المجتمع، وانشغالها بالأخبار الطريفة والملونة التي تُلهي الناس وتستثير فضولهم، تحت ذريعة مواكبة غرائب العالم، وآخر ما أفرزته الصيحات العجيبة، وأخبار السينما ومشاهيرها، بل وحتى مغموريها.
إن هذه العلاقة المبتورة بين القارئ وما يُنشر كانت سببًا في استمرار صحافة التطبيل والتلميع، وتزييف الحقائق، لأنها لم تلمس بعد احتجاج القاعدة العريضة من القراء على طبيعة المواد التي تُقدَّم إليهم.
ليس على القارئ أن يكتفي بتصفح ما يُنشر، ثم يعلّق في صمت بينه وبين نفسه، خصوصًا إذا كان من الطليعة المثقفة، بل عليه واجب أساسي، يتمثل في توجيه الإعلام ونقده بالأسلوب الذي يتقنه.
أليست طليعة القراء هي السلطة التي تمتلك القدرة على تصحيح المسار وتغيير وجهة الطرح؟
ألا يملك هؤلاء القراء الواعون الأدوات التي تخوّلهم التأثير في نوعية المحتوى واتجاهاته؟
إن الوعي أداة خلاقة قادرة على صناعة إعلام قوي لا يقبل المساومة.
يستطيع القراء فرض تناول قضية ما، ومناقشتها أمام الرأي العام، من خلال اتصالاتهم وإلحاحهم وضغطهم. فكثير من الحجج التي يتذرع بها بعض المسؤولين عن ما يُنشر ما هي إلا أوهام نمت وترسخت بفعل الصمت الطويل الذي مارسه الجمهور.
كما يمكن لجمهور القراء استرجاع قلمٍ حُرم من الكتابة بفعل الضغوط، أو نتيجة تضييق على حرية الرأي، إذ إن بعض الإدارات قد تتخلى عن أقلام جريئة خشية المساءلة من السلطات، وهذا ما يجعلها تتراجع عن خوض غمار القضايا الساخنة.
ومنذ متى كان الإعلام مجرد ناقل للواقع، يلهث خلف الأحداث دون أن يساهم في صنعها؟
إنه يركن للهدوء والسكينة عندما يجد جمهورًا سلبيًا، مستأنسًا، لا يحتج ولا يعبّر، ولا يرفع صوته ليهزّ ركود المشهد، ويدفع بالإعلام إلى ساحات النقاش الحقيقي.
متى ينهض القراء من غفوتهم التي أوهمتهم بأن الإعلام قادر على صناعة المستحيل وحده، دون تدخلهم؟
متى يدركون أن دورهم لا ينحصر في مجرد قراءة ما يُنشر، ثم الحكم على جودته من بعيد؟
إن الإعلام أشبه بقلم يحتاج دائمًا إلى مبراة وعي القراء ومتابعتهم، فإذا بخلوا عليه بمتابعتهم ونقدهم، ظل القلم في مكانه دون أثر، ولم يتطور أبدًا.
فالإعلام أحيانًا يكون أفكارًا حيّة تبحث عن صدى يناقشها ويرد عليها، فإن لم تجده ماتت الفكرة وتحللت إلى صفحات مكررة بلا روح.
وقد يكون الإعلام قلمًا جموحًا يخطئ طريق الإبداع إذا لم يجد من يرشده ويوجهه، فينغلق على نفسه، ويتحدث بلغة غريبة عن جمهور لم يعد يفهمه.
إن الإعلام الحقيقي هو الذي يقف في وجه المدفع، هو الميدان عند اندلاع المعارك، هو الكلمة القوية عندما يعجز الآخرون عن الكلام، وهو الضمير الذي يتسلل إلى القلوب ليبث دماء الحقيقة في عروق المجتمع، لا ليخدره أو يضلله.
وما يُنشر بلا قراء واعين، يصبح مجرد لغة غريبة لا تجد من يترجمها، وعندما يفقد المحتوى صلته الحميمة بجمهوره، يتحول إلى مجرد نشرات رسمية مليئة ببيانات مكررة، تحتاج إلى موظفين لقراءتها، لا إلى قرّاء ناضجين يفهمونها ويتفاعلون معها.





