غمزة : وجوه خلف الكمامات وأصوات فوق الطبول… من يقود المشهد؟

مشهد غريب يستحق أكثر من مجرد نظرة عابرة: أشخاص في الشارع، أصوات مرتفعة، شعارات تتردد، أيادٍ تصفق وتطبل، ووجوه اختارت أن تختبئ خلف الكمامات. قد يكون من حق أي إنسان أن يحتج، وأن يعبر عن رأيه، وأن يرفض أو يطالب أو يدافع عن موقف يراه مشروعًا. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل كل من يرفع صوته مقتنع بما يقول؟ أم أن بعض الأصوات تُستأجر لتؤدي دورًا محددًا ثم تنصرف؟
المشكلة ليست في الطبل، ولا في الصراخ، ولا حتى في الكمامة. المشكلة تبدأ عندما يصبح المشهد مجرد واجهة، بينما تغيب القناعة ويحل محلها المقابل. عندها لا يعود السؤال: ماذا يقول هؤلاء؟ بل يصبح: من يقف وراء هذا المشهد؟ ومن المستفيد من هذه الضوضاء؟
تُتداول في الشارع عبارات من قبيل: «أغلبهم جايباهم غير 200 درهم». لكن بين التداول الشعبي والواقع فرق كبير. فالقول بأن أشخاصًا بعينهم أو أن أغلبية المشاركين دُفع لهم المال يحتاج إلى دليل، ولا يجوز تحويل الإشاعة إلى حقيقة لمجرد أنها تتكرر. ومع ذلك، فإن مجرد انتشار هذا الكلام يكشف حجم أزمة الثقة التي يمكن أن تصيب أي احتجاج أو تجمع حين تغيب الشفافية.
فإذا كان المشاركون مقتنعين بقضيتهم، فلماذا لا تكون المطالب واضحة؟ ولماذا لا يكون النقاش حول الأفكار والملفات بدل الاكتفاء بالضجيج؟ ولماذا يصبح حضور الأشخاص أهم من مضمون الرسالة؟ ومن يملك أجوبة حقيقية عن هذه الأسئلة، عليه أن يقدمها للرأي العام بدل ترك الساحة للشائعات والتأويلات.
أما الكمامة، فقد تكون لأسباب صحية أو شخصية أو مرتبطة بظروف المكان، ولا يجوز بناء اتهامات عليها. لكن عندما تختفي الوجوه وتعلو الأصوات، يصبح المشهد قابلًا للتأويل أكثر من اللازم، ويصبح من حق الرأي العام أن يطالب بالوضوح: من هؤلاء؟ ماذا يريدون؟ ومن نظم هذا التجمع؟ ومن يتحمل مسؤوليته؟
الاحتجاج الحقيقي لا يحتاج إلى ممثلين مجهولين، ولا إلى ضجيج يطغى على الرسالة. قوته في وضوح مطالبه، وسلمية وسائله، واستقلال قراره، وقدرة أصحابه على الدفاع عن مواقفهم أمام الرأي العام دون خوف أو غموض.
أما إذا كان هناك من يدفع المال لاستقدام أشخاص إلى الشارع، فهذه مسألة مختلفة تمامًا، ولا ينبغي التعامل معها بالشائعات. الدليل هو الفيصل: من دفع؟ لمن؟ كم؟ ولماذا؟ ومن أصدر التعليمات؟ ومن نظم العملية؟ هنا يبدأ التحقيق، وهنا تنتهي لغة «قالوا» و سمعت
المشهد السياسي والاجتماعي لا يحتاج إلى مزيد من الطبول بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الحقيقة. لأن الطبل يستطيع أن يرفع الصوت، لكنه لا يستطيع أن يصنع حجة. والكمامة تستطيع أن تخفي الوجه، لكنها لا تستطيع أن تخفي الحقيقة إلى الأبد.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إزعاجًا:
هل نحن أمام مواطنين خرجوا لأنهم يؤمنون بما يقولون، أم أمام أصوات استُدعيت لتملأ الشارع بالضجيج؟
الجواب لا تقدمه الكمامات، ولا الطبول، ولا الشعارات…




