في الصميم : حين يصبح الحياد انحيازًا… من يحمي الحقيقة عندما يصمت الإعلام؟

الحياد الإعلامي: حين يرتدي الانحياز قناع الفضيلة ويصبح الصمت خيانة للحقيقة
متى يكون الحياد في الإعلام فضيلة؟ حين يصبح الصمت انحيازًا والحياد خيانة للحقيقة!
الحياد الإعلامي… عندما يصبح الوقوف في المنتصف انحيازًا ضد الحقيقة
ليس كل حياد فضيلة، وليس كل انحياز رذيلة، وليس كل من رفع شعار الموضوعية منزّهًا عن المصالح والأهواء. فخلف بعض الشعارات البراقة تختبئ مواقف ملتبسة، وخلف بعض الأقنعة الأخلاقية تتوارى حسابات ضيقة، قد تجعل من الحياد المزعوم وسيلة للتنصل من المسؤولية، أو غطاءً للصمت عن الظلم، أو جسرًا لتمرير رواية طرف على حساب طرف آخر. وهنا بالضبط يصبح السؤال مشروعًا، بل ملحًّا: متى يكون الحياد في الإعلام فضيلة؟ ومتى يتحول إلى خذلان مفضوح للحقيقة؟
لطالما جرى تقديم الحياد باعتباره قمة النزاهة الإعلامية، وعنوانًا للموضوعية والتجرد، حتى أصبح بعض الإعلاميين يتعاملون معه كما لو كان تعويذة أخلاقية تعفيهم من مساءلة مواقفهم، وتمنحهم حصانة جاهزة ضد كل نقد. لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أن الحياد ليس قيمة مقدسة في ذاتها، ولا فضيلة صالحة لكل زمان ومكان، وإنما يستمد مشروعيته من السياق الذي يُمارَس فيه، ومن الغاية التي يخدمها، ومن النتائج التي يفضي إليها.
فما معنى أن يقف الإعلام على مسافة واحدة من طرفين، أحدهما يعتدي والآخر يتعرض للاعتداء؟ وما معنى أن يساوي بين من ينتهك الحقوق ومن يطالب بها، بين من يختلق الوقائع ومن يكشفها، بين من يمارس الظلم ومن يسعى إلى رفعه؟ أليست هذه المساواة الشكلية ضربًا من ضروب الظلم في حد ذاته؟ وهل تتحقق العدالة بمجرد توزيع الميكروفونات بالتساوي، حتى وإن كانت الحقيقة نفسها غير متساوية بين الروايات؟
لنتخيل إنسانًا يرى لصًّا يقتحم بيت جاره، وينهال عليه ضربًا وإيذاءً، ثم يقرر الوقوف متفرجًا، لا لشيء إلا لأنه يؤمن بالحياد! هل نصف موقفه بالحكمة والتعقل، أم نراه تخليًا عن واجب أخلاقي وإنساني؟ وإذا كان هذا الموقف مرفوضًا في أبسط العلاقات الإنسانية، فكيف يمكن تبريره حين يتعلق الأمر بإعلام يمتلك القدرة على كشف الحقيقة، وفضح الانتهاكات، وإيصال صوت المظلومين إلى الرأي العام؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإعلام ليس أن يعلن موقفه بوضوح، بل أن يتخفى وراء حياد شكلي، بينما يمارس انحيازًا فعليًا لا يريد الاعتراف به. فالانحياز لا يكون دائمًا صريحًا ومباشرًا؛ قد يتسلل عبر اختيار الأخبار، وترتيبها، وتحديد المساحات المخصصة لها، وانتقاء الضيوف، وتجاهل بعض الوقائع، وتضخيم أخرى. وقد يتجسد في منح المعتدي فرصة واسعة لتبرير أفعاله، مقابل اختزال معاناة الضحايا في خبر عابر لا يثير انتباه أحد.
وهنا يصبح الحياد المزعوم أخطر من الانحياز المعلن، لأنه لا يكتفي بخدمة رواية معينة، بل يحاول إقناع الجمهور بأن ما يراه هو الحقيقة المجردة، وأن ما يُحجب عنه لا يستحق المعرفة أصلًا. فليس كل إعلام يرفع شعار الحياد محايدًا، وليس كل إعلام يعلن انحيازه فاقدًا للموضوعية.
ومن هنا، لا بد من التمييز بين الحياد في نقل الوقائع، والحياد تجاه القيم والحقوق. فالموضوعية تقتضي التحقق من الأخبار، والتثبت من المصادر، وتجنب التضليل، وإتاحة المجال للرأي المخالف، وعدم تحويل المؤسسة الإعلامية إلى محكمة تصدر الأحكام دون أدلة. لكنها لا تعني أن يتخلى الإعلام عن ضميره، أو أن يتعامل مع الحقيقة والباطل باعتبارهما روايتين متكافئتين لمجرد أن لكل منهما من يدافع عنها.
إن نقل الوقائع بأمانة لا يتعارض مع الدفاع عن الكرامة الإنسانية، والتحقق من الأخبار لا يمنع فضح الانتهاكات، وإتاحة المجال للرأي الآخر لا تفرض منح التضليل حصانة من النقد. فالفرق كبير بين إعلام يلتزم الموضوعية في عرض الأحداث، وإعلام يتخذ من الحياد ذريعة للتنصل من مسؤوليته الأخلاقية والاجتماعية.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتساؤل تكمن في بعض المؤسسات الإعلامية التي تحمل أسماء جماعات أو هيئات أو تنظيمات بعينها، وتستمد وجودها ومواردها ومكانتها من الانتماء إليها، ثم تتراجع عن قضايا هذه الجماعات حين تشتد الحاجة إلى صوتها، متذرعة بالحياد والاستقلالية. وهنا يحق لنا أن نسأل: هل الاستقلالية تعني قطع الصلة بالقضايا التي من أجلها وُجدت المؤسسة؟ وهل الوفاء للرسالة الإعلامية يقتضي التخلي عن الفئات التي يُفترض أن تكون المؤسسة معنية بإيصال صوتها؟
إن المؤسسة الإعلامية التي تختار لنفسها هوية ورسالة واضحتين، مطالبة بأن تكون صادقة معهما، لا أن تستحضرهما حين تكون الظروف مواتية، وتتخلى عنهما حين تصبح الكلفة مرتفعة. غير أن الوفاء للانتماء لا يعني تبرير الأخطاء، ولا تحويل الإعلام إلى بوق دعائي، ولا التستر على الاختلالات. بل إن النصرة الحقيقية قد تبدأ من النقد الصريح، والمساءلة النزيهة، وكشف مواطن الخلل، لأن حماية الجماعة لا تتحقق بتضليلها، وإنما بمصارحتها.
أما حين يتعلق الأمر بالقضايا الإنسانية الكبرى، وبالكوارث التي تستهدف حياة الناس وكرامتهم، فإن الاختباء خلف الحياد يصبح أكثر إشكالًا. فالإعلام الذي يكتفي بنقل صور المأساة دون أن يمنح الضحايا صوتًا، أو يضع معاناتهم في سياقها، أو يتحقق من المسؤوليات المرتبطة بها، قد يتحول من وسيلة لكشف الحقيقة إلى مجرد نافذة باردة يتفرج الجمهور من خلالها على الألم.
وليس المقصود هنا أن يتحول الإعلام إلى طرف في الصراع، أو أن يستبدل المهنية بالعاطفة، أو أن يبرر الأخبار غير الموثقة باسم نصرة قضية عادلة. بل المقصود أن يدرك أن المهنية ليست مرادفًا للامبالاة، وأن الموضوعية لا تعني تعطيل الحس الإنساني، وأن التزام الدقة لا يمنع تسمية الأفعال بأسمائها متى ثبتت الوقائع وتوفرت الأدلة.
وإذا كان الإعلام الغربي يُقدَّم في كثير من الأحيان نموذجًا يُحتذى في المهنية والاستقلالية، فإن من حقنا أن نتساءل عن مدى ثبات هذه المعايير حين تتداخل التغطية الإعلامية مع المصالح السياسية والاستراتيجية. فهل تُطبَّق معايير التحقق والتوازن والإنصاف بالصرامة نفسها في جميع القضايا؟ وهل يحصل الضحايا على المساحة ذاتها، وتُعرض الروايات المتعارضة بالقدر نفسه من التدقيق؟ إن الإجابة لا تكون بالتعميم أو إطلاق الأحكام المسبقة، بل بفحص التغطيات الإعلامية نفسها، ومقارنة اللغة المستخدمة، ومصادر المعلومات، وحجم الحضور الممنوح لكل طرف.
فالإعلام، أيًّا كانت جنسيته أو مرجعيته، ليس فوق النقد، ولا ينبغي أن تتحول سمعته أو مكانته إلى حصانة تمنعه من المساءلة. وما يُنتقد في إعلام معين لا يجوز تبريره لمجرد أنه صادر عن إعلام آخر، كما أن أخطاء الآخرين لا تمنحنا رخصة للتخلي عن معاييرنا المهنية والأخلاقية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل الإعلام محايد أم منحاز؟ بل: هل هو صادق؟ هل يتحرى الحقيقة؟ هل ينصف المتضررين؟ هل يكشف التضليل؟ وهل يتحمل مسؤوليته تجاه المجتمع؟
إن الحياد فضيلة حين يكون ضمانة ضد التلاعب بالحقيقة، وحين يحمي الإعلام من الانجرار وراء المصالح الشخصية والحسابات الضيقة، وحين يمنحه القدرة على مساءلة الجميع دون استثناء. لكنه يفقد معناه الأخلاقي حين يتحول إلى مساواة مصطنعة بين المعتدي والضحية، أو إلى صمت متعمد عن انتهاك ثابت، أو إلى وسيلة للتنصل من رسالة إعلامية معلنة.
ومن هذا المنطلق، فإن اعتزازنا بالتزام جريدة «أصداء الكواليس» بالحياد لا ينبغي أن يكون اعتزازًا بشعار جامد، بل بممارسة مهنية وأخلاقية متجددة، تجعل من الحقيقة مرجعًا، ومن النزاهة منهجًا، ومن الإنصاف مسؤولية. فالحياد الذي يستحق الدفاع عنه ليس حيادًا أعمى، ولا صمتًا مريحًا، ولا مسافة حسابية بين روايتين، وإنما هو التزام صارم بالحقيقة، ورفض للظلم والتضليل، واستعداد دائم لنقد الذات قبل نقد الآخرين.
إن الإعلام لا يُقاس بقدرته على الوقوف في المنتصف، بل بقدرته على الوقوف مع الحقيقة دون أن يزوّرها، ومع الإنسان دون أن يضلل باسمه، ومع العدالة دون أن يتحول إلى أداة في يد أي طرف.
فحين يصبح الحياد وسيلة لحماية الحقيقة، يكون فضيلة. وحين يصبح وسيلة لحجبها، فإنه لا يعود حيادًا، بل انحيازًا مقنّعًا. وحين يكون الصمت مشاركةً في طمس معاناة المظلومين، فإن السؤال لم يعد عن فضيلة الحياد، بل عن أخلاق إعلام اختار أن يرى كل شيء، إلا ما كان عليه أن يراه.
.





