الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

قراءة في الأسس المعرفية للسوسيولوجيا القروية بالمغرب.

القرية المغربية بين البنية القبلية والملكية والسلطة: قراءة في الأسس المعرفية للسوسيولوجيا القروية بالمغرب.

 بقلم : كمال المصطفى

يتيح كتاب «السوسيولوجيا القروية بالمغرب: مقاربات وقضايا» لأمحمد مهدان، الصادر عن دار سوس للنشر في طبعته الثانية سنة 2017، إمكاناً مهماً لإعادة التفكير في القرية المغربية لا باعتبارها مجرد مجال جغرافي أو وحدة إنتاج فلاحي، وإنما باعتبارها بناءً اجتماعياً وتاريخياً تتداخل داخله علاقات القرابة والقبيلة والملكية والسلطة والمعتقد والمؤسسة. وتنبع أهمية الكتاب من كونه لا يكتفي بعرض عدد من الدراسات التي تناولت المجتمع القروي، بل يحاول أن يعيد تركيب تاريخ تشكل المعرفة السوسيولوجية حول القرية المغربية، منذ بدايات القرن العشرين إلى الدراسات المعاصرة. وقد قسم المؤلف هذا الإرث إلى ثلاث لحظات أساسية: السوسيولوجيا الكلاسيكية، ثم الدراسات التي ارتبطت بالنظرية الانقسامية، ثم السوسيولوجيا القروية المعاصرة التي اهتمت بالتحولات التي عرفها المجتمع المغربي بعد الاستقلال.
ومن منظور سوسيولوجيا المعرفة، فإن أهمية هذا التقسيم لا تكمن فقط في ترتيب أسماء الباحثين والتيارات، وإنما في الكشف عن الطريقة التي انتقل بها المجتمع القروي المغربي من كونه موضوعاً للملاحظة والوصف إلى أن أصبح موضوعاً لإنتاج المفاهيم والنظريات. فالمعرفة حول القرية لم تكن منفصلة عن السياقات التاريخية التي أنتجتها؛ إذ إن كل مرحلة كانت تطرح أسئلة معينة، وتختار مفاهيم بعينها، وتنتقي جوانب محددة من الواقع الاجتماعي. ولذلك فإن قراءة هذا الكتاب تفرض علينا أن نسأل ليس فقط: ماذا قالت السوسيولوجيا عن القرية المغربية؟ بل أيضاً: كيف نظرت إليها؟ وما الذي جعلها تختار القبيلة أو المخزن أو الملكية أو الدين موضوعاً مركزياً للبحث؟ وما الذي ظل خارج مجال رؤيتها؟
في هذا الإطار، تبدو القبيلة من أولى الوحدات التحليلية التي استأثرت باهتمام الدراسات الكلاسيكية. غير أن أهمية القبيلة لا ترجع إلى كونها مجرد جماعة تقوم على رابطة النسب، بل إلى كونها إطاراً لتنظيم علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية متعددة. فالقبيلة ترتبط بالأرض، وبالماء، وبالتضامن، وبالنزاع، وبالتحالف، كما ترتبط بأشكال من الوساطة مع السلطة المركزية. ولهذا كان من الطبيعي أن تصبح القبيلة مدخلاً لفهم جانب كبير من المجتمع القروي. ويبين الكتاب أن الدراسات الأولى اهتمت بصورة خاصة بالقبيلة والمخزن والمعتقدات الدينية، باعتبارها مكونات مركزية في بناء المجتمع القروي المغربي.
غير أن القيمة المعرفية لهذه الدراسات لا ينبغي أن تدفعنا إلى التعامل معها بوصفها وصفاً نهائياً للمجتمع المغربي. فمن منظور سوسيولوجيا المعرفة، يجب التمييز بين المعلومة الميدانية التي قد تكون ذات قيمة علمية، وبين الإطار النظري والتأويل السياسي الذي وضعت فيه تلك المعلومة. فالدراسات التي أنجزت خلال المرحلة الاستعمارية كانت تتحرك داخل سياق تاريخي كانت فيه معرفة المجتمع جزءاً من آليات الإدارة والسيطرة. ومع ذلك، فإن هذا لا يلغي أن بعض هذه الدراسات راكمت معطيات ميدانية مهمة حول العادات والمؤسسات وأنماط التنظيم الاجتماعي، وهو ما يجعل التعامل معها علمياً أكثر إنتاجاً من رفضها بشكل مطلق أو قبولها بشكل غير نقدي.
وتظهر هذه المسألة بوضوح في منهج إدموند دوتي، الذي اعتمد، وفق عرض الكتاب، على «منهج الملاحظة المباشرة والمقابلات الفردية ومنهج تحليل الظواهر الاجتماعية» (ص. 12). وهذه الإشارة المنهجية بالذات ذات أهمية كبيرة؛ لأنها تكشف أن دراسة القرية لم تكن قائمة فقط على التأمل النظري، بل على الاحتكاك بالميدان وجمع المعطيات ومحاولة فهم الحياة الاجتماعية من خلال الملاحظة. كما أن الكتاب يشير إلى أن البحث الميداني شكل أحد المرتكزات الأساسية في أعماله، وأن كتاباته اتخذت شكل رحلات ودراسات للظواهر الاجتماعية والثقافية والدينية.
وإذا انتقلنا إلى إدوارد ميشوبلير، فإننا نجد محاولة أكثر وضوحاً لتقسيم الواقع المغربي إلى مجالات معرفية متمايزة: سوسيولوجيا المخزن، وسوسيولوجيا الإسلام، وسوسيولوجيا القبائل. ويكتسي هذا التصنيف أهمية خاصة لأنه يكشف عن الطريقة التي جرى بها بناء موضوع «المغرب» في المعرفة السوسيولوجية المبكرة. فقد كان المجتمع يُقرأ من خلال مؤسسات كبرى يُفترض أنها تفسر انتظامه: السلطة، والدين، والقبيلة. كما يشير الكتاب إلى اعتماد ميشوبلير على الجمع بين النصوص التاريخية والمخطوطات وملاحظة العادات والطقوس والمقابلات وسير الحياة، مع التأكيد على «الوصف الدقيق وكذا التحليل وفق منهج نقدي» (ص. 22).
وتطرح هذه المقاربة سؤالاً معرفياً بالغ الأهمية: هل كان المجتمع المغربي هو الذي يفرض هذه التقسيمات على الباحث، أم أن الباحث كان يعيد بناء المجتمع وفق الأدوات النظرية المتاحة له؟ إن سوسيولوجيا المعرفة تجعلنا أكثر حذراً في التعامل مع المفاهيم؛ فالقبيلة، والمخزن، والإسلام، والجماعة ليست مجرد أشياء جاهزة في الواقع، بل هي أيضاً مفاهيم جرى إنتاجها وتوظيفها لتفسير ذلك الواقع. ومن هنا فإن القيمة العلمية للبحث لا تتحدد فقط بكمية المعطيات التي جمعها، وإنما بقدرته على التمييز بين الواقع الاجتماعي وبين الطريقة التي جرى بها تمثيله معرفياً.
وفي موضوع القبائل الأمازيغية، ينقل الكتاب دعوة إلى التركيز على القبائل التي «حافظت على نظامها الاجتماعي وعاداتها وقوانينها العرفية» من أجل التمييز بين «ما هو أمازيغي محلي وبين ما هو عربي إسلامي مستورد» (ص. 29). وهذه العبارة تستحق قراءة نقدية من منظور سوسيولوجيا المعرفة، لأنها تكشف عن نزوع إلى بناء ثنائية بين المحلي والمستورد، وهي ثنائية قد تكون مفيدة في سياق معين، لكنها تصبح إشكالية عندما تتحول إلى تصور جوهراني يفترض وجود ثقافات مغلقة ومستقلة بصورة كاملة. فالمجتمع المغربي، تاريخياً، تشكل من خلال التفاعل والتبادل والتداخل، وليس من خلال جزر ثقافية منفصلة.
ومن هنا فإن سؤال الملكية يصبح ضرورياً لاستكمال الصورة. فالقبيلة لا يمكن فهمها من خلال القرابة وحدها، كما أن العلاقات الاجتماعية لا يمكن تفسيرها فقط بالانتماء القبلي. الأرض هي في الوقت نفسه مورد اقتصادي ومصدر للمكانة والسلطة، وعلاقات الملكية والاستغلال والإرث تحدد مواقع الأفراد والجماعات داخل البنية القروية. لذلك فإن البحث في القرية المغربية ينبغي أن ينتقل من سؤال «من ينتمي إلى أي قبيلة؟» إلى أسئلة أكثر تركيباً: من يمتلك الأرض؟ من يستغلها؟ كيف تنتقل الملكية؟ من يتحكم في الموارد؟ وما علاقة الملكية بالمكانة الاجتماعية والنفوذ السياسي؟
وهنا تتضح أهمية الانتقال من دراسة القبيلة باعتبارها وحدة اجتماعية إلى دراسة العلاقات التي تنتجها الملكية والموارد. فالملكية لا تعمل في الفراغ، وإنما داخل شبكة من العلاقات العائلية والقبلية والجماعية والقانونية والسياسية. كما أن الأرض لا تنفصل عن الماء، خصوصاً في المجالات الزراعية التي يصبح فيها التحكم في موارد الري جزءاً من بناء النفوذ. ولذلك فإن دراسة تدبير الماء، التي يناقشها الكتاب في سياق نقد النظرية الانقسامية، تفتح المجال أمام قراءة أكثر تركيباً للبنية الاجتماعية القروية.
وتتضح أهمية هذا النقاش عندما يعرض مهدان النظرية الانقسامية لدى إرنست غيلنر، حيث يذكر أن دراسة غيلنر حول صلحاء زاوية أحنصال والقبائل المحيطة بها سنة 1969 «ستحمل جميع عناصر نظرية متكاملة حول انقسامية القبائل ووظائف صلحائها في التحكيم والوساطة» (ص. 55). وقد شكلت هذه النظرية محاولة لتفسير انتظام القبائل من خلال التوازن بين وحدات النسب والانقسام والتحالف، كما حاولت تفسير وظيفة الصلحاء في الوساطة والتحكيم.
غير أن قيمة الكتاب تظهر بصورة خاصة عندما لا يتعامل مع النظرية الانقسامية باعتبارها تفسيراً نهائياً. فقد خصص مهدان مساحة لنقد قدرتها على النفاذ إلى عمق البنيات الاجتماعية، مستنداً إلى دراسة تدبير الماء. فالمنطق الانقسامي قد يساعد على فهم بعض أشكال تنظيم الموارد والعلاقات بين الجماعات، لكنه لا يكفي وحده لفهم الملكية، والتراتبية، والمصالح الاقتصادية، والتحولات التاريخية، وأشكال تدخل الدولة. ويطرح الكتاب في هذا السياق سؤالاً أساسياً حول قدرة الأطروحة الانقسامية على «أن تنفذ إلى عمق المجتمعات المدروسة» (ص. 81).
ومن هنا يصبح الماء أكثر من مجرد مورد طبيعي؛ إنه مدخل لفهم السلطة والعلاقات الاجتماعية. فمن يملك حق الوصول إلى الماء، ومن يشارك في توزيعه، ومن يحدد قواعد الاستعمال، ومن يملك القدرة على فرض تلك القواعد، كلها أسئلة تكشف عن البنية الفعلية للسلطة داخل القرية. وعندما نقرأ الماء بهذه الطريقة، ننتقل من سوسيولوجيا تصف الجماعة إلى سوسيولوجيا تبحث في العلاقات التي تجعل الجماعة ممكنة، وفي المصالح التي تجعل بعض الأفراد والجماعات أكثر قدرة من غيرهم على التأثير في القرار.
أما السلطة المخزنية، فتظهر في الكتاب باعتبارها عنصراً أساسياً في فهم المجتمع القروي. فالمخزن ليس مجرد سلطة توجد خارج القرية، وإنما يدخل في علاقات مع القبائل والأعيان والقياد والجماعات المحلية. ولذلك فإن دراسة المخزن تكشف عن شبكة من الوساطات والعلاقات السياسية التي تربط المركز بالمجال المحلي. وهذا ما يفسر اهتمام الدراسات الكلاسيكية بما سمي «سوسيولوجيا المخزن»، وبعلاقة السلطة المركزية بالقبائل وبالنظام القيادي.
غير أن تحليل السلطة المخزنية من منظور سوسيولوجيا المعرفة يقتضي تجاوز الصورة الثنائية التي تضع «المخزن» في جهة و«المجتمع» في جهة أخرى. فالسلطة لا تعمل دائماً من الأعلى إلى الأسفل، وإنما تتشكل أيضاً عبر وسطاء محليين، وأعيان، وشبكات القرابة، ومؤسسات دينية، ومصالح اقتصادية. ولذلك فإن فهم السلطة في القرية يقتضي دراسة العلاقات المتبادلة بين المركز والمجال، وبين الدولة والأعيان، وبين القانون والعرف، وبين السلطة الرسمية والسلطات الاجتماعية غير الرسمية.
وتأتي السوسيولوجيا القروية المعاصرة، كما يعرضها الكتاب، لتعيد ترتيب هذه الأسئلة على ضوء التحولات التي عرفها المجتمع المغربي بعد الاستقلال. فقد أصبح الاهتمام منصباً على تفكك المؤسسات التقليدية، والتحولات الاجتماعية، والتنمية، وإعادة تشكيل المجتمع القروي. ويشير مهدان إلى أن هذه الدراسات قدمت «قضايا جديدة للبحث كمسألة تفكك المؤسسات التقليدية والتحولات الاجتماعية والتنمية التي عرفتها المجتمعات القروية بالمغرب بعد الاستقلال» (ص. 84).
وهنا تحديداً تتجلى أهمية الكتاب بالنسبة إلى سوسيولوجيا المعرفة؛ فهو يسمح لنا بفهم أن القرية المغربية ليست بنية ثابتة، وأن المفاهيم التي كانت صالحة لتفسير مرحلة معينة لا يمكن أن تتحول إلى قوالب أبدية. فالقبيلة تغيرت وظائفها، والملكية تغيرت أشكالها، والعلاقات الأسرية أعادت إنتاج نفسها، والسلطة المحلية أصبحت تتقاطع مع الإدارة الحديثة، كما أن الهجرة والتعليم والسوق والدولة والتنمية أدخلت عناصر جديدة إلى المجال القروي.
وعليه، فإن أهم ما يمكن استخلاصه من الكتاب هو ضرورة الانتقال من سوسيولوجيا القرية باعتبارها موضوعاً ثابتاً إلى سوسيولوجيا القرية باعتبارها سيرورة تاريخية. فالقرية ليست مجرد مجموعة من العادات القديمة، ولا مجرد قبيلة، ولا مجرد مجال فلاحي، وإنما هي فضاء تتقاطع فيه الذاكرة والتاريخ والملكية والسلطة والاقتصاد والثقافة. وكل قراءة تختزلها في عنصر واحد، مهما كانت أهمية ذلك العنصر، تظل عاجزة عن الإمساك بتعقيدها.
وتزداد أهمية هذا الاستنتاج حين نضع الإرث الكولونيالي في موضعه الصحيح. فالمطلوب ليس محوه من تاريخ المعرفة بالمغرب، كما ليس المطلوب التعامل معه باعتباره حقيقة مكتملة؛ بل ينبغي تفكيكه، والتمييز داخله بين المعطى الميداني والقيمة العلمية من جهة، والإطار الأيديولوجي والسياق الاستعماري من جهة أخرى. وبهذا المعنى يمكن الاستفادة من أعمال المونوغرافيا والوصف والملاحظة والمقابلة وجمع المعطيات، مع إخضاع مفاهيمها وتصنيفاتها وتأويلاتها لنقد تاريخي ومعرفي صارم.
وهذا ما يمنح كتاب مهدان قيمة تتجاوز مجرد تقديم عرض تاريخي للسوسيولوجيا القروية. فالكتاب يضع أمام الباحث مادة غنية لإعادة التفكير في كيفية بناء المعرفة حول المجتمع المغربي، ويكشف أن دراسة القرية كانت دائماً مرتبطة بسؤال أكبر يتعلق بكيفية فهم المغرب نفسه. كما أن قوة الكتاب تكمن في جمعه بين مراحل مختلفة من تاريخ البحث، من الدراسات الكلاسيكية إلى النظرية الانقسامية وصولاً إلى الدراسات المعاصرة التي جعلت التحول والتنمية وتفكك المؤسسات موضوعاً مركزياً.
فالقراءة الأكثر إنتاجاً للكتاب اكيد هي التي تتعامل معه باعتباره تمريناً في نقد إنتاج المعرفة حول القرية المغربية، وليس مجرد تاريخ للأسماء والنظريات. فالقرية التي تظهر في النصوص ليست دائماً القرية كما هي في الواقع، وإنما هي قرية أعيد بناؤها من خلال مفاهيم الباحثين وأسئلتهم ومناهجهم وسياقاتهم التاريخية. ومن هنا يصبح دور الباحث المغربي اليوم هو إعادة وصل المفهوم بالميدان، وإعادة قراءة الأرشيف والدراسات القديمة في ضوء التحولات التي عرفها المجتمع، والبحث عن المفاهيم التي تنبع من خصوصية الواقع المغربي دون الانغلاق عليه أو عزله عن المقارنات السوسيولوجية العالمية.
إن القيمة العلمية الحقيقية لهذا الكتاب، تكمن في أنه يجعل من القبيلة والملكية والماء والروابط الاجتماعية والسلطة والمخزن مفاتيح مترابطة لا موضوعات منفصلة. فالقبيلة لا تُفهم خارج الأرض، والأرض لا تُفهم خارج الملكية، والملكية لا تُفهم خارج علاقات القوة، وعلاقات القوة لا تُفهم خارج السلطة، والسلطة لا تُفهم خارج التاريخ. وعندما تتجمع هذه العناصر في تحليل واحد، تصبح القرية المغربية مختبراً حقيقياً لفهم المجتمع المغربي في بنيته العميقة وتحولاته المتواصلة.
======

المرجع الأساس: امحمد مهدان، السوسيولوجيا القروية بالمغرب: مقاربات وقضايا، الطبعة الثانية، دار سوس للنشر، 2017.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى