لماذا الان ؟

توفيق بوعشرين
قمة مصغّرة حضرها بوريطة عن المغرب، وجدعون ساعر عن إسرائيل، ومندوب أمريكا في الأمم المتحدة مايك والتز، قبل قليل في نيويورك، وخرجت بالقرارات التالية:
-تبادل السفراء وفتح سفارات في كلٍّ من المغرب وإسرائيل، أي تمثيل دبلوماسي كامل.
-استئناف الرحلات الجوية بين المملكة المغربية وإسرائيل بشكل مكثّف.
-إبرام اتفاقية اقتصادية شاملة لتعزيز العلاقات وإزالة الازدواج الضريبي، لتشجيع انتقال الأفراد واستقرارهم هنا وهناك.

وكل هذا جاء في بيان أصدرته الخارجية الإسرائيلية يوم الأربعاء 16 شتنبر الجاري، ونقلته وكالة الأنباء الفرنسية وصحف إسرائيل، فيما خارجية بوريطة لم تفتح فمها بكلمة واحدة…
فهي ليست معنية بإعطاء خبر مثل هذا لشعب يرفض في معظمه تطبيع العلاقات مع كيان يرفض الاعتراف بالدولة الفلسطينية ويداه مازالتا تقطر بدماء الفلسطينيين أطفالا ونساء وشيوخا ورجالا !
لماذا الآن؟
القرار الدبلوماسي هو أولًا فن اختيار التوقيت. وهنا احتمالات وتفاصيل وفرضيات كثيرة…
لماذا في أمريكا وبحضور ممثل ترامب في الأمم المتحدة؟
لأن أمريكا كانت هي الجسر الذي عبر منه الإسرائيلي إلى المغرب، بصفقة اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء مقابل تطبيع الرباط علاقتها مع تل أبيب…
ثم لإظهار هذا التطبيع الكامل على أنه إتمام للاتفاقيات الإبراهيمية التي بدأت منذ 2020. وبذلك، طرفان مهمان سيستفيدان منها:
* الإدارة الأمريكية التي تريد إظهار ترامب بأنه رسول السلام والمحبة والوئام، وأحد أكبر داعمي إسرائيل في العالم، وهو على أبواب انتخابات نصفية لتجديد مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ.
* حكومة نتنياهو التي تستعد الشهر المقبل لدخول امتحان الانتخابات، مع تقدّم حظوظ أحزاب المعارضة على أحزاب الحكومة. وهنا يريد نتنياهو أن يصوّر لكتلة اليمين أنه الأقدر على جلب السلام والرخاء والاعتراف من الدول العربية والمغاربية دون اي تنازل في الموضوع الفلسطيني …
لكن ماذا سيستفيد المغرب؟
نحن الآن في أزمة مع إسبانيا ومع أوروبا بسبب أزمة سبتة، ومن شأن القوى المؤثرة في العالم أن تساهم في تبريد حرارة الأزمة.
ممكن…
نحن الآن على أبواب عقد جلسة جديدة لمجلس الأمن نهاية أكتوبر، للبتّ في مستقبل نزاع الصحراء، بعد أن «فشل مسعد بولس» في جرّ الأطراف المتصارعة إلى توقيع إطار للحل، رغم جمعهم أكثر من مرة على طاولة المفاوضات…
ممكن…
للحديث والتحليل والرأي بقية…
لكن لا أستطيع إخفاء مرارة الخبر في الحلق هذا المساء .
وكيف وصلنا إلى هنا؟
تبادل السفراء مع حكومة متهمة بالإبادة الجماعية في غزة…
حكومة يرأسها نتنياهو، ومعه قريناه بن غفير وسموتريتش…
اللذان يعتديان على فلسطينيي الضفة الغربية، ويقتلان أطفال غزة المحاصرة كل صباح، وهما في طريقهما إلى مقر العمل في الحكومة…
لا أدري ما هو شعور هذا السفير سيئ الحظ، الذي سيقع عليه الاختيار لتمثيل الخارجية المغربية في تل أبيب أو في القدس؛ لم يعد هناك فارق…
وتحضرني هنا العبارة الشهيرة المنسوبة إلى الزعيم المصري سعد زغلول، مخاطبًا زوجته صفية زغلول، التي كانت تُلقّب بأم المصريين:
«غطّيني يا صفية، مفيش فايدة»
جاء هذا القرار في الأسبوع الأخير للحملة الانتخابية ليسكب على الرهانات السياسية ومخرجاتها سطلا باردا … فالانتخابات والبرلمانات والحكومات لا علاقة لها بالملفات الاستراتيجية انتهى الكلام !





