منظمة التجديد الطلابي تخلد ذكرى الشهيد عبد الرحيم حسناوي

عبد الرحيم حسناوي: شهيد الكلمة الحرة في وجه العنف الماركسي الإقصائي بالجامعة المغربية
======================
في سياق جامعي تتقاطع فيه التحولات السياسية والفكرية مع الأزمات البيداغوجية والتنظيمية، تظل ذكرى استشهاد الأخ والطالب عبد الرحيم الحسناوي – عضو منظمة التجديد الطلابي – لحظة مفصلية تؤرخ لاختلال عميق في الثقافة السياسية داخل الجامعة المغربية، حيث تبرز إشكالية تسييد العنف كأداة نضالية وتوظيف الإيديولوجيا لتبريره.
لم يكن اغتيال الحسناوي، في 24 أبريل 2014، حدثا عارضا، بل تجليا مأساويا لفكر إقصائي متطرف ظل يتغذى على أدبيات “الثورة” و”الحسم”، ويتوسل بالعنف لتصفية كل ما يختلف معه فكريا أو سياسيا داخل الجامعة، فقد جرى استهدافه خلال مشاركته في ندوة طلابية فكرية بكلية الحقوق بجامعة فاس، كانت منظمة التجديد الطلابي قد دعت إليها، حيث باغتته عناصر إجرامية منتمية إلى فصيل البرنامج المرحلي اليساري المتطرف بالسلاح الأبيض، ما أدى إلى إصابته إصابة خطيرة نقل على إثرها إلى المستشفى الجامعي الحسن الثاني بفاس، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة رحمة الله عليه.
الحسناوي: شهيد مشروع إصلاحي لا ضحية صراع مفتعل
ينتمي عبد الرحيم الحسناوي إلى تنظيم طلابي آمن بأن الجامعة ليست ساحة صراع دموي، بل فضاء لبناء الوعي وتكوين الإنسان. كان طالبا بكلية الحقوق، معروفا بأخلاقه العالية ونشاطه الميداني السلمي، التحق مبكرا بمنظمة التجديد الطلابي، حيث تشبع بثقافة الإصلاح، والنضال المؤطر، والعمل النقابي السلمي، منخرطا في تأطير الطلبة والدفاع عن حقوقهم، والمساهمة في أنشطة فكرية وتكوينية ذات طابع تربوي مدني.
لم يكن استهدافه معزولا عن هذا السياق، بل جاء في سياق تزايد العداء الذي تكنه فصائل إقصائية متطرفة، وعلى رأسها التيار المتبني لما يسمى “البرنامج المرحلي”، لكل مشروع طلابي مخالف عبر منطق العنف والاستئصال. وقد سبق هذا الحادث اعتداءات لفظية وتهديدات واضحة لأعضاء المنظمة، ضمن سياق تصعيدي كان يهدف إلى ترهيب كل صوت مخالف.
جذور العنف في المرجعيات الماركسية الراديكالية
ترتكز ورقة “البرنامج المرحلي” – وهي الوثيقة المرجعية لفصيل يساري متطرف داخل الجامعة – على مرتكزات فكرية مستمدة من الماركسية الثورية، كما أعيد تأويلها في سياقات محلية ممعنة في التبسيط الإيديولوجي.
تقوم هذه الورقة على عدة أطروحات مركزية:
1. اعتبار الجامعة مجالا للصراع الطبقي، حيث ينظر إلى الطالب باعتباره جزءا من الطبقة المسحوقة التي يجب أن تقود النضال ضد الدولة باعتبارها أداة للهيمنة البرجوازية.
2. التموقع ضد كل “القوى الظلامية” و”الرجعية”، وهي تسميات فضفاضة يدرج فيها كل مخالف إيديولوجيا، خاصة التيارات ذات المرجعية الإسلامية.
3. تبني مفهوم “الحسم الثوري” الذي يتم تفعيله عند “استنفاد الحوار”، وهو ما يعني ضمنيا شرعنة العنف الجسدي والمادي ضد الخصوم السياسيين.
4. رفض التعدد والاختلاف، بحكم أن الصراع يتم تأطيره ضمن ثنائيات حادة (ثوري/رجعي، تقدمي/ظلامي)، ما يقصي أي إمكان لحوار عقلاني.
إن هذه المرتكزات حولت الجامعة إلى مجال للصدام المفتوح، يتم فيه تحويل الخلاف السياسي والفكري إلى مبرر للتصفية الجسدية، بل يتم التنظير لذلك في حلقات تكوينية مغلقة تبث فيها أحقاد طبقية ومفاهيم مغلوطة عن الثورة والمواجهة. وقد نشأت داخل هذا الفصيل ثقافة التنظيم المسلح والتكتم الهرمي، حيث تمنح الشرعية لممارسات العنف باعتبارها امتدادا نظريا للموقف الطبقي من المخالفين، وتحمى بغطاء نظري يدعي الجذرية الثورية.
ممارسة العنف: من التنظير إلى التطبيق
على أرض الواقع، ترجم هذا الفصيل أطروحاته في ممارسات يومية قائمة على الإقصاء والعنف، نذكر منها:
* استعمال الأسلحة البيضاء داخل الحرم الجامعي ضد الطلبة المخالفين، في مشاهد متكررة من العنف المجاني.
* منع الأنشطة الثقافية والفكرية التي تنظمها التنظيمات الطلابية الأخرى، بالقوة والعنف والتهديد.
* فرض هيمنة مادية على الساحات الجامعية، عبر ما يسمى بـ”النقاشات الحاسمة” التي لا تعدو أن تكون محاكمات فكرية تنتهي غالبا بالتهديد أو الطرد.
* تكوين ميليشيات طلابية تدرب على العنف، خارج القانون والأخلاق، وترسل لتأديب الخصوم.
هذه الممارسات لم تواكبها للأسف أية مقاربة حازمة من طرف الدولة، بل ظلت الجامعة مرتعا مفتوحا للعنف باسم السياسة، وللأدلجة باسم النضال.
الوفاء للشهيد: من الاستذكار العاطفي إلى المشروع الممانع للعنف
إن تخليد ذكرى الشهيد عبد الرحيم الحسناوي لا ينبغي أن يقتصر على النحيب والتأبين، بل يجب أن يتحول إلى لحظة لتجديد المشروع الطلابي المناهض للعنف. وفي هذا الإطار، نطرح المحاور التالية:
أولًا: الاعتراف بالعنف كظاهرة بنيوية لا أحداث معزولة
إن عنف الجامعة لم يكن حدثا استثنائيا، بل سلوكا ممنهجا تم التأسيس له فكريا وتنظيميا، ويجب التعاطي معه كمشكلة سياسية وثقافية مستدامة.
ثانيًا: إعادة الاعتبار لثقافة التعدد والاختلاف
يتعين استعادة الفضاء الجامعي كمجال للنقاشات الفكرية الحرة، لا كساحة صراع إيديولوجي مغلق، من خلال ترسيخ قيم الحوار والانفتاح على المرجعيات المختلفة.
ثالثًا: بناء تحالف طلابي وطني مناهض للعنف
إن القوى الطلابية المدنية، على اختلاف مرجعياتها، مدعوة لبناء جبهة واسعة ضد كل أشكال العنف، تقوم على التشارك في حماية الجامعة من العسكرة الإيديولوجية.
رابعًا: المطالبة بإصلاح تشريعي ومؤسساتي صارم
لا يمكن مكافحة العنف دون إطار قانوني واضح يجرمه، ويوفر آليات لحماية الطلبة، ومتابعة الفاعلين المتورطين في ممارساته.
خامسا: ترسيخ ذكرى الحسناوي كيوم وطني لمناهضة العنف الجامعي
تشكل ذكرى استشهاد عبد الرحيم الحسناوي محطة رمزية عميقة في الذاكرة الطلابية والوطنية، مما يفرض تحويلها إلى مناسبة سنوية داخل الجامعة المغربية، تؤطرها حملات توعوية، وأنشطة فكرية، وورشات تكوينية تركز على قيم الحوار، والاختلاف. ويتعين على التنظيمات الطلابية أن تجعل من هذه الذكرى فرصة لتعزيز الوعي الجماعي بخطورة الفكر الإقصائي والعنف الإيديولوجي، وضرورة مواجهته ليس فقط عبر المعالجة الأمنية، بل أساسا من خلال بناء فكر ثقافي بديل قوامه الحوار والتعددية.
وفي هذا السياق، تدعو منظمة التجديد الطلابي إلى اعتماد يوم 25 أبريل كيوم وطني لمناهضة العنف بالجامعة المغربية، يتم تخليده سنويا، بما يكرس ثقافة نبذ العنف والتطرف بكل أشكاله. كما ينتظر من وزارة التعليم العالي أن تعتمد سياسة واضحة لدعم هذا التوجه، عبر إشراك المجتمع المدني، ومجالس الجامعات، والمكونات الطلابية، لضمان تخليد هذه الذكرى وتأطيرها بما يعزز مناعة الفضاء الجامعي ويصون رسالته المعرفية والأخلاقية.
خاتمة:
لقد كان عبد الرحيم الحسناوي شهيدا لقضية عادلة: الدفاع عن الجامعة كمجال للعلم والنقاش والسلم. واستشهاده يحملنا مسؤولية جماعية لمواصلة النضال من أجل جامعة حرة، محصنة ضد كل أشكال التطرف والعنف، ومؤسسة على التعدد والنقاش والمعرفة.
ولأن الغدر لا يطوي القضية، فإننا ماضون على العهد: نكتب، نناضل وفاء لدم طاهر سفك دفاعا عن جامعة القيم ومغرب الكرامة.
======================
مصعب شرعي – النائب الأول لرئيس منظمة التجديد الطلابي
ذكرى الشهيد
منظمة التجديد الطلابي





