قراءة تحليلية سريعة في التقديرات الخاطئة للحـرب الأمريكية الصهيـونية على إيـران

محمد حمداوي
في خضم العدوان الحالي للولايات المتحدة على إيـ..ـران، ووسط انخراط الكيان الصهيـ..ـوني، تتعالى أصوات ترى في الخيار العسـ.ـكري حلا حاسما وسريعا لإعادة رسم موازين القوة في المنطقة.
غير أن القراءة المتأنية لمسار الأزمات السابقة تكشف أن الحـ..ـروب في الشرق الأوسط نادرا ما تنتهي وفق ما يخطَط لها في غرف العمليات، وأن كلفة “الضربة الأولى” لا تقاس بوقعها اللحظي، بل بسلسلة التفاعلات التي تطلقها في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
إن الإقدام على حـ..ـرب واسعة ضد إيـ..ـران لا يمكن اعتباره مجرد عملية تكتيكية محدودة، بل هو قرار استراتيجي عالي المخاطر، يحمل في طياته احتمالات انفلات غير محسوب، سواء على مستوى أسواق الطاقة، أو استقرار الحلفاء، أو توازنات الردع الإقليمي. كما أن الافتراض بأن التفوق العسـ..ـكري كفيل بفرض واقع سياسي جديد يتجاهل دروسا قريبة في التاريخ الحديث، حيث تحولت رهانات الحسم السريع إلى حـ..ـروب استنزاف طويلة أضعفت أطرافها وأربكت حلفاءها.
من هذا المنطلق، تأتي هذه النقاط الخمس عشرة لتفكيك أبرز أخطاء التقدير الاستراتيجي التي قد وقعت فيها الإدارة الأمريكية وصناع القرار في الكيان، ولإبراز عبثية مغامرة عسـ..ـكرية غير محسوبة العواقب، قد تتجاوز نتائجها حدود ساحة المواجهة لتصيب بنيرانها المباشرة وغير المباشرة استقرار المنطقة والعالم على السواء.
1️⃣ وهم الحسم السريع
راهنت بعض دوائر القرار في الولايات المتحدة والكيـ.ـان على سيناريو “الضربة الخاطفة” التي تسقط القدرة الإيـ..ـرانية خلال أيام. لكن تجارب العقدين الأخيرين أثبتت أن الحـ..ـروب غير المتكافئة قد تتحول سريعا إلى استنزاف طويل، وأن كلفة ما بعد الضربة تفوق كلفة الضربة نفسها.
2️⃣ سوء فهم طبيعة النظام الإيـ..ـراني
افترضت التقديرات أن الضغط العسـ..ـكري سيحدث تصدعا داخليا سريعا. غير أن بنية الدولة في إيـ..ـران مركبة ومتماسكة أمنيا، وتملك قدرة على تعبئة خطاب “الدفاع الوطني”، ما يحول أي عدوان خارجي إلى عامل توحيد بدل التفكيك.
3️⃣ التقليل من قدرات الرد غير المتماثل
إيـ..ـران لا تعتمد على القوة التقليدية فقط، بل على شبكة تحالفات إقليمية وأدوات ردع غير مباشرة. تجاهل هذه الحقيقة يعني فتح جبهات متعددة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
4️⃣ إهمال جغرافيا الخليج الحساسة
مضيق هرمز شريان الطاقة العالمي. أي تصعيد يهدد الملاحة فيه سيقود إلى اضطراب أسواق النفط وارتفاع الأسعار عالميا، ما ينعكس سلبا حتى على الاقتصادات الغربية وحلفاء واشنطن.
5️⃣ المبالغة في فعالية الردع الصهيوني
اعتمد الكيان الصهيـ..ـوني على تفوقه الجوي والاستخباراتي، لكنه تجاهل اتساع مسرح العمليات واحتمال تعرض جبهتها الداخلية لضربات صاروخية مكثفة، بما يربك الجبهة الداخلية ويستنزف منظومات الدفاع.
6️⃣ التناقض بين الأهداف والوسائل
إذا كان الهدف منع الانتشار النووي، فإن الحـ..ـرب قد تدفع طهران عمليا إلى تسريع برنامجها بدل تجميده، باعتبار أن السلاح النووي يصبح ضمانة ردع قصوى ضد تكرار الهجوم.
7️⃣ تجاهل إرهاق الداخل الأمريكي
بعد تجارب العراق وأفغانستان، المزاج العام في الولايات المتحدة يميل إلى الانكفاء. أي حـ..ـرب جديدة ستصطدم بسؤال الكلفة البشرية والمالية في ظرف اقتصادي حساس.
8️⃣الرهان الخاطئ على انهيار حلفاء إيـ..ـران
التقدير بأن حلفاء طهران سيلتزمون الحياد أثبت في أزمات سابقة أنه رهان ضعيف؛ فشبكات النفوذ الإقليمي جزء من استراتيجية الردع الإيـ..ـرانية وليست عبئا عليها.
9️⃣ توسيع رقعة عدم الاستقرار الإقليمي
أي مواجهة مفتوحة ستنعكس على دول الجوار، موجات نزوح، ضرب منشآت طاقة، توترات طائفية، واهتزاز أسواق المال في المنطقة.
إضعاف القانون الدولي
اللجوء إلى القوة خارج إطار التوافق الدولي يعمق أزمة الشرعية ويغذي خطاب “ازدواجية المعايير”، ما يضعف النظام الدولي الذي تدعي واشنطن حمايته.
1️⃣1️⃣ تعريض الحلفاء الخليجيين للمخاطر
القواعد العسـ..ـكرية والبنى التحتية النفطية في دول الخليج ستكون أهدافا مباشرة أو غير مباشرة، ما يضع هذه الدول في قلب النار دون أن تكون صاحبة قرار الحـ..ـرب، فتصبح القواعد كما نبه لذلك عدد من المحللين إلى عبء عليها عوض أن تقوم بالدفاع عنها.
1️⃣2️⃣ سوء تقدير البعد الاقتصادي العالمي
ارتفاع أسعار الطاقة والتأمين البحري سيقود إلى تضخم عالمي جديد، ما يضر بالدول المتخلفة ويعمق الفوارق الاقتصادية، ويخلق بيئة خصبة لعدم الاستقرار.
1️⃣3️⃣ إحياء سباق التسلح الإقليمي
الحـ..ـرب ستدفع قوى إقليمية أخرى إلى تطوير برامج تسليح متقدمة، وربما التفكير في خيارات ردع قصوى، ما يفتح الباب أمام سباق تسلح خطير.
1️⃣4️⃣ إهمال البدائل الدبلوماسية
التجارب السابقة في التفاوض أظهرت أن الاتفاقات وإن كانت هشة، أقل كلفة من الحـ..ـرب. لذا فإن إغلاق باب الدبلوماسية يختزل الخيارات في مسار عسـ..ـكري عالي المخاطر. والنتيجة مغامرة بلا أفق واضح
1️⃣5️⃣ الحـ..ـرب قد تبدأ بقرار سريع، لكنها لا تنتهي وفق جدول زمني مخطط له. ومع غياب رؤية لليوم التالي، تتحول العملية إلى مستنقع استراتيجي يرهق الجميع، ويقوض استقرار المنطقة، ويلحق أضرارا بحلفاء الولايات المتحدة أنفسهم.
خلاصة:
إن أي مواجهة عسـ..ـكرية واسعة مع إيـ..ـران ليست مجرد ضربة تكتيكية، بل زلزال جيوسياسي. وأخطر ما في الأمر ليس قوة الضربة الأولى، بل سلسلة التفاعلات غير المحسوبة التي قد تليها. الحكمة الاستراتيجية تقتضي تغليب مسارات الردع المتبادل والحلول السياسية على رهانات الحرب المفتوحة.
والحمد لله رب العالمين




