بني ملال عاصمة التعييد الاحتفالي

عبد الكريم برشيد 
فاتحة الكلام
بالأمس وقبل الأمس كنت بمدينة بني ملال، ضيفا كنت على جامعة المولى سليمان وعلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية فيها، ولأنني مثل كل الاحتفاليين، لا أسافر وحدي، فقد كنت بصحبة اصدق صديق، و اوفى رفيق، والذي هو الاحتفالي الجديد والمجدد الدكتور محمد الوادي، وكان صاحب هذا المبادرة الجميلة التي جمعنا بالسؤال الفكري هو صديقنا الروائي والمسرحي الدكتور محمد ابو العلا، ولقد صادفت في مدينة بني ملال وفي نفوس و ارواح الناس فيها حرارة عالية جدا، ولقد أسعدني أن اجد في المدينة شبابا احتفاليا يحمل نفس اسئلتي، ويحمل نفس قضيتي، ويعيش معي نفس عشقي الوجودي للناس والأشياء والمعاني، و يتبنى نفس رؤيتي العيدية للحياة والتاريخ، ويحمل في عقله و روحه نفس ايماني بالحفل والاحتفال، ونفس الخوف على جماليات الوجود وجماليات الناس وعلى جماليات الأشياء في الوجود من مكر الإنسان ومن مكر الواقع ومن مكر التاريخ
وبني ملال ماذا يمكن ان اقول عنها؟ هي مدينة مثل ذلك النهر الذي لا يمكن ان تدخله مرتين، وفي كل لقاء معها هي مدينة اخرى، وهي جديدة ومجددة بشكل دائم، وهي تتسع دائما، عمرانيا وإنسانيا وثقافيا، وقد يتغير كل شيء فيها إلا روحها ووجدانها وقلبها الذي يسع الناس والحجارة، ويسع الأشجار والأنهار، ويسع الواقع والتاريخ
هذه المدينة تعرفني كما اعرفها، وهي تذكرني بمدينة ابركان، مدينتي التي هي مسقط راسي ومسقط روحي، والتي كنت اسكنها، واصبحت اليوم هي التي تسكنني، وليس صدفة ابدا ان يكون اسم بني ملال يعني البياض، وان يكون اسم ابركان يفيد السواد في اللغة الأمازيغية، وهل يمكن ان يكتمل البياض إلا بالسواد، وهل يمكن ان يتحاور السواد إلا مع البيضاء؟:وهل حياتنا اليومية إلا ليل ونهار، لا نعرف السابق فيهما ولا نعرف اللاحق؟
هما مدينتان تلتقي فيهما الأرض بالسماء، و تتحاور فيهما الأشجار مع الماء، و تتقاطع فيهما كل اللغات، وتتعايش فيهما اجساد إنسانية شفافة يمكنك أن تبصر ما بداخلها بالعين المجردة.
هي رحلة كان لابد منها، وقد كانت بالنسبة لنا، انا ورفيقي د. محمد الوادي، كانت حجا إلى الناس، وليس سفرا إلى الحجارة، وكانت بحثا عن المعنى في عالم يكاد اليوم يضيع منه المعنى، وهناك أسفار كثيرة تشعرك بانها تنزل بك إلى الأرض من السماء، وهناك اسفار اخرى تشعرك بانها تصعد بك من هذه الأرض الى تلك السماوات العالية و البعيدة، ولعل هذا هو ما جعلني أدون رحلتي إلى فلسطين في كتاب، وان اعطي ذلك الكتاب اسم ( الصعود إلى فلسطين) وهذا هو نفس المعنى الذي يمكن ان نعطيه لرحلتنا إلى مدينة بني ملال، والتي احتفالا وتعييدا فكريا و وجدانيا وروحيا
وتلك الرحلة إلى فلسطين كانت بصحبة رفاقي المسرحيين، عبد الحق الزروالي وإدريس الإدريسي والفنان المسرحي الكبير عبد الله العمراني رحمه الله والمخرج الاحتفالي عبد المجيد فنيش والمخرح الاحتفالي محمد بلهيسي والفنانة لطيفة احرار والفنانة خلود البيطيوي.
السؤال الحارق في الاحتفالية الحارقة:
وفي مدرج كلية الآداب بجامعة مولاي سليمان كان اللقاء، روحيا وفكريا و وجدانيا، حدث ذلك في ساعة ضيعت عقارب الساعة، وأصبحت ساعة بحجم الأبدية
وما شعرت به وانا بجانب رفاقي الأساتذة، د. محمد الوادي ود. محمد ابو العلا وذ. الحسين الرحاوي، لم يكن شعورا بسيطا، ولقد احسست وأنا أمام اخوتي الطلبة، وكانني احاضر لأول مرة في حياتي، وان كل ذلك الماضي الذي مضى قد اصبح حاضرا، ووجدت نفسي، ومن غير ان ادري، استعيد الزمن الضائع، وكانني ادخل عالم الفلسفة الاحتفالية من جديد، ولقد جعلتني مداخلات كل من د محمد الوادي ود محمد ابو العلا وذ. الحسين الرحاوي وكلمات د. الحبيب المغراوي ود. محمد العلوي اتذكر كل ما كدت انساه، وجعلتني اسئلتهم اكثر قربا من نفسي ومن افكاري، وجعلتني اكتشف في هذه الاحتفالية جوانب اخرى كثيرة جدا
وما اجمل ان تعيش بين سحر المكان ونبل المشاعر الإنسانية، وقدسية اللحظة، وجدية الأسئلة، وتحس وكانك تقبض على عصا سحرية، وانه قد صار بإمكانك أن تغير التاريخ، وان تحول كل شيء قبيح في حياة الناس وفي حياة الأشياء وفي حياة الأفكار الى جمال وكمال وجلال
لقد تاكد لي، في تلك اللحظات الاحتفالية الإستثنائية، بان الأجساد يمكن ان تشيخ،مع التقدم في العمر، ولكن الحقيقة لا تشيخ ابدا، وقد تصبح الأفكار مع توالي الأيام والأعوام اكثر تسجل واكثر حكمة، وؤعرف العارفون بان المعادن النفيسة لا تصدا، وبان الأسئلة الحقيقية، في القضايا الفكرية والعلمية والجمالية الحقيقية، لا يمكن ان تفقد وهجها وبريقها، ولا يمكن ان تضيع منها فاعليتها وسحريتها بالتقادم
لم اكن انا وحدي ضيف الكلية وضيف المدينة، ولا كان محمد الوادي وحده، ولا كان محمد أبو العلا وحده، ولقد كانت الاحتفالية في هذه هي ضيفة الشرف بامتباز، ولقد اسعدني ان يتصل بي مجموعة من اساتذة التعليم الثانوي، بالمدينة، والذين يدرسون لتلاميذهم مسرحية (ابن الرومي في مدن الصفيح) والذين اخبروني بان الدرس المسرحي يتحول في كل حصة الى عرض مسرحي احتفالي، عرض فيه حكي ومحاكاة، وفيه تجسيد و تشخيص، وفيه اقناع فكري ومتعة فنية
وما حصل بعد نهاية العروض لم يكن اقل خطورة من العروض العلمية التي قدمت في الندوة، والتي كانت عبارة عن حوارات غنية جدا مع شباب يعشق المسرح ، ويؤمن بان صدقية هذا المسرح تتبع اساسا من حياة الناس ومن ثقافتهم ومن لغتهم ومن اسىلتهم.
ولقد انعقد هذا التلاقي العلمي والفكري و الفني في إطار احتفالي، و من غير ان تتم الإشارة إلى ذلك، للاحتفاء بالذكرى الخمسين للحركة الاحتفالية، في المغرب وفي العالم العربي، ومن غير التاكيد على ان هذه الاحتفالية تحتفل هذه السنة باليوبيل الذهبي
لقد اقتنعت دائما بانه لا خوف على الاحتفالية، خصوصا عندما دخلت هذه الاحتفالية المدرسة، واصبحت فيها درسا مدرسيا، له اساتذة وتلاميذ، وله ارتباط بالأجيال الجديدة والمتجددة في التاريخ، ودخلت الجامعة ايضا، واصبحت فيها درسا ادبيا وفكريا وعلميا، واصبحت موضوع ابحاث علمية، وبذلك فقد أصبح لهذه الاحتفالية شباب دائم يتجدد مع الطاقات المغربية والعربية الشابة
ولعل هذا هو ما جعل عبد السميع يكون اسرع مني، ويكون اكثر حضورا من كاتبه، وجعله حاضرا في كل مكان و زمان، وفي مدينة اربيل الكردية ـ العراقية رايت عبد السميع، وسمعته وهو يكلمني باللغة الكردية الجميلة، وفي ام درمان والخرطوم رايت نفس هذا العبد السميع وقد اصبح سودانيا، هو وزوجته الخامسة، وعبد السميع الذي انكتب في المغرب، كان اول ظهور له في تونس، وذلك من خلال المخرج التونسي الاحتفالي عبد الغني بن طارة، والذي اخرج المسرحية مع المسرح التونسي، وسافر بها إلى المهرجان المسرحي العربي بدمشق في سوريا
وفي كلمتي التي جاءت بعد مداخلات الأساتذة محمد الوادي ومحمد ابو العلا والحسين الرحاوي قلت بان تلك المداخلات، لسحرها و قوتها و غنانا، قد ضيعتني، ولم اعد اعرف اي مسلك يمكن ان اسلك في التعقيب عليها، فتحت امامي كل ابواب الكلام، و اعطتني اكثر من راس خيط واحد لأن اتكلم، وهي مداخلات غنية اختزلت كل احلامي واختزلت كل افكاري، واختزلت كل اختياراتي، واختزلت كل مواقفي في وقت محدود جدا. ولقد تمنبت لحظتها لو كان بإمكاني ان ألوذ بالصمت، وان اقول في صمتي المتكلم كل شيء، وهل بقي لي شيء اقوله بعد ذلك الذي قاله محمد الوادي ومحمد ابو العلا والحسين الرحاوي؟
لقد كانت مداخلة د. محمد الوادي بعنوان (الكتابة ومرأة الروح في (يا مسافر وحدك )
اما مداخلة د محمد ابو العلا فقد كانت بعنوان )الاحتفالية: السياق والنسق, قراءة في نماذج )
اما الأستاذ الحسين الرحاوي فقد ركز في الاحتفالية على القيم والمفاهيم، وذلك في مداخلة اعطاها عنوان (الاحتفالية والقيم قراءة في المفاهيم)
ولقد كان لهذه الندوة شق ثان احتفت فيه الكلية واساتذتها بتجربة الدكتور محمد ابو العلا التخييلية والنقدية، وقدمت فيها المداخلات العلمية الرسمية التالية:
( الدكتور محمد ابو العلا بين التاطير الأكاديمي والبحث العلمي والكتابة الإبداعية،) للدكتور هشام ميري
( في التجربة النقدية لمحمد ابو العلا) للدكتور ايوب الطاهري
( من إمبريالية التخصص إلى مشاعية الإبداع والنقد في تجربة د محمد ابو العلا النقدية) للأستاذ سعيد احنصال
بالإضافة إلى الكلمة التنويرية التي ختم بها المحتفى به د. محمد ابو العلا الجلسة العلمية.
صفحة من صفحات التجريب الحي:
وهذه المحطة الجديدة، في حياة الاحتفالي والاحتفالية، هي بالتاكيد فصل جديد من فصول التجريب الاحتفالي، والذي هو تجريب ميداني مفتوح، بعيدا عن المختبرات المغلقة، وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي، نحن نعيش التجربة الوجودية بصدق وتلقائية، ونمارس فعل التجريب الميداني بوعي فكري، وفي إطار مشروع واسع، وفي هذا التجريب نسعى من اجل تطوير لغات المسرح، ومن اجل جعله اكثر قربا من الحقيقة، واكثر تعبيرا عن الحقائق الخفية في هذا الواقع
وفي هذه الندوة احسست بانني لست وحدي المعني بحاضر و مستقبل الاحتفالية، ولست وحدي الذي يهمه ان تكون صورة المسرح الاحتفالي هي نفس صورتنا، وان تكون لغته هي نفس لغاتنا، وان تكون ثقافته هي نفس ثقافتنا المتعددة والمتنوعة والجديدة والمتجددة بشكل دائم
وفي حوار صحفي يسالني المسرحي السعودي الكبير عباس الحايك السؤال التالي:
(يجد الكثيرون أن الاحتفالية تقف بمواجهة مع التجريب. كيف يمكن أن نضبط هذه العلاقة بينهما؟)
وفي الجواب يقول الاحتفالي ما يلي:
(في هذا المجال يمكن أن نميز بين أمرين، التجريب المسرحي والمسرح التجريبي. فما نفعله في الاحتفالية هو تجريب وكل ما كان يفعله الكتاب منذ ارسطو وحتى الآن هو تجريب. ولكن أين هو المسرح التجريبي؟ هل من المعقول أن نأخذ تجربة معينة ونقول إنها مسرحية تجريبية؟
التجريب في الفعل المسرحي هو مرحلة عابرة، فنحن نجرب في الكواليس وفي التمارين، وما أن تعرض المسرحية حتى ينتفي فعل التجريب ويصبح بلا دور. إذ أن التجريب هو فعل يسبق العرض المسرحي، وعندما نعرضه ويكون ملكاً للناس لا يعود تجريباً
يوجين يونسكو كان مجربا، ولكنه الآن صار كلاسيكيا، وبيكيت كان مجربا، وصار كلاسيكيا الآن، ونحن نؤكد على فعل التجريب بحثا عن مسرح حقيقي، فالتجريب وسيلة وليس غاية. ولو كان غاية، لما انتهت كثير من التجارب المسرحية التي قدمت في مهرجان القاهرة التجريبي عبر أكثر من ثلاثين عاما من عمره إلى النسيان، ولم تقدم اسما كبيراً، بل انتهت أكثر الفرق إلى المسرح التجاري ومسرح القطاع الخاص. التجريب فعل اجرائي وليس مسرحا قائما بذاته)
وهذا سؤال اخر يواجه المبدع المسرحي الاحتفالي والذي هو (هل ما زال المسرح ديمقراطيا؟)
وفي الجواب يقول الاحتفالي:
(المسرح إما أن يكون ديمقراطيا وإلا لا يكون مسرحا، فهو قائم على الحوار، نتجادل فيه، دون أن يفسد اختلاف الرأي للود قضية. فتصور مسرحا بلا اختلاف وبلا آخر، وبدون تعدد، وهذا الآخر مغيب. فكيف كان يمكن هذا المسرح ؟
المسرح هو نحن في إطار مجتمع مدني نتفاهم فيه باللغة، وليس بالدم، و نتحاور فيه بالعقل والمنطق، و نتجادل فيه بالتي هي أحسن)
وفي مدينة بني ملال حضر المسرح، وحضر روح المسرح، وحضرت لغة المسرح الديمقراطية، والتي تعتمد اساسا على الحوار، وعلى الوحدة مع التعدد، وعلى التلاقي وعلى الحضور الجميل الذي لا يفسده قبح الغياب ولا قبح التغييب
آخر الكلام
هي ساعات قليلة عشناها في مدينة هي مدينة الأحلام وهي مدينة الحفل والاحتفال، وهي مدينة العيد والتعييد، وبالتاكيد فإن الساعة الاحتفالية ليست هي نفس الساعة اليومية في الحياة اليومية العادية، ولا اليوم الاحتفالي و العيدي هو نفس اليوم العادي، ولا هي المدينة الاحتفالية بالناس والأشياء يمكن ان تشبهها كل المدن الأخرى، و فرق كبير بين ساعة تمتلكك، وتفعل بك ما تريد، وبين ساعة انت فيها السيد، وانت فيها السلطان، و فرق كبير بين عبيد الساعة، وما اكثرهم، وبين أسياد الساعة، وعن قلة قليلة، وفرق كبير بين الذين تجذبهم الجاذبية الى الأسفل وإلى الخلف وإلى الغياب، وبين الذين تمكنهم اجنحة العقل واجنحة الخيال واجنحة الروح من ان يحلقوا عاديا في السماوات العالية
شكرا مدينة بني ملال .. ساعاتك القليلة كانت دهرا، و كلماتك السحرية كانت شعرا، وعبورنا المحدود فيك كان عمرا، اضفناه إلى اعمارنا السابقة العلوم
وشكرا جامعة مولاي سليمان .. وشكرا كلية الآداب والعلوم الإنسانية.. وشكرا السيد عميد الكلية الذي غمرنا بلطفه وكرمه ..
وشكرا لأصدقائنا الأساتذة مولاي امحمد اسماعيلي علوي و الحبيب مغراوي وعبد اللطيف مكان ومحمد بالاشهب ويوسف ادروا وسعيد قاسم.
وشكرا للاسماء التي شاركت في التنيظم: سعيد احنصال .ايوب الطاهري . يونس شكري . كمال شراف .هشام ميري .عبد الرحمان كريم.







