من موسكو الى العالم : القضية القبائلية تفرض نفسها على أجندة الشرعية الدولية


هناك لحظات سياسية تتحول فيها بعض القضايا من ملفات داخلية إلى وقائع دولية يصعب احتواؤها أو التحكم في مساراتها. ويبدو أن القضية القبائلية دخلت اليوم هذه المرحلة الحساسة، بعدما بدأت تفرض حضورها خارج الحدود الجزائرية وتشق طريقها نحو منصات التأثير الدولي، في تطور يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز بكثير حدود الجدل المحلي.

فالمشاركة الأخيرة لوفد يمثل الحركة القبائلية في المنتدى العالمي الأول لمناهضة الإمبريالية والاستعمار الجديد بموسكو لم تكن مجرد حضور رمزي في تظاهرة سياسية دولية، بل جاءت لتؤكد أن هذا الملف بات يسعى إلى اكتساب مشروعية جديدة في فضاء العلاقات الدولية. وهي خطوة تعكس تحولاً واضحاً من خطاب المطالب المحلية إلى استراتيجية البحث عن الاعتراف الخارجي وكسب الدعم السياسي والدبلوماسي.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن النزاعات المرتبطة بالهوية والخصوصية الثقافية لا تبقى رهينة الجغرافيا عندما تجد طريقها إلى المنابر الدولية. وعندما تنجح أي حركة سياسية في فرض نفسها ضمن النقاش العالمي، فإنها تنتقل من موقع المطالبة إلى موقع الفاعل السياسي الذي يسعى إلى بناء شرعية تتجاوز حدود الدولة التي ينتمي إليها.
ومن هذا المنظور، فإن ما جرى في موسكو لا يمكن قراءته كحدث عابر أو تفصيل ثانوي. فالمنتدى جمع قوى سياسية وتنظيمات من دول متعددة، ووفّر للحركة القبائلية فرصة عرض رؤيتها أمام جمهور دولي واسع، وهو ما يمنح القضية زخماً إعلامياً وسياسياً متنامياً ويضعها على مسار مختلف عما عرفته خلال العقود الماضية.
في المقابل، تجد الجزائر نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً. فكل ظهور دولي لهذا الملف يوسع دائرة الاهتمام به، ويجعل من الصعب إبقاؤه محصوراً في نطاقه الداخلي. كما أن تنامي الحضور الخارجي للقضية يفرض على الدبلوماسية الجزائرية تحديات متزايدة تتعلق بالدفاع عن الرواية الرسمية للدولة والحفاظ على ثوابتها السيادية.
غير أن جوهر الصراع لم يعد يتعلق فقط بالأرض أو بالهوية، بل أصبح صراعاً على النفوذ السياسي والرواية الدولية. ففي عالم تحكمه الصورة والتأثير وموازين الخطاب، لم تعد الشرعية تُبنى بالقوة وحدها، بل بقدرة الأطراف على إقناع الرأي العام الدولي بعدالة مواقفها ومشروعية مطالبها.
وبين موسكو والجزائر تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها انتقال القضية القبائلية من هامش النقاش الداخلي إلى قلب التفاعلات الدولية؛ وهي مرحلة قد تعيد رسم حدود هذا الملف وتفرض على جميع الأطراف مراجعة حساباتها السياسية والدبلوماسية في السنوات المقبلة.





