الواجهةمجرد رأي

اعادة التأسيس و ليس الترميم

المحرر) :المقالة بالدارجة المصرية و هي قريبة جدا من العربية الفصحى

محمد عزت أبو سمرة 
أكبر فخ ممكن يقع فيه أي عقل استراتيجي، هو إنه يحاول يطبق أدوات الترميم في لحظة بتتطلب الإخلاء وإعادة التأسيس. طول ما الأزمة في هيكل النظام، عقلية المهندس الدستوري زي الماوردي بتقدر تسند العمدان وتمنع السقوط، لكن الكارثة بتنفجر لما الخصم يقرر ينسف الأرضية اللي إنت واقف عليها؛ لما يشغل مفرمة طاحنة هدفها مش بس إزاحتك، لكن كمان غسيل العقول ومسح الهوية من جذورها!

في لحظة الطوفان دي، مهارات إدارة الأزمات التقليدية بتفقد صلاحيتها، وبنضطر ننتقل لمستوى أعمق وأعقد في هندسة المواقف. بنسيب حراسة المبنى المتهالك، وبنلجأ لمهندس الإدراك [ إمام الحرمين أبو المعالي الجويني]. إحنا هنا مش بنعالج كيان بينزف، إحنا بنكتب نظام تشغيل نجاة لأمة بتفقد عقلها في بيئة عزل خانقة.

​المشهد ده بيتجسد بوضوح صادم في اللحظة اللي قرر فيها الوزير السلجوقي الباطش عميد الملك الكندري إنه مش بس يخرس خصومه الفكريين في مدينة نيسابور، ده قرر يمسح شفرتهم الجينية من الوجود. أمر بلعنهم على المنابر، وسلط شرطته لاعتقالهم، وحول عاصمة العلم لمسلخ فكري وحشي!

قدام آلة الفرم دي، العقل البشري دايماً بيقع فريسة لواحد من فخين؛ الأول هو فخ ( الرومانسية الانتحارية)، زي ما حصل مع الإمام أبو القاسم القشيري وقامات شجاعة تانية قررت تقف بصدور مكشوفة قدام الطوفان، فكانت النتيجة إنهم اتسحبوا من المشهد تماماً، واتحرمت الأمة من نورهم في عز العتمة.

والفخ التاني هو ( الواقعية المهينة)، اللي اختارها علماء قرروا يشتروا حياتهم بالسكوت والانبطاح، فاتحولوا لمجرد أبواق باهتة بلا أي وزن أو مرجعية.

​وسط ريحة المهانة دي، الإمام الجويني قرأ المشهد بعبقرية، ورفض يدفع فاتورة أي مسار فيهم. هو معملش انسحاب تكتيكي للجنب، ده عمل قفزة استراتيجية لبره الصندوق بالكامل!

ساب نيسابور لجلاديها، وهاجر للمركز الروحي في مكة والمدينة، وهناك شغل ماكينة بناء الوزن السيادي. قعد أربع سنين يبني رافعة عالمية لحد ما الأمة كلها توجته بلقب إمام الحرمين.
​وهنا بتيجي اللقطة الهندسية الأهم؛ إزاي المفرمة دي وقفت؟!

الحقيقة إن الجويني وهو بيبني شرعيته في مكة، كانت رقعة الشطرنج الجيوسياسية بتتقلب بالكامل. السلطان طغرل بك مات، والوزير الباطش الكندري عمل رهان سياسي خاسر وحاول يلعب في ملف خلافة العرش. في اللحظة دي، ظهر على مسرح التاريخ عملاق من عمالقة الأمة، وهو السلطان ألب أرسلان، البطل اللي هيكتب بعدين أسطورة ملاذكرد. ألب أرسلان دخل الساحة بقوة كاسحة، سحق مراكز القوى القديمة، أعدم الوزير الكندري، وسلم دركسيون الدولة لعقلية مؤسسية فذة ووزير عادل ومحنك هو نظام الملك.

​نظام الملك مكنش مجرد وزير تسيير أعمال، ده كان راجل دولة شايل هم الأمة وبيسعى لبناء مشروع قيامة حقيقي للأمة، وكان محتاج [ عقل مرجعي ] يمسك بيه بوصلة الدولة ويدير مؤسساتها المعرفية الكبرى.

ولأن المشاريع الكبرى بتحتاج لبعضها، نظام الملك كان بيدور على قامة بوزن الأمة كلها، ومفيش حد كان بيمتلك الشرعية والوزن السيادي ده غير الراجل اللي اختطف قلوب العالم الإسلامي من الحرمين.

عشان كده، الجويني لما رجع مدينته، مرجعش كمعارض سياسي، ده رجع كمرجعية كبرى لقت توافق وانسجام تام مع رؤية الدولة الجديدة. حصل تحالف استراتيجي عظيم ومبهر بين سيف ألب أرسلان وعدل نظام الملك وعقل الجويني، وكانت ثمرة الانسجام ده هي { المدارس النظامية } اللي غيرت وجه التاريخ.

​التاريخ مابيكررش نفسه، بس قوافيه بتدق بتطابق موجع. في واقعنا المعاصر، هنلاقي المفرمة لسه شغالة، والأبواب التلاتة مفتوحة، وعمالقة بيدفعوا أثمان اختياراتهم بالدم والدموع. لو بصينا على مسار مفكر بوزن الأستاذ سيد قطب، هنلاقي عقل جبار، الآلة القمعية الناصرية حشرته في زاوية ضيقة، وفرضت عليه صدام هو مبدأش بيه. قطب مكنش راجل صدامي بطبعه، لكنه لما لقى المفرمة بتحاول تجبره على الانبطاح، اختار ببطولة نادرة ( المفاصلة التامة) ورفض يمنح الجلاد شرعية الانحناء. لكن النتيجة الاستراتيجية للثبات النبيل ده، إن السلطة استغلت موقفه، وصورته كحالة صدام وجودي عشان توفر غطاء مثالي لنصب حبل المشنقة، واستئصال حركته من الجذور.

وعلى النقيض المأساوي، بتلمع تراجيديا قامة علمية بحجم العلامة محمد سعيد رمضان البوطي، اللي وقف قدام مفرمة النظام السوري واختار باب التماهي طمعاً في الحفاظ على شعرة معاوية ومساحة للدعوة. لكن المفرمة مبتشبعش؛ سحبت رصيده المرجعي قطرة قطرة، وحولته لغطاء يشرعن بطشها، لحد ما خسر تأثيره العالمي ودفع حياته تمن لوقوفه في مربع مكنش ينفع يقف فيه.

​ومن وسط ركام التراجيديا دي، بيظهر مسار العلامة والمحدث السوري عبد الفتاح أبو غدة، كنسخة حية من عبقرية الجويني. لما البعث السوري شغل المفرمة وبدأ يصطاد الرؤوس، أبو غدة مسابش نفسه يتفرم بصدام مجاني، ولا انبطح عشان يعيش في الظل. نفذ قفزته التكتيكية للسعودية وانطلق منها للعالم، وبنى إمبراطورية معرفية خليته المرجعية الأولى في علم الحديث. النتيجة الدرامية ظهرت لما قرر يزور سوريا في أواخر أيامه؛ السلطة القمعية مقدرتش تمسه بشعرة، لأنها لقت نفسها قدام كيان دولي المساس بيه يعني إعلان حرب على وجدان العالم الإسلامي كله. الرافعة العالمية هنا عملت مع أبو غدة “حصانة” ضد الخصم الغاشم، زي ما عملت مع الجويني “شراكة” مع الدولة الذكية.

​لكن الحبكة في عصرنا بقت أعقد وأكثر قسوة، لأن سلطة اليوم مبقتش بس بتلعنك على المنابر، دي بتمتلك المطارات، وبتتحكم في الباسبورات وقوائم المنع من السفر. إزاي تهاجر وخصمك قافل عليك الباب بالمفتاح؟ السر هنا إن الهجرة اتحولت من تذكرة طيارة لنظام تشغيل. لو الخصم قفل عليك حدود الأرض، إنت بتعمل إزاحة لمشروعك وبتهاجر للمساحات السيبرانية. بتخلي سيرفراتك في قارة تانية، وبتستهدف بأفكارك جمهور عابر للحدود، وبتبعت أبحاثك لوكلاء ومنصات دولية تنشرها باسمك. لما وزنك التقني والجماهيري في العالم يبقى أثقل من محيطك المحلي، تكلفتك بتغلى جداً. إنت بتهرب بشفرتك الجينية وإنت قاعد تشرب قهوتك جوه بيتك، وبتسيب للخصم جسدك كرهينة فاقدة الصلاحية.

​وماذا لو وصل الخصم لحالة السعار المطلق؟ قفل المطارات، قطع كابلات الإنترنت، صادر أجهزتك، وفرض عليك عزلة تامة ومميتة عن العالم! في الكابوس ده، إنت بتخرج بهدوء برا مسار الجويني، وتستدعي فوراً بروتوكول النورسي. إنت هنا مش بتهرب لفوق، إنت بتغوص لأعمق نقطة في القاع. بتعصر روح مشروعك في كبسولات مكثفة، وتكتب رسائلك على قصاصات ورق أو علب كبريت، وتهرب فكرتك من تحت عقب الباب. الجسد بيتعزل في العتمة، لكن الشفرة بتتسرب في صمت وتتزرع في عقول الناس بره عشان تخلق شبكة لامركزية بتنسخ المشروع. السيادة الحقيقية مش إنك تموت بطل في خناقة حارة ضيقة ومقفولة، السيادة إنك ترفض تماماً تلعب بقواعد الخصم، وتخلق لنفسك سماء جديدة كل ما يقفل في وشك الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى