24 ساعةأخبار الرياضةأخبار دوليةأخبار وطنيةالواجهةجرائم وحوادث وقضاياحقوق الإنسان

فرنسا، الملك محمد السادس، والشعب المغربي: هل آن أوان وضع حدٍّ لسياسة الابتزاز الاستعماري؟

بقلم: عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

أعاد القضاء الفرنسي فتح ملف اللاعب الدولي المغربي أشرف حكيمي في توقيت حساس يتزامن مع حدث كروي عالمي يشارك فيه المنتخب المغربي وسط آمال جماهيرية كبيرة. وبغض النظر عن الجوانب القانونية التي تبقى من اختصاص القضاء، فإن توقيت إثارة الملف من جديد يطرح أسئلة سياسية مشروعة حول خلفيات هذا القرار، خاصة في ظل تاريخ طويل ومعقد من العلاقات بين المغرب وفرنسا.

ففي السياسة الدولية لا تُقرأ الأحداث بمعزل عن سياقاتها، ولا يمكن فصل القرارات الكبرى عن المصالح والصراعات وموازين القوة والنفوذ. ومن حق الرأي العام المغربي أن يتساءل: لماذا يعود هذا الملف إلى الواجهة في هذا التوقيت بالذات؟ ولماذا يتكرر الإحساس لدى قطاعات واسعة من المغاربة بأن كلما حقق المغرب تقدماً أو حضوراً دولياً لافتاً، ظهرت ملفات وأزمات تعكر هذا المسار؟

لقد غادرت فرنسا إفريقيا في شكلها الاستعماري التقليدي، لكنها ما زالت حريصة على الحفاظ على نفوذها السياسي والاقتصادي والثقافي داخل عدد من الدول التي كانت خاضعة لسيطرتها عبر المناومين لها و الذين يحملون الجنسيةالفرنسية. ولذلك تنظر العديد من الشعوب الإفريقية بعين الريبة إلى السياسات الفرنسية الإستعمارية الناهبة لخيرات الشعوب ، معتبرة أن منطق الهيمنة لم يختفِ بالكامل، بل تغيرت أدواته وأساليبه.

وفي الحالة المغربية، يبدو أن بعض الدوائر السياسية والإعلامية والاقتصادية الفرنسية لم تستوعب بعد التحولات العميقة التي عرفتها المملكة المغربية خلال العقود الأخيرة تحت قيادة الملك محمد السادس. فالمغرب اليوم أصبح فاعلاً إقليمياً ودولياً يحظى باحترام متزايد، ويمتلك شبكة واسعة من الشراكات المتنوعة، كما أصبح رقماً صعباً في معادلات الاستقرار والتنمية والتعاون جنوب ـ جنوب.

لقد نجح المغرب في تحقيق اختراقات دبلوماسية مهمة في عدد من الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية، كما تمكن من تنويع شراكاته الدولية وتوسيع هامش استقلالية قراره الوطني، وهو ما أزعج بلا شك بعض الجهات التي اعتادت النظر إلى المغرب من زاوية التبعية أو النفوذ التقليدي.

ومن هنا يحق للمغاربة أن يتساءلوا: هل يتعلق الأمر بمجرد تزامن عادي بين مسار قضائي وأحداث رياضية دولية؟ أم أن هناك رسائل سياسية يراد تمريرها في لحظة يسعى فيها المغاربة إلى الاحتفاء بمنتخبهم الوطني وإنجازاتهم الدولية؟ إنها أسئلة مشروعة يفرضها الواقع وتفرضها طبيعة العلاقات الدولية التي لا تعرف البراءة المطلقة.

والأكثر إثارة للاستغراب هو الصمت الذي تبديه أغلب الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الحقوقية تجاه ما يعتبره جزء مهم من الرأي العام المغربي استهدافاً متكرراً لصورة المغرب ورموزه الوطنية. فهذه الهيئات التي يفترض فيها الدفاع عن السيادة الوطنية وعن كرامة المواطنين تبدو عاجزة عن بلورة مواقف واضحة عندما يتعلق الأمر بمصالح الوطن في مواجهة الضغوط الخارجية لأن معضم زعماء الأحزابالسياسيةو الوزراء و البرلمانيين يحملون جنسية أروبية والفرنسية بالخصوص .

إن الدفاع عن استقلال القرار الوطني لا يعني العداء للشعب الفرنسي، ولا يعني رفض التعاون بين البلدين، فالعلاقات بين الشعوب أكبر وأعمق من الخلافات السياسية الظرفية. لكن الصداقة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على منطق الابتزاز أو الضغوط أو المعايير المزدوجة، بل على الاحترام المتبادل والندية والاعتراف الكامل بسيادة الدول.

واليوم أصبح من حق المغاربة أن يطالبوا بإعادة تقييم شاملة لطبيعة العلاقات المغربية الفرنسية، على ضوء التحولات التي يعرفها العالم، وعلى ضوء المصالح العليا للمملكة المغربية. فالعلاقات الدولية لا تُبنى على العواطف أو الذكريات التاريخية، بل على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ.

وفي سياق بناء دولة المؤسسات وترسيخ السيادة الوطنية، أصبح من المشروع فتح نقاش وطني مسؤول حول مدى ملاءمة تولي أصحاب الجنسيات الأجنبية للمناصب السيادية والحكومية والتمثيلية العليا. فالمسؤول الذي يتولى تدبير الشأن العام أو تمثيل الأمة يفترض أن يكون ولاؤه القانوني والسياسي كاملاً للمغرب وحده، بعيداً عن أي التباس أو تضارب محتمل في المصالح أو الالتزامات. ومن هذا المنطلق، فإن استبعاد حاملي الجنسيات الأجنبية من المناصب الوزارية ومن رئاسة وتسيير المؤسسات العمومية وشبه العمومية والهيئات التمثيلية العليا يستحق النقاش العمومي الهادئ والمسؤول، خصوصاً وأن المغرب يزخر بالكفاءات الوطنية القادرة على تحمل المسؤولية والدفاع عن المصالح العليا للوطن بكل استقلالية ووضوح.

ويبقى السؤال الأكبر موجهاً إلى الملك محمد السادس، بصفته رئيس الدولة والضامن لاستقلال البلاد ووحدتها واستمرار مؤسساتها: هل حان الوقت لفتح صفحة جديدة في العلاقات مع فرنسا تقوم على الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة؟ وهل آن الأوان لوضع حد نهائي لكل الممارسات التي يعتبرها جزء من المغاربة امتداداً لعقلية استعمارية تجاوزها التاريخ وتجاوزتها الشعوب؟

إن الشعب المغربي الذي قدم تضحيات جساماً من أجل الحرية والاستقلال يستحق علاقات دولية قائمة على الكرامة والاحترام المتبادل، لا على الضغوط أو الابتزاز أو استحضار ماضٍ استعماري يفترض أنه أصبح جزءاً من التاريخ. كما يستحق أن يرى نخبته السياسية والحقوقية والنقابية تدافع عن مصالح الوطن بنفس الحماس الذي تدافع به عن مختلف القضايا الأخرى.

فهل تكون هذه اللحظة مناسبة لإطلاق مراجعة وطنية شاملة للعلاقة مع فرنسا، ووضع أسس جديدة لعلاقات متوازنة تحفظ مصالح المغرب وكرامة شعبه وسيادة قراره الوطني؟ ذلك سؤال يفرض نفسه بإلحاح على الجميع، دولةً وأحزاباً ونقاباتٍ وجمعياتٍ ومواطنين.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى