
أبو يعرب المرزوقي 
لستُ غافلا عن الإجماع شبه المطلق في العالم كله على أنه خسر الحرب مع إيران وأنه لعبة بيد اللوبيات الصهيونية في أمريكا و أوروبا و لدى توابعهم من النخب العربية خاصة.
ولست غافلا عن كون كبار المحللين الاستراتيجيين يقودون هذا الإجماع في كل القارات . وهو ما يضفي على السرديات الإيرانية والعنتريات التي لا تتوقف حول منجزات مليشياتها ودعاتها، وخاصة خدمها من الأعداء الخمسة الذين يحقرون من السنة عامة والعربي منها خاصة:
1- الحكام العرب، وخاصة عندما تصدرت الإنقلابات العسكرية، باسم القومية في حربها على الإسلام الذي جعلوه متمثلا في السعودية والخليج الذي كان أكثر العرب إحياء للتاريخ الإسلامي وممكنا له في العالم، بتمويل هذا الإحياء في كل قارات العالم.
2- والنخب الخليجية بعد حصول الانقلاب في السعودية بسعي الملك الأخير بتنصيب ابنه خلافا للقاعدة في التوارث السعودي فذهب الابن لتثبيت نفسه بأن ادعى أن ذلك النشاط الإسلامي كان خدمة لأمريكا ضد السوفيات وليس دفاعاً عن الإسلام ضد الإلحاد والماركسية.
3- الأقليات الدينية التي كانت تعيش بسلام في دولة الإسلام والتي كانت دائماً محالفة لأعدائها وهم في آن من مكنهم الغرب، وخاصة بعد سايكس بيكو من حكم فتات الخلافة العثمانية في كل بلاد العرب، وخاصة في الهلال الذي مكنهم الغرب من حكمه برعاية شيعية صارت بالتدريج مسيطرة على جل الوطن العربي، إما صراعا حيث حصلت لهم الغلبة أو تقية في حيث كانوا يستعدون للتمكين.
4-الاتيان بالملالي لما فشل فعل العلمنة في إيران وبعد تدفق الفكر اليساري في زمن الشاه وكاد يحصل نفس الانتقال في تركيا ما جعل الغرب يتوجس خيفة فمكن لنوعين من تحريف الإسلام ليجعلوه أداة مقاومة ضد السوفيات، فقيس عليه ما حصل في السعودية، وينسون أن الحركة الوهابية أقدم بأكثر من قرنين من نشأة التقاطب الأمريكي الروسي بعد الحرب العالمية.
5- أخيراً، تمكين إيران الملالية بجعلها قائدة لكل هذه المحاولات وهي الوضعية الحالية التي يريد ترومب تغييرها وهو ما يجعلني اعتبره منذ معارضته إسقاط العراق ثم شروعه في تنظيم الخروج من مأزق حرب أفغانستان وسعيه للجم إيران، ومحاولة لجم إسرائيل، وتحرير كوريا الشمالية من سطوة الصين ببدء الحوار مع قائدها.
الفرضية التي أفسر بها سلوكه الحالي:
قال في حواره مع أحد الصحفيين بأن الاتفاقية التي عقدها مع إيران يمكن أن تفهم بكونها خطة لاستسلام إيران دون شروط في شكل يشبه ما حصل مع اليابان. فكان هذا الكلام الذي أصدقه ألف في المائة بشرط أن يفرضوا مضمرين في كلامه:
1) الأول طبيعة ما تحقق في الحرب وينساه الجميع: ففيها حقق ترومب هدفين اثبتهما وبينهما بهما علة تغيير الرؤية الاستراتيجية التي يعتمدها في مقاومة المنافسين المؤسسين لما يحارب سر قوة أمريكا: إسقاط البريكس الذي قد يقضي على سر قوة الدولار أداة امريكا الضاربة.
2) إثبات نجاح هذه الاستراتيجية عينياً، أي في ما جرى في الحرب الأخيرة: فلا الصين ولا روسيا استدعتا التدخل في الحرب إلا خفية وبالكلام لكن الضربية والاحاطة المحاصرة لإيران حصبت ما جعلها مضطرة للتخلي عن الصمود المزعوم الذي لم يبق منه إلا العنتريات.
وحتى نفهم ما يجعل ذلك ينطلي على المحللين المجمعين على فشل ترومب ونجاج إيران أمران لا يمكنه أن يصبح بهما تصريحاً يتجاوز قوله إن ما حصل هو تسليم غير مشروط من إيران ما يعني أن الاتفاق الحالي يؤدي إلى التغطية على هذا الاستسلام غير المشروط. كل السر في ذلك:
1- الأول: هو الحاجة إلى المحافظة على وجود إيران باخراجها من الحرب الاهلية التي جعلت الملالي الذين خسروا الحرب يذهبون إلى الغاية في منع النخبة التي تريد الاتفاق مع أمريكا لتصبح من جنس بقية المحميات العربية راضيين بما تبين أن الصين وروسيا لا تستطيعان منعه.
في استراتيجية أمريكا أولا، وهو ما يخيف إسرائيل كذلك: لذلك فهي مثل متطرفي الملالي تحاولان إسقاط الاتفاق الذي ينهي طموحهما في تقاسم الأقليم كما كان عليه الحال قبل الحرب ظناً أن القسمة يمكن أن ينتج عنها ثمرة لهذا التحدي لأمريكا بنجاح المشروعين:
مشروع استعادة دولة فارس
وتكوين إسرائيل الكبرى.
ولو بحلف جديد مع الصين وروسيا،
وذلك هو ما يتوقعه ترومب وحزبه القائل بأمريكا أولا.
وهذه هي المرحلة الحالية التي رمزها ما يجري في لبنان.
فتكون ورقة الاتفاق الحالية التي يريد متطرفو إيران ومتطرفو إسرائيل إسقاطها هي ما يخفي الاتفاق الأعمق الذي يبني عليه ترومب والمعتدلين الفرس واليهود هو استبدال النصر العسكري الملغي لوجودهما – ولا يعقل أن تكون أمريكا التي تستعد للصين وروسيا معاً عاجزة دون إنهاء الحرب مع إيران لو كان ذلك مطلوبها وليس استعمال سلاح دين العجل:
فلما تصبح المعركة حول دور العملة أو ربا الأموال،
ولما تصبح المعركة حول الكلمة أو ربا الأموال،
أي وجها دين العجل الأقوى حتى من السلاح النووي، لأن هذا السلاح صار عاماً، وهو مميت للجميع غالباً وملعلوبا فإن السلاح الأمضى هو دور العملة ودور الكلمة، أعني نوعي الربا الذي يركز عليه ترومب طبعاً بعد استرداد القوة العسكرية التي بدأ بها واثبتتها هذه الحرب.
بعبارة وجيزة، لما تصبح إيران عزلاء عسكرياً دون سلاح الردع، فإنها قد تكن غير ضارة للمشروع الصهيوني ومساعدة على المشروع المنافس ومبقية على التخويفين من إيران للاحتماء بإسرائيل ومن إسرائيل للاحتماء بإيران فتبقى أمريكا حكماً بينهما كما كانت قبل تكوين المعركة بين إيران وإسرائيل على تقديمهم مشاريعها على مشروع أمريكا.
مشروع أمريكا يقتضي إتمام الاحاطة بالصين وتفكيك علاقتها بالملالي وبروسيا، خاصة وهي ضامنة لعلاقتها بالهند وتوابعها، وبالعرب وتوابعهما فتكون بذلك قد ضربت عصفورين بحجر واحد:
العصفور الأول: منع البريكس وإنهاء استراتيجية الصين للتخلص من دور الدولار.
الصعفور الثاني: منع القطار الثاني – الإسلام – من الاستئناف الذي من دون منعه يستحيل على أمريكا الإحاطة بالصين وعزلها، خاصة إذا تحرك اليابانيون والألمان والكوريون لاسترداد دورهما في المسرح الدولي بعد أن انضعف الشرق وتضاعف الغرب.
فانقسم هذا إلى الغرب الأقصى (أمريكا) والغرب الأدنى (أوروبا)
وانقسم ءلك إلى الشرق الأقصى (الصين) والشرق الأدنى (إيران)
وبقي الإسلام قلب المعمورة وشرع بعد ذلك في السعي إلى الاستئناف الذي هو عين ما يسمى بالجنوب الشامل، أي كل الشعوب التي كانت منتسبى إلى حضارة الإسلام قبل هزيمة الميلمين في التاريح المتقدم على سيطرة الغرب منذ حروب الاسترداد.
قد يعسر تصديق هذه السردية من طرف البعض، لأنهم قد أصابتهم الغفلة عن المراحل التالية:
1- أولا رفض الحرب على العراق.
2- السعي للخروج من افغانستان.
3- محاولة الصلح مع مجنون كوريا الشمالية.
4- دعوته أوروبا للاعتماد على نفسها.
5- محاولات إلجام اسرائيل وتنبيهها إلى استحالة الموافقه بعد كل هذه الترضيات القابلة للمراجعة بالذهاب إلى إسرائيل الكبرى والعلاقة القاطعة هي أن الورقة الحالية التي تخفي الاتفاق المسكوت عنه مع تركيا وباكستان ومع النخب الإيرانية التي سينصبها ترومب بعد استعمال الورقة الأقوى من السلاح النووي، وهو التحكم في تمويل إعادة البناء وإفلاس الميليشيات وخاصة الحرس الثوري الذي يتفق حاليا مع اليمين الاسرائيلي لإيقاف هذا المشروع المنهي للحرب الأهلية في إيران وفي إسرائيل بين المتطرفين والإصلاحيين في الحالتين للوصول إلى المحافظة على نظام العالم الحالي.
وكما سبق أن بينت في محاولات متعددة، فإن إسرائيل لن يقضي عليها إلا الوعي الأمريكي بأنها أخطر عليها من كل أعدائها، ومن ثم فهي حاليا بصدد الانتحار بما تظهره نخبة اليمين فيها من هذه العداوة التي ستجعل جل الشعب الأمريكي يعاديها فتسقط كل سردياتها. والفضل في ذلك يعود إلى الطوفان.
وما إن تفقد إسرائيل سردياتها، فإنها تعود إلى حجمها الطبيعي “بلدية” صغرى في الشام بمعناه كما كان قبل سقوط الخلافة الأخيرة. ومعها حتما تسقط كل سرديات ايران التي تعود إلى حجمها الطبيعي: بلدية في دار الإسلام.
فستسقط الصفوية بسقوط الصهيونية.. المحاور الوحيد للغرب والشرق بفرعي كل منهما هو الإسلام لأنه بصدد استرداد شروط قوته الفعلية بعدما تجاوزت الوجود بالقوة غاية لحركة الاستئناف.





