24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهةحقوق الإنسان

أزمور.. عندما يصبح الإحتلال للملك العمومي والروائح الكريهة أقوى من سلطة القانون

حي شعبان الفهري يرفع صوته ، والمسؤولون يجيبون بلغة الصمت.. فهل أصبح تجاهل المعاناة سياسة عمومية جديدة بأزمور ؟

عندما تحدثنا في مقالات سابقة عن التجربة التدبيرية بمدينة أزمور، وما يرافقها من إختلالات تثير أكثر من علامة إستفهام ، لم يكن هدفنا تصفية حسابات مع أحد ، ولا إستهداف جهة بعينها ، بقدر ما كان تنبيها إلى واقع يومي لم يعد المواطن قادرا على تحمل كلفته . فالنقد الصحفي ليس جريمة ، وطرح الأسئلة ليست مؤامرة ، وكشف الإختلالات ليست خروجا عن الصف، بل هو أبسط واجبات الصحافة إتجاه مدينة تستحق أفضل مما تعيشه .

لكن يبدو أن بعض المدافعين عن هذه التجربة يفضلون رؤية المدينة من شرفة الخطابات والإنجازات المعلنة، لا من نوافذ الأحياء التي يختنق سكانها تحت وطأة المشاكل المتراكمة . فهناك فرق شاسع بين مدينة تقدم في المناسبات بإعتبارها ورشا مفتوحا، ومدينة يضطر سكان بعض أحيائها إلى مراسلة المسؤولين مرة بعد أخرى، وكأنهم يطلبون إمتيازا إستثنائيا، لا حقا بسيطا في العيش داخل فضاء منظم وآمن ونقي.

ولعل حي شعبان الفهري، المقابل للمستشفى المحلي بأزمور، يقدم اليوم نموذجا صارخا لهذه المفارقة . فبحسب ما تنقله الساكنة ، تحول إحتلال الملك العمومي والروائح الكريهة إلى مصدران للمعاناة، في مشهد يطرح أسئلة جدية حول إحترام القانون ، ونجاعة التدخلات المحلية ، وحدود المسؤولية في حماية حق المواطنين في المرور وفي بيئة نظيفة ..

أكثر من أربع عرائض.. والجواب المفقود!

المثير في هذه القضية أن ساكنة الحي، وفق المعطيات التي توصلنا بها، لم تكتفِ بالتذمر أو إطلاق العنان للغضب على مواقع التواصل الإجتماعي، بل سلكت طريق المراسلات ، ووجهت أكثر من أربع عرائض إلى الجهات المسؤولة محليا وإقليميا ، أملا في إيجاد حل ينهي معاناتها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ما جدوى العرائض إذا ظلت حبيسة المكاتب ؟ وما قيمة مطالبة المواطنين بإحترام المساطر الإدارية إذا كانت شكاياتهم لا تجد طريقها إلى المعالجة الميدانية ؟

هل أصبح المواطن مطالبا بإرفاق كل شكاية بعدد غير محدود من التوقيعات، أم أن عليه الإنتظار حتى تتحول المشكلة الصغيرة إلى أزمة كبيرة ، وحتى يصبح التدخل متأخرا أكثر مما ينبغي ؟

في أزمور، يبدو أن بعض المشاكل تحتاج إلى أربع عرائض على الأقل حتى تحظى بشرف لفت الإنتباه ، وربما تحتاج إلى عريضة خامسة كي يتأكد الجميع أن أصحابها ما زالوا يسكنون الحي نفسه !.

إنها مفارقة تستحق التأمل؛ فالمواطن يشتكي، ويوقع ، وينتظر ، بينما تستمر مظاهر الفوضى، وكأن الأمر يتعلق بخلاف شخصي بين الساكنة والملك العمومي ، وليس بقضية تقتضي تدخل الجهات المعنية وفق القانون.

الملك العمومي ليس ضيعة خاصة.. والقانون ليس قائمة إنتقائية !.

إن أخطر ما في ظاهرة الإحتلال للملك العمومي ليس فقط ما تسببه من عرقلة لحركة المواطنين أو تشويه للمشهد الحضري ، بل ما قد تكرسه من إنطباع لدى الساكنة بأن تطبيق القانون يخضع أحيانا لمنطق الإنتقائية ، وأن بعض التجاوزات يمكن أن تستمر ما دامت لا تزعج أحدا من أصحاب القرار.

وإذا كانت الصور المتداولة من الحي تعكس حجم المعاناة التي تتحدث عنها الساكنة ، فإنها تستدعي فتح تحقيق ميداني للوقوف على حقيقة الوضع، وتحديد المسؤوليات ، وإتخاذ التدابير القانونية اللازمة ، بعيدا عن منطق غض الطرف أو تأجيل الملفات إلى أجل غير مسمى.

أما الحديث عن محلات تجارية يقال إنها تشتغل دون إستيفاء التراخيص المطلوبة و الروائح الكريهة تلتي تصدر منها ، سيظل بدوره موضوعا يستوجب التحقق من الجهات المختصة ، لأن إحترام المساطر لا ينبغي أن يكون إختيارا، كما أن تطبيق القانون يجب أن يستند إلى معايير واضحة وموحدة ، لا إلى المزاجية أو الحسابات الضيقة.

أما السلطة المحلية ، فإن المطلوب منها ليس إختراع حلول خارقة ، ولا إنتظار ميزانيات بالملايير، بل النزول إلى الميدان، ومعاينة الوضع، والإستماع إلى المتضررين ، وتفعيل القانون. فبعض الملفات لا تحتاج إلى دراسات إستراتيجية ولا إلى مكاتب خبرة ، بقدر ما تحتاج إلى قرار واضح وإرادة في التنفيذ .

ومن غير المقبول أن يشعر المواطن بأن صوته يضيع بين المكاتب، في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الإدارة أقرب إليه ، وأن تتعامل مع مشاكله بالجدية والسرعة اللازمتين.

المفارقة أن بعض الأصوات التي تدافع عن التجربة الجماعية وتحتفي بها في المناسبات ، قد تجد الوقت الكافي للترويج للمنجزات، لكنها مطالبة اليوم بالإجابة عن أسئلة بسيطة يطرحها سكان حي شعبان الفهري: ماذا تحقق على أرض الواقع ؟ ولماذا لم تجد الشكاوى المتكررة ، وفق رواية أصحابها، طريقها إلى حل ملموس؟ ومن يتحمل مسؤولية إستمرار الوضع إذا ثبتت الإختلالات المبلغ عنها؟

إن تدبير الشأن المحلي لا يقاس بعدد التصريحات ولا بحجم التصفيق ، بل بمدى قدرة المسؤولين على حل المشاكل التي تؤرق المواطنين. فالمواطن لا يحتاج إلى من يقنعه بأن كل شيء على ما يرام ، بينما يواجه يوميا واقعا يناقض ذلك؛ بل يحتاج إلى من يعترف بالمشكلة ، ويتحمل مسؤوليته ، ويعمل على معالجتها.

أما الإستمرار في تجاهل الشكاوى، إن ثبت ذلك، فلن يؤدي إلا إلى توسيع الهوة بين الساكنة والمؤسسات، وترسيخ الشعور بأن بعض الملفات لا تتحرك إلا عندما تتحول إلى قضية رأي عام.

أزمور لا تحتاج إلى مزيد من المبررات، بل إلى مسؤولين يسمعون قبل أن يتكلموا، ويعاينون قبل أن يبرروا، ويتدخلون قبل أن تتحول المشاكل الصغيرة إلى أزمات مزمنة.

إن ساكنة حي شعبان الفهري لا تطالب بالمستحيل، ولا تنتظر معجزة عمرانية، بل تطالب بحقها في فضاء عمومي منظم ، وبالتعامل الجدي مع شكاواها، وبأن يكون القانون فوق الجميع، لا أن يصبح مجرد لافتة جميلة ترفع في الخطابات وتغيب عند أول إختبار ميداني.

وفي إنتظار تدخل الجهات المعنية، يبقى السؤال المعلق فوق أزقة الحي أكثر بلاغة من كل الشعارات: إذا كانت أربع عرائض لم تكفِ لفتح باب الحل، فكم عريضة يحتاج المواطن بأزمور حتى يقتنع المسؤول بأن وظيفته تبدأ من خدمة المواطن، لا من إنتظار أن يمل من الشكايات ؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى