24 ساعةأحزابأخبار وطنيةالواجهةحقوق الإنسانعالم السياسة

بين صراخ القبة وصمت المائدة: عندما تُباع أوهام الكلام لمواطن يكتوي بالغلاء

​بات المشهد الرقابي والتشريعي تحت قبة البرلمان المغربي يثير في الآونة الأخيرة عاصفة من التساؤلات والسخط لدى الشارع العام. ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن طرحاً عميقاً للبرامج والتصورات الاقتصادية والاجتماعية الكفيلة بالحد من موجة الغلاء الفاحش وارتفاع أسعار المواد الأساسية، تحولت العديد من الجلسات الأسبوعية إلى ساحة لما يصفه المغاربة بلغتهم الدارجة البليغة بـ «سياسة العطيان» و«حشيان الهضرة» وتبادل التهم الكيرية بين الأغلبية والمعارضة.

​إن المتابع للشأن السياسي المغربي لا يخفى عليه الحيز الزمني والجهد الهائل اللذان يُهدران تحت القبة في ملاسنات سجالية وكلامية لا تسمن ولا تغني من جوع. وبدل أن تنصبّ النقاشات على تقييم نجاعة السياسات العمومية، وتفكيك بنية التضخم، ومحاربة الاحتكار والجشع في الأسواق، ومراقبة عمل الحكومة بكل موضوعية وصرامة، طغت لغة الاتهامات المتبادلة والبحث عن إحراج الطرف الآخر إعلامياً وسياسياً.

​هذا السلوك المشهدي، وإن كان يمنح بعض الأطراف شحنات من الإثارة السياسوية العابرة، إلا أنه يستنزف جوهر المؤسسة التشريعية، ويُفرغ العمل البرلماني من محتواه الأسمى المتمثل في التمثيل الفعلي لنبض الشعب وتطلعاته.

​يجيء هذا السجال العقيم في وقت يواجه فيه المواطن المغربي — لا سيما أبناء الفئات الهشة والطبقة الوسطى التي أُنهكَت قدرتها الشرائية — واقعاً كئيباً فرضته التحديات الاقتصادية وسلسلة الارتفاعات المتتالية في أسعار الخضر والفواكه واللحوم والمواد الغذائية الأساسية، ناهيك عن المحروقات وتكاليف الحياة المعيشية اليومية.

​في مثل هذه الظروف الدقيقة، تصبح الحاجة ملحة إلى «سياسة الحلول البرامجية»؛ أي النقاش الهادئ المستند إلى الأرقام والبدائل والتشريعات الدقيقة التي من شأنها تخفيف العبء عن كاهل الأسر، وليس إلى «تبادل اللكمات الكلامية» التي لا تغير من واقع القفة المغربية شيئاً.

​إن خطورة هذا النهج الاتهامي والسطحي لا تقتصر فقط على تهميش القضايا الحارقة، بل تمتد لتغدي أزمة الثقة المستمرة بين المواطن والعمل السياسي برمتهم. فالشباب والرأي العام عندما يعاينون جلسات تُهدر في تصفية الحسابات الحزبية، تزداد لديهم حالة عزوف وتشكيك في قدرة المؤسسات المنتخبة على صنع الفارق.

​لقد حان الوقت للقطع مع لغة «العطيان» واستبدالها بلغة «التشريح العلمي والمحاسبة الجادة». إن المغرب، وفي ظل الرهانات والتحديات الداخلية والخارجية الكبرى التي يخوضها، يحتاج إلى برلمان بمستوى العصر: برلمان يُجادل بالبديل، ويُشرّع بحس المسؤولية، ويُمارس الرقابة بصرامة وأخلاق سياسية رفيعة.

​إن قبة البرلمان وُجدت لتكون صوتاً للفقراء والطبقة المتوسطة وسقفاً للنقاش العمومي الراقي، وليس حلبة للملاسنات.. فهل يستوعب ممثلو الأمة حقيقة الدقيقة التي يعيشها الوطن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى