
نداء إلى الملك محمد السادس لإطلاق مبادرة إنسانية وسياسية تعيد الاعتبار للتضامن الاجتماعي، وتبعث رسالة قوية لاستعادة ثقة المواطنين، خصوصاً الشباب، في المؤسسات و تقوي لحمة بين الشعب و الملك و تبعتبر سالة قوية للفاسدين من أهل السياسة.
في مغرب اليوم، حيث تتزايد معاناة المواطنين مع غلاء المعيشة، وتواجه المستشفيات العمومية خصاصاً في التجهيزات والأطر الطبية، وتعاني مدارس عديدة، خصوصاً في العالم القروي، من الهشاشة ونقص الإمكانات، يصبح من الضروري فتح نقاش سياسي وأخلاقي مسؤول حول أولويات الإنفاق العمومي، ومدى قدرته على الاستجابة للحاجات الحقيقية للمجتمع.
من هذا المنطلق، أطرح مبادرة سياسية ذات أبعاد إنسانية وتضامنية، أدعو من خلالها الملك محمد السادس إلى إطلاق مبادرة طوعية تقضي بخفض ميزانية المؤسسة الملكية إلى النصف، أو بأكثر من ذلك، في خطوة رمزية قوية تعبّر عن التضامن مع المواطنين الذين يواجهون صعوبات يومية في توفير متطلبات العيش الكريم بسبب جشع اللوبيات الاقتصادية المتوحشة.
إن الأمر لا يتعلق باستهداف المؤسسة الملكية أو التقليل من مكانتها، بل بالدعوة إلى مبادرة تضامنية تجعل معاناة المواطنين في صلب الاهتمام الوطني، وتؤكد أن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي الإصغاء إلى نبض المجتمع والاستجابة لانتظاراته.
فحين تعاني الأسر المغربية من تكاليف العلاج والتعليم والسكن، وحين تضطر أسر إلى الاستدانة لتوفير أبسط الاحتياجات، وحين يشعر الشباب بأن أبواب المستقبل تضيق أمامهم، تصبح المبادرات ذات الدلالة السياسية والإنسانية ضرورة لإعادة بناء الثقة والأمل بين الشعب المغربي و أميرالمؤمنين.
خفض الميزانية… رسالة تتجاوز الأرقام
إن خفض ميزانية المؤسسة الملكية إلى النصف، إذا تحقق وفق المساطر القانونية والمالية المعمول بها، مع توجيه الوفورات الفعلية إلى القطاعات الاجتماعية ذات الأولوية، يمكن أن يشكل رسالة قوية إلى المجتمع، مفادها أن التضامن ليس مجرد خطاب يُوجَّه إلى المواطنين، بل ممارسة يمكن أن تتحول إلى قرارات ملموسة.
إن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في حجم الأموال التي يمكن توفيرها، بل أيضاً في قيمتها الرمزية والسياسية. فالمغاربة يحتاجون اليوم إلى إشارات واضحة تؤكد أن معاناتهم مسموعة، وأن تحسين ظروف عيشهم يشكل أولوية وطنية من طرف المؤسسةالملكية.
ولا ينبغي أن تبقى هذه المبادرة مجرد إجراء رمزي، بل يجب أن تكون مدخلاً لنقاش وطني أوسع حول ترشيد النفقات العمومية من طرف النخب السياسيةالفاشلة والمضللةالتي تدبرحياة الشعبالمغربي، ومراجعة أوجه الإنفاق، ومحاربة الهدر و الفساد و الإستبداد و الظلم، وتوجيه الموارد نحو الصحة والتعليم والتشغيل والتنمية القروية.
فالمطلوب ليس مطالبة مؤسسة واحدة بالتقشف مع إعفاء بقية المؤسسات من مسؤوليتها، وإنما إطلاق دينامية وطنية شاملة لترشيد الإنفاق العام، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وضمان توجيه المال العام إلى ما يخدم المواطنين ويحفظ كرامتهم.
الشباب المغربي في حاجة إلى الأمل والثقة
إن الملك، بما تمثله المؤسسة الملكية من موقع محوري في الحياة الوطنية، يستطيع أن يجعل من مبادرة تضامنية من هذا النوع لحظة ذات دلالة سياسية واجتماعية، خصوصاً لدى الشباب الذي يبحث عن أسباب واقعية لاستعادة الثقة في المؤسسات والإيمان بإمكانية الإصلاح والتغيير.
فالشباب المغربي لا يحتاج إلى الشعارات وحدها، بل إلى فرص الشغل، وتعليم عمومي جيد، وعلاج يحفظ كرامته، وإحساس حقيقي بأن مستقبله يحظى بالاهتمام.
إن إعادة بناء الثقة لا تتحقق بالخطب والوعود فقط، بل تحتاج إلى قرارات ملموسة يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية. وحين يرى أن هناك إرادة فعلية لتقاسم أعباء المرحلة التي يعيشها العالم من اضطرابات خطير تهدد الجميع و هنا نتحظر مايجي في مجموعة منالدول الأوروبية و خصوصا فرنساالإستعمارية، ومحاربة الفسادوالإستبداد، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة للطبقة السياسيةالفاشلة ، يصبح الأمل في المستقبل أكثر واقعية.
إن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بحجم ميزانياتها، بل كذلك بقدرتها على التجاوب مع انتظارات المواطنين، وبمدى إحساس الناس بأن كرامتهم وحقوقهم الاجتماعية تأتي في مقدمة الأولويات.
الشعب ليس مجرد صوت انتخابي!
وفي الوقت الذي تنشغل فيه النخب السياسية، بعد انتهاء الانتخابات وتشكيل الحكومة، بتوزيع المناصب والحقائب الوزارية والامتيازات ومواقع النفوذ، يظل الشعب المغربي يواجه وحده غلاء المعيشة، وأزمة الصحة والتعليم، والبطالة، وتراجع القدرة الشرائية.
وكأن الانتخابات بالنسبة إلى بعض السياسيين ليست تعاقداً لخدمة المواطنين، بل مناسبة لتقاسم الغنائم وإعادة ترتيب المصالح. أما المواطن، الذي يُستحضر صوته بقوة خلال الحملات الانتخابية، فيُترك بعد إعلان النتائج لمواجهة مصيره، وكأن دوره انتهى بمجرد وضع ورقته في صندوق الاقتراع.
صوت الشعب يصبح مطلوباً عند الانتخابات، أما همومه ومعاناته فتُترك لمواجهة المجهول!
إن أخطر ما يهدد الثقة في الحياة السياسية هو شعور المواطن بأن صوته يُستعمل للوصول إلى السلطة، بينما تبقى مشاكله الاجتماعية والاقتصادية خارج حسابات من يتولون تدبير الشأن العام.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تغيير حقيقي في الممارسة السياسية، يعيد الاعتبار للمواطن باعتباره صاحب الحقوق والمصلحة الأولى في تدبير الشأن العام، لا مجرد رقم انتخابي يُستعمل للوصول إلى المناصب ثم يُنسى.
فلا يمكن الحديث عن دولة اجتماعية في الوقت الذي يشعر فيه المواطن بأن أولويات النخب السياسية تنحصر في الحقائب والمواقع والامتيازات، بينما تتراكم مشاكله وتزداد معاناته يوماً بعد يوم.
إن الدولة التي تطمح إلى استعادة ثقة شبابها ومواطنيها مطالبة بأن تجعل كرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية فوق حسابات المصالح الحزبية وتقاسم الامتيازات.
رسالة إلى الملك وإلى جميع المؤسسات
إن دعوتي إلى خفض ميزانية المؤسسة الملكية ليست نهاية النقاش، بل بدايته. إنها دعوة إلى جعل التضامن ممارسة سياسية وأخلاقية، وإلى فتح نقاش مسؤول حول أولويات المال العام، يشمل مختلف المؤسسات والقطاعات، دون استثناء.
إن المطلوب هو إطلاق مبادرة وطنية تعيد ترتيب الأولويات، وتجعل من المستشفى العمومي والمدرسة العمومية والتنمية في القرى والمناطق المهمشة قضايا لا تقبل التأجيل، وتفتح أفقاً جديداً أمام الشباب الذي يبحث عن الكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص.
ولا يمكن مطالبة المواطن المغربي بمزيد من الصبر والتضحية، دون أن يرى إجراءات ملموسة لترشيد الإنفاق وتحقيق العدالة الاجتماعية، ودون أن يشعر بأن أعباء الأزمات لا يتحملها وحده.
إن المغرب في حاجة اليوم إلى مصالحة اجتماعية حقيقية، قوامها الثقة والإنصاف والتضامن، وإلى سياسة عمومية تجعل الإنسان محور التنمية، وتضمن أن تكون الثروة الوطنية في خدمة المجتمع بأكمله.
إن أعظم رسالة يمكن أن تصل إلى قلوب المغاربة اليوم هي أن معاناتهم ليست أمراً هامشياً، وأن كرامتهم ليست شعاراً انتخابياً، وأن مستقبل أبنائهم يستحق قرارات شجاعة.
فالأوطان لا تُبنى بالميزانيات الضخمة وحدها، ولا تُقاس قوة الدولة بما تنفقه مؤسساتها على نفسها، بل بما توفره لمواطنيها من صحة وتعليم وعدالة اجتماعية وفرص للعيش الكريم.
إنها مبادرة للتضامن، ودعوة إلى الإصغاء لنبض المجتمع، وخطوة يمكن أن تفتح أفقاً جديداً لاستعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى .





