اليسار في المغرب (1970-1974): بين حلم التغيير وتعقيدات الواقع الاجتماعي والأنثروبولوجي.

بقلم : كمال المصطفى- Kamal Mustapha
تسمح لنا قراءة كتاب عبد القادر الشاوي «اليسار في المغرب (1970-1974): تجربة الحلم والغبار» بالعودة إلى مرحلة مهمة من تاريخ اليسار المغربي، ليس فقط لاستحضار ما عرفته من أحداث وصراعات سياسية، وإنما لفهم الأحلام التي حملها جيل من الشباب والمثقفين، والظروف الاجتماعية والثقافية التي دفعتهم إلى الاعتقاد بإمكانية تغيير المجتمع وإعادة بناء علاقته بالسلطة والعدالة والحرية. فهذه التجربة لم تكن مجرد امتداد للأفكار الماركسية التي انتشرت في العالم خلال ستينيات القرن الماضي، بل كانت أيضاً تعبيراً عن قلق جيل وجد نفسه أمام واقع مغربي لم تتحقق فيه، في نظره، الوعود التي ارتبطت بالاستقلال. وبين الأمل في بناء مجتمع أكثر عدلاً، وصعوبة فهم التحولات التي كان يعرفها المجتمع، تشكلت تجربة يسارية حملت الكثير من الطموح، لكنها اصطدمت كذلك بتعقيدات الواقع وبحدود التصورات التي حاولت تفسيره.
لقد جاء الاستقلال محمّلاً بآمال واسعة في التحرر وبناء دولة وطنية تضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية. غير أن استمرار الفوارق الاجتماعية، وتفاوت فرص الاستفادة من الثروة والتعليم والعمل، وتضييق المجال أمام التعبير السياسي، جعلت قطاعات من الشباب المتعلم تشعر بأن الاستقلال السياسي لم يكن كافياً لتحقيق التحرر الاجتماعي الذي كانت تطمح إليه. ومن هنا بدأ يتشكل وعي نقدي يرى أن التغيير لا يمكن أن يظل محصوراً في إصلاحات محدودة، بل ينبغي أن يمتد إلى البنيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تنتج التفاوت وتعيد تكريسه.
في هذا السياق، يمكن فهم صعود الحركة الماركسية اللينينية في المغرب باعتباره استجابة تاريخية لواقع لم تعد بعض النخب الشابة تجد فيه ما يكفي من الأجوبة عن أسئلتها. فقد منحتها الماركسية أدوات لفهم علاقات الاستغلال والهيمنة والتفاوت الطبقي، كما فتحت أمامها أفقاً سياسياً يتجاوز حدود الاحتجاج على الأوضاع القائمة نحو التفكير في تغييرها من جذورها. لكن تبني هذه المرجعية لم يكن مجرد اختيار فكري أو انتماء أيديولوجي؛ فقد ارتبط أيضاً بتجارب اجتماعية عاشها هؤلاء الشباب، وبمساراتهم التعليمية والثقافية، وبإحساسهم بالانسداد أمام مستقبل لم تكن شروطه متاحة للجميع بالقدر نفسه.
ومن هنا تبرز أهمية قراءة هذه التجربة من منظور سوسيولوجيا المعرفة، لأن الأفكار لا تنشأ ولا تنتشر بمعزل عن المجتمع الذي يحتضنها. فكل تصور للعالم يرتبط، بدرجات متفاوتة، بالموقع الاجتماعي لمن يتبناه، وبالتكوين الذي تلقاه، وبالتجارب التي عاشها، وبالأسئلة التي يفرضها عليه واقعه. لذلك، فإن فهم اليسار المغربي لا يقتضي الاكتفاء بالتعرف إلى الكتب والنظريات التي استلهمها، بل يستدعي أيضاً البحث في الظروف التي جعلت هذه الأفكار تجد صداها لدى فئة من الطلاب والمثقفين، وتتحول من قراءات نظرية إلى قناعات سياسية واستعداد للتنظيم والمواجهة.
كانت الجامعة والفضاءات الطلابية والثقافية من بين أهم المجالات التي نمت داخلها هذه التحولات. فلم تعد الجامعة مجرد مكان لاكتساب المعرفة والشهادات، بل أصبحت فضاءً للنقاش والاحتجاج وتبادل الأفكار حول مستقبل المجتمع، وحول علاقة الدولة بالحرية والعدالة الاجتماعية. وقد ساهم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في إتاحة المجال أمام أجيال من الطلاب لمناقشة قضايا تتجاوز حدود الجامعة، من قبيل التحرر الوطني والاشتراكية والإمبريالية ومصير الشعوب التي كانت تخوض معارك الاستقلال والتحرر. وهكذا، بدأ الطالب يتحول من متلقٍّ للمعرفة إلى فاعل يحاول توظيف ما يتعلمه في فهم واقعه واتخاذ موقف منه.
لكن هذا التحول يطرح سؤالاً مهماً: هل كان امتلاك المعرفة النظرية كافياً لفهم المجتمع المغربي في جميع أبعاده؟ لقد منحت القراءة الماركسية هؤلاء الشباب أدوات نقدية قوية، لكنها لم تكن تعفيهم من ضرورة الاقتراب من الحياة اليومية للناس، وفهم الطريقة التي ينظمون بها علاقاتهم، ويدبرون بها مصالحهم، ويعبّرون من خلالها عن انتماءاتهم ومواقفهم. فالمجتمع لا يتحرك وفق القواعد النظرية وحدها، ولا يمكن فهمه من خلال الأرقام الاقتصادية أو الانتماءات الطبقية فقط. هناك أيضاً تاريخ العائلات، وعلاقات الجوار والقرابة، والروابط المحلية، والمعتقدات الدينية، والذاكرة الجماعية، وهي عناصر تتداخل مع المصالح المادية وتؤثر في اختيارات الأفراد والجماعات.
لقد تأثر اليسار المغربي بما كان يجري في العالم آنذاك، من حركات التحرر الوطني إلى المقاومة الفلسطينية، ومن الاحتجاجات الطلابية إلى التجارب الثورية التي ارتبطت بالصين وغيرها من البلدان. وقد منحت هذه الأحداث جيلاً من الشباب شعوراً بأن العالم يعيش لحظة تاريخية مفتوحة على إمكانات التغيير، وأن ما يبدو ثابتاً يمكن أن يتغير بفعل التنظيم والنضال والإرادة الجماعية. كما وفرت هذه المرجعيات لغة سياسية مشتركة لتفسير الاستعمار والتبعية والاستغلال، وربطت النضال المحلي بقضايا أوسع تتعلق بالحرية والكرامة والتحرر.
غير أن الحماس لهذه التجارب كان يطرح تحدياً حقيقياً: كيف يمكن الاستفادة من أفكار وتجارب نشأت في سياقات مختلفة، من دون نقلها إلى المغرب كما لو أن المجتمعات تتشابه في تاريخها وبنياتها وشروط تحولها؟ فالمجتمع المغربي كان له مساره الخاص، وكانت علاقاته الاجتماعية تتشكل من خلال تداخل عوامل متعددة، من بينها تفاوت الملكية، والعلاقات بالأرض والماء والمراعي، وشبكات القرابة، والسلطة المحلية، والدين، والتحولات التي عرفتها المدن والقرى. ولذلك لم يكن كافياً أن نمتلك نظرية تفسر الاستغلال بصورة عامة؛ كان المطلوب أيضاً فهم الكيفية التي يظهر بها هذا الاستغلال داخل الحياة الاجتماعية المغربية، وكيف تتفاعل معه الجماعات بوسائل ومواقف قد لا تنسجم دائماً مع التصورات التي تتبناها النخب السياسية.
ويظهر ذلك بوضوح في المجال القروي، حيث لا يمكن اختزال العلاقات الاجتماعية في الصراع بين مالك الأرض والفلاح، أو في التمييز بين فئة مستغِلّة وأخرى مستغَلّة. فالأرض، بالنسبة إلى كثير من الجماعات، ليست مجرد وسيلة للإنتاج، بل ترتبط بتاريخ العائلة ومكانتها وذاكرتها، كما أن الماء والمراعي وشبكات القرابة قد تؤثر في توزيع النفوذ وفي أشكال التضامن والصراع. وقد يجد الفرد نفسه، في الوقت نفسه، مرتبطاً بموقعه الاقتصادي وبعائلته وبجماعته المحلية وبمرجعياته الثقافية. وهذا التداخل لا يلغي أهمية التفاوت الطبقي، لكنه يبين أن فهم الواقع يحتاج إلى النظر في الطريقة التي تتفاعل بها المصالح الاقتصادية مع الروابط الاجتماعية والرمزية.
لهذا السبب، تبدو المقاربة الأنثروبولوجية ضرورية لفهم المجتمع المغربي، ليس لأنها تمنحنا صورة عن تقاليده وعاداته فحسب، بل لأنها تساعدنا على اكتشاف المعاني التي يعطيها الناس لتجاربهم وممارساتهم. فما قد يبدو من الخارج مجرد ارتباط بالقرابة أو بالجماعة المحلية يمكن أن يحمل معاني متعددة، تتراوح بين التضامن والحماية وتبادل المصالح وإعادة إنتاج النفوذ. كما أن الدين والثقافة الشعبية لا يشكلان بالضرورة عائقاً أمام التغيير، ولا يقودان بصورة آلية إلى المحافظة؛ فدلالاتهما تتغير بحسب السياقات والفاعلين والظروف التي يستحضران فيها. ومن ثم، فإن فهم المجتمع يقتضي الإصغاء إلى الناس، والاقتراب من تجاربهم، وعدم التعامل معهم باعتبارهم مجرد أمثلة تؤكد صحة نظرية جاهزة.
لقد ساهمت الهجرة من القرى إلى المدن، وتوسع التعليم، وتغير أنماط العمل، ونمو الفئات الوسطى، في إعادة تشكيل المجتمع المغربي خلال تلك المرحلة. وظهرت فئات جديدة امتلكت فرصاً أكبر للوصول إلى التعليم والثقافة، لكنها وجدت نفسها في مواجهة تفاوتات واضحة في فرص الشغل والترقي الاجتماعي والمشاركة السياسية. وقد ولّد هذا التناقض شعوراً بالإحباط لدى بعض الشباب المتعلم، إذ أصبح التعليم الذي وعدهم بمستقبل أفضل يكشف لهم، في الوقت نفسه، حدود الحراك الاجتماعي وإمكانية استمرار الإقصاء رغم امتلاك الشهادات والمعرفة. وفي مثل هذه الظروف، تحولت القراءة والنقاش السياسي إلى وسيلتين لفهم أسباب التفاوت، كما أصبح الانخراط في العمل اليساري بالنسبة إلى بعضهم محاولة لتجاوز واقع لم يعودوا يقبلون به.
ومع ذلك، لم يكن المثقف أو الطالب المناضل ممثلاً تلقائياً للفئات الشعبية التي يدافع عن قضاياها. فقد تمنح المعرفة صاحبها القدرة على نقد المجتمع، لكنها لا تضمن له وحدها فهماً عميقاً لتجارب الناس ولا تعفيه من الاقتراب منهم. وهنا تبرز أهمية تصور أنطونيو غرامشي للمثقف العضوي، الذي يساعدنا على التفكير في العلاقة بين المعرفة والحياة الاجتماعية، وبين الفكر والممارسة. فالمثقف لا يصبح فاعلاً في التغيير لمجرد امتلاكه خطاباً نقدياً، بل عندما يستطيع بناء علاقة حقيقية مع الفئات الاجتماعية، وفهم مشكلاتها، والمساهمة في تحويل تجاربها اليومية إلى وعي جماعي قادر على الفعل.
ومن هذه الزاوية، يمكن التساؤل عن مدى نجاح الحركة اليسارية في تجاوز المجال الطلابي والثقافي الذي انطلقت منه، وفي بناء علاقات متينة مع العمال والفلاحين وبقية الفئات الشعبية. فهذه الفئات لم تكن كتلة واحدة، ولم تكن مصالحها وتصوراتها متطابقة بالضرورة. كما أن اختلاف مواقفها من السياسة أو من بعض المشاريع الثورية لا يعني أنها كانت تفتقر إلى الوعي أو أنها لم تكن تدرك مصالحها. فالناس يتخذون مواقفهم انطلاقاً من تجاربهم الخاصة، ومن الظروف التي يعيشونها، ومن علاقاتهم الاجتماعية ومخاوفهم وانتظاراتهم. ولذلك، فإن بناء مشروع سياسي واسع لا يتحقق بمجرد تقديم تفسير نظري للواقع، بل يحتاج إلى فهم الطريقة التي يرى بها الناس هذا الواقع، وإلى الاعتراف بأن خبرتهم اليومية تحمل معرفة لا يمكن الاستغناء عنها.
وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم الهيمنة عند غرامشي أهمية خاصة، لأنه يساعد على فهم أن استمرار السلطة لا يعتمد على القوة والإكراه فقط، بل يرتبط أيضاً بقدرتها على جعل تصورات معينة عن المجتمع والنظام والشرعية تبدو طبيعية أو مقبولة. فالسلطة لا تعمل من خلال المؤسسات والأجهزة وحدها، وإنما تتداخل مع التعليم والثقافة والخطاب العام والعلاقات اليومية. ومن ثم، فإن مواجهة الهيمنة لا تعني فقط الاعتراض على القرارات السياسية أو المطالبة بتغيير المؤسسات، بل تتطلب كذلك بناء ثقافة نقدية قادرة على مساءلة ما يبدو بديهياً، وفتح المجال أمام تصورات أخرى للعدالة والمشاركة والكرامة.
وقد واجه اليسار المغربي هذه الأسئلة في ظروف سياسية صعبة، اتسمت بالقمع والملاحقة وتضييق المجال أمام التنظيم والعمل العلني. وكانت السرية، في كثير من الحالات، وسيلة لحماية المناضلين وضمان استمرار النشاط السياسي، لكنها لم تكن بلا ثمن. فقد تؤدي ظروف العمل السري إلى تعزيز المركزية، وتقليص فرص النقاش الداخلي، وإعطاء الأولوية للانضباط على حساب المبادرة والاختلاف. وهكذا، وجدت بعض التنظيمات نفسها أمام مفارقة صعبة: كيف تحافظ على وحدتها وقدرتها على مواجهة القمع، وفي الوقت نفسه تتيح مجالاً للنقد والمراجعة والتعبير عن الاختلاف؟
ولا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن السياق الذي نشأت فيه، كما لا يصح اختزال مسار الحركة في أخطاء تنظيمية أو فكرية منفصلة عن ظروفها التاريخية. فالتجارب السياسية تتشكل من تفاعل عوامل عديدة، من بينها قوة الأفكار، وطبيعة التنظيم، والموارد المتاحة، والظروف الاجتماعية، وشكل العلاقة بالدولة والمجتمع. وقد يكون التنظيم قادراً على الحفاظ على تماسكه في ظروف استثنائية، لكنه يحتاج أيضاً إلى مراجعة أساليبه باستمرار حتى لا تتحول الوسائل التي ابتكرها لمواجهة القمع إلى حدود تعيق قدرته على التعلم والتجدد.
وكانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في الوجدان السياسي لقطاعات من اليسار المغربي، ليس فقط بوصفها قضية تضامن مع شعب يناضل من أجل حقوقه، بل باعتبارها رمزاً للمقاومة والتحرر ومواجهة الاستعمار. وقد ساهم هذا الحضور في ربط التجربة المغربية بقضايا التحرر في العالم، ومنح النضال السياسي بعداً إنسانياً يتجاوز الحدود الوطنية. لكن هذا الارتباط يطرح بدوره سؤالاً حول كيفية الجمع بين المبادئ المشتركة وخصوصية كل مجتمع. فالتضامن مع التجارب الأخرى لا يعني أن ظروفها يمكن أن تتكرر في كل مكان، كما أن الإيمان بالتحرر لا يغني عن فهم التاريخ المحلي والعلاقات الاجتماعية التي تحدد إمكانات التغيير وحدوده.
وتبرز هذه الإشكالية أيضاً عند تناول قضية الصحراء سنة 1974، وما أثارته من نقاشات حول تقرير المصير والوحدة الترابية والهوية الوطنية. فهذه القضايا لا يمكن فهمها من خلال موقف سياسي معزول عن سياقه، بل ينبغي النظر إليها في ضوء التحولات الإقليمية والدولية، وعلاقة الدولة ببناء الشرعية الوطنية، والنقاشات التي عرفتها الحركة اليسارية حول معنى التحرر وحدود المشروع الوطني. كما تكشف هذه المسألة عن صعوبة التوفيق بين المبادئ العامة والاختيارات السياسية التي تفرضها سياقات تاريخية معقدة، وعن الحاجة إلى فهم الكيفية التي تتداخل بها الاعتبارات السياسية مع الذاكرة الجماعية والانتماء الوطني.
إن ما يجعل كتاب عبد القادر الشاوي مهماً هو أنه يتيح لنا العودة إلى هذه التجربة بعيداً عن الأحكام الجاهزة، ويفتح المجال للتفكير في المسافة بين ما أرادته الحركة اليسارية وما استطاعت تحقيقه، وبين الأفكار التي تبنتها والواقع الذي واجهته. فالتاريخ الذي نستحضره هنا ليس مجرد تاريخ لتنظيمات وشعارات وصراعات، بل هو أيضاً تاريخ جيل آمن بإمكانية تغيير المجتمع، وحاول أن يجعل من المعرفة أداة للتحرر، وأن يمنح السياسة معنى يتجاوز التنافس على السلطة نحو إعادة بناء شروط العيش المشترك.
غير أن قيمة هذه التجربة لا تكمن في تقديس أحلامها أو في الحكم عليها انطلاقاً من نتائجها وحدها، بل في قدرتنا على فهم التوترات التي حملتها والأسئلة التي تركتها مفتوحة. فقد يكون المشروع السياسي عادلاً في غاياته، لكنه يواجه صعوبات عندما لا يستوعب بما يكفي تنوع المجتمع الذي يسعى إلى تغييره. وقد تكون النظرية غنية بأدواتها النقدية، لكنها تظل بحاجة إلى اختبار مستمر في ضوء التجارب الواقعية. كما أن الرغبة في الدفاع عن الفئات الشعبية لا تعني بالضرورة فهمها، ما لم تقترن بالإنصات إليها والاعتراف بقدرتها على إنتاج معارفها الخاصة وتحديد أولوياتها.
إن قراءة اليسار المغربي من منظور سوسيولوجي وأنثروبولوجي لا تهدف، إذن، إلى إدانة التجربة أو تبرير تعثرها، وإنما إلى فهم العلاقة المعقدة بين الفكر والواقع، وبين النخبة والمجتمع، وبين المشروع السياسي والشروط التي تسمح له بأن يتحول إلى ممارسة جماعية. فالمجتمع ليس فضاءً ساكناً تنتظر مكوناته من يأتي ليمنحها الوعي، بل هو عالم متحرك، ينتج أفراده وجماعاته معانيهم ومواقفهم من خلال تجاربهم اليومية وعلاقاتهم ومصالحهم وذاكرتهم المشتركة. والسياسة، بدورها، لا تستمد قوتها من صلابة المرجعية النظرية وحدها، بل من قدرتها على فهم هذا العالم والتفاعل معه، ومن استعدادها لمراجعة أدواتها كلما كشفت التجربة عن حدودها.
في النهاية، كانت تجربة اليسار المغربي بين 1970 و1974 لحظة التقت فيها أحلام التحرر بصعوبة الواقع، والتطلع إلى بناء مجتمع جديد بتعقيدات مجتمع له تاريخه وخصوصياته وتناقضاته. وهي تجربة تستحق أن نعود إليها اليوم لا بحثاً عن إجابات نهائية، بل لأنها تطرح أسئلة ما تزال راهنة: كيف يمكن تغيير المجتمع من دون اختزاله في نموذج نظري جاهز؟ وكيف يستطيع المثقف أن يحافظ على حسه النقدي من دون أن ينفصل عن حياة الناس؟ وكيف تتحول المعرفة إلى ممارسة سياسية تنطلق من الواقع بدل أن تفرض عليه تصورات مسبقة؟
لعل الدرس الأهم الذي تتركه هذه التجربة هو أن الحلم بالتغيير لا يكفي وحده، مهما كانت نواياه نبيلة، وأن النظرية تحتاج دائماً إلى الاحتكاك بالحياة اليومية وإلى مراجعة مفاهيمها في ضوء التجربة. فالمجتمع لا يتغير بمجرد امتلاك فكرة عن المستقبل، بل بفهم ما يعيشه الناس فعلاً، وما يربط بينهم، وما يفرقهم، وما يمنحهم القدرة على الفعل أو يدفعهم إلى التردد. وحين يصبح هذا الفهم جزءاً من المشروع السياسي، يمكن للحلم أن يقترب أكثر من الواقع، لا عبر إنكار تعقيداته، بل عبر جعل هذا التعقيد نفسه نقطة انطلاق نحو التغيير.





