حين تتحول التحركات العسكرية إلى محتوى رقمي.. أين تنتهي حرية النشر وتبدأ مسؤولية حماية أمن الوطن؟
حين تتحول التحركات العسكرية إلى محتوى رقمي.. أين تنتهي حرية النشر وتبدأ مسؤولية حماية أمن الوطن؟

في زمن أصبحت فيه الهواتف الذكية وسيلة سهلة لتوثيق الأحداث، باتت بعض التحركات العسكرية للقوات المسلحة الملكية مادة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يسارع البعض إلى تصوير الشاحنات والآليات العسكرية ونشرها مرفقة بتعليقات وتأويلات لا تستند بالضرورة إلى مصادر موثوقة.
قد يبدو الأمر مجرد مشاركة لمشهد عابر أو محاولة لجمع المشاهدات والإعجابات، غير أن تصوير التحركات العسكرية ونشر تفاصيلها قد يتجاوز حدود المحتوى الرقمي ليمس جوانب مرتبطة بأمن الوطن وسلامة المعلومات العسكرية.
إن تصوير قافلة عسكرية لا يعني تلقائياً كشف سر عسكري، لكن نشر تفاصيل مثل توقيت التحركات، والمسارات، وأعداد الآليات، وطبيعة المعدات، ومواقع التجمع، قد يوفر معطيات يمكن أن تكتسب أهمية أكبر عند تجميعها وتحليلها، وتزداد المخاطر عندما تنشر هذه المقاطع بشكل مباشر، مصحوبة بتحديد المواقع والتوقيتات، أو عندما تتحول إلى مادة للتحليل والتخمين من طرف حسابات مجهولة، لذلك، فإن المسؤولية تقتضي عدم تحويل كل ما تلتقطه عدسات الهواتف إلى محتوى قابل للتداول، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأنشطة عسكرية لا تتوفر بشأنها معلومات رسمية.
من الضروري التمييز بين التصوير في الفضاء العام وبين الأفعال التي قد تشكل مساساً بأسرار الدفاع الوطني، فالقانون المغربي لا يجعل كل تصوير لآلية عسكرية في طريق عمومي جريمة تلقائية.
وفي هذا السياق، يحدد الفصل 187 من مجموعة القانون الجنائي مفهوم أسرار الدفاع الوطني، فيما يتناول الفصل 192 الأفعال المرتبطة بالحصول على هذه الأسرار أو إطلاع الجمهور أو أشخاص غير مؤهلين عليها، أما الفصل 193 فيتناول، ضمن حالات محددة، التصوير داخل المنشآت والمناطق العسكرية المحظورة أو حولها دون ترخيص، وبالتالي، فإن التكييف القانوني يرتبط بطبيعة المعلومات ومكان التصوير والظروف المحيطة بالفعل، وليس بمجرد ظهور آلية عسكرية في مقطع مصور.
ولا تتوقف المخاطر عند نشر المقاطع الحقيقية، بل تمتد إلى إعادة تداول تسجيلات قديمة باعتبارها حديثة، أو إنتاج صور وفيديوهات بالذكاء الاصطناعي تحاكي تحركات عسكرية غير موجودة.
مثل هذه الممارسات قد تخلق حالة من التضليل والارتباك، خصوصاً عندما تتزامن مع تطورات سياسية أو دبلوماسية مرتبطة بالقضايا الوطنية، كما أن التزامن بين حدث سياسي وتحرك عسكري لا يشكل دليلاً على وجود علاقة بينهما؛ فقد تكون التحركات مرتبطة باعتبارات لوجستية أو تدريبية أو تنظيمية، ولا يمكن تحديد خلفياتها من خلال مقطع قصير أو تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي.
إن حماية أمن الوطن ليست مسؤولية المؤسسات العسكرية والأمنية وحدها، بل هي أيضاً مسؤولية مجتمعية تتطلب وعياً بما ننشره ونتداوله، ومن هذا المنطلق، ينبغي تجنب نشر تفاصيل التحركات العسكرية التي قد تكون حساسة، والامتناع عن تحديد مواقع القوافل ومساراتها بشكل مباشر، والتحقق من مصادر المقاطع وتواريخها قبل تداولها، مع الاعتماد على البلاغات الرسمية والمصادر الإعلامية الموثوقة عند تناول الأخبار العسكرية.
فحرية تداول الأخبار لا تعني نشر كل معلومة دون تقدير لعواقبها، كما أن الحق في المعرفة لا يتعارض مع احترام مقتضيات الأمن الوطني.
إن القوات المسلحة الملكية تضطلع بمهام استراتيجية في الدفاع عن سيادة المملكة وحماية أمنها واستقرارها، وهو ما يستوجب التعامل مع أنشطتها وتحركاتها بقدر كبير من المسؤولية والوعي.
ليس المطلوب منع المواطنين من متابعة الأخبار أو التضييق على حقهم في المعرفة، وإنما ترسيخ ثقافة رقمية تميز بين المعلومة التي تخدم المصلحة العامة والتفاصيل التي قد يؤدي نشرها إلى مخاطر غير محسوبة، فليس ضرورياً أن تكون أول من ينشر مقطعاً عسكرياً، وليس كل ما يحقق آلاف المشاهدات يستحق التداول.
أمن الوطن ليس مادة لجمع الإعجابات، والمواطنة الحقيقية تظهر أحياناً في قرار بسيط: أن تمتنع عن التصوير أو النشر عندما تكون سلامة المعلومة وأمن البلاد أولى من التفاعل الرقمي.





