لحظة تأمل

أزلو محمد يكتب:اللحوم الحمراء بالمغرب”جدل مستمر بين الواقع والوعود”

لا تزال اللحوم الحمراء في المغرب تحظى بمكانة مركزية في النقاشات العامة، إذ باتت أشبه بمرآة تعكس تناقضات المشهد الاقتصادي والاجتماعي. ورغم دخول الماشية الموجهة لعيد الأضحى إلى الأسواق الأسبوعية، إلا أن الأسعار ظلت عصية على التراجع. في مدن مثل الدار البيضاء، لم يلحظ المواطنون سوى تغييرات طفيفة، وكأن السوق يسير على إيقاع خاص لا تهمه تقلبات العرض والطلب.

هذا الوضع يعكس أزمة أعمق من مجرد أرقام تتعلق بعرض الماشية أو استيرادها، بل إنه يكشف عن إخفاقات هيكلية في المنظومة الزراعية والغذائية ككل. محمد الذهبي، الكاتب العام لاتحاد المقاولات والمهن بالمغرب، أبرز في تصريحاته أن الأزمة لا يمكن اختزالها في الأسعار فقط، بل هي نتيجة لتراكمات طويلة أدت إلى ما يمكن وصفه بـ”إفلاس” سياسات القطاع الزراعي.

عندما نتحدث عن القطيع المغربي، فإننا نتحدث عن ثروة وطنية كان يُفترض أن تكون دعامة أساسية للأمن الغذائي. ومع ذلك، يتساءل الذهبي: أين ذهب هذا القطيع؟ كيف يمكن لبلد صرف مليارات الدراهم لدعم سلسلة تربية الماشية أن يجد نفسه عاجزًا عن تأمين لحوم حمراء بأسعار معقولة؟ هذه الأسئلة ليست مجرد استفسارات عابرة، بل هي صرخة تطالب بفتح تحقيقات جادة تُسلط الضوء على مكامن الخلل.

وما يزيد من تعقيد المشهد هو التضارب الصارخ في الأرقام التي تقدمها الجهات الرسمية. ففي حين تؤكد وزارة الفلاحة أن استيراد الماشية سيكون الحل السحري لتعزيز العرض، يواجه المواطنون واقعًا مختلفًا تمامًا. الأسعار المرتفعة لا تزال تثقل كاهل الأسر، والأرقام التي يتم الترويج لها تبدو منفصلة تمامًا عن نبض الأسواق.

يشكل برنامج “المغرب الأخضر” حجر الزاوية في السياسات الزراعية بالمغرب. وُضع هذا المخطط بهدف تحقيق نهضة زراعية شاملة، وتأمين الاكتفاء الذاتي الغذائي، وتعزيز التنمية الريفية. لكن بعد سنوات من انطلاقه، يبدو أن النتائج لا ترقى إلى مستوى التطلعات.

الذهبي لم يتردد في وصف المخطط بالفشل، مستشهدًا بالأثمان الخيالية للخضر والفواكه، والتي تعكس عجزًا واضحًا في تحقيق الأهداف المعلنة. “نحن لا نريد الأرقام التي يتم تضخيمها”، يقول الذهبي، في إشارة إلى الهوة الكبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش.

إن الفشل في تأمين الغذاء لا يظهر فقط في أسعار اللحوم، بل يمتد إلى مختلف المنتجات الزراعية. الخضر والفواكه، التي كانت تُعتبر يومًا ما من أساسيات المائدة المغربية، أصبحت اليوم ترفًا لا يستطيع الكثيرون تحمله.

لا يمكن الحديث عن أزمة اللحوم الحمراء دون التطرق إلى انعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية. فالأسعار المرتفعة لا تؤثر فقط على القدرة الشرائية للأسر، بل تمتد أيضًا لتضرب قطاعات أخرى مرتبطة بالزراعة وتربية الماشية. المزارعون والمربون، الذين يُفترض أن يكونوا في صلب العملية الإنتاجية، يجدون أنفسهم في مواجهة تحديات كبرى، من ارتفاع تكاليف العلف إلى تقلص الطلب بسبب ضعف القدرة الشرائية.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن الأزمة تسهم في تعميق الفوارق الطبقية. اللحوم الحمراء، التي كانت يومًا ما غذاءً متاحًا للجميع، أصبحت اليوم حكرًا على الطبقات الميسورة. هذا التحول يعكس اختلالات عميقة في توزيع الثروة والموارد، ويضع مزيدًا من الضغوط على الفئات الهشة.

إن أزمة اللحوم الحمراء ليست مجرد أزمة ظرفية يمكن حلها باستيراد الماشية أو تخفيض الضرائب. إنها أزمة هيكلية تتطلب مراجعة شاملة للسياسات الزراعية والغذائية.

من الضروري فتح نقاش وطني جاد حول مستقبل الزراعة بالمغرب، يشمل جميع الفاعلين، من مزارعين ومربين إلى مستهلكين وخبراء اقتصاديين. كما أن الشفافية في تقديم الأرقام والمعلومات هي شرط أساسي لاستعادة الثقة بين المواطن والدولة.

على المدى القصير، يمكن اتخاذ إجراءات لتخفيف العبء عن الأسر، مثل دعم أسعار العلف وتقديم تحفيزات للمربين. أما على المدى الطويل، فلا بد من الاستثمار في البحث الزراعي، وتعزيز سلاسل الإنتاج، وإعادة النظر في المخطط الأخضر بما يضمن تحقيق أهدافه الحقيقية.

يبدو أن اللحوم الحمراء ليست مجرد مادة غذائية، بل هي رمز لمعركة أكبر تتعلق بالحق في حياة كريمة. إنها مرآة تعكس تحديات المغرب في تحقيق أمنه الغذائي، وفي ضمان أن تكون موارده في خدمة مواطنيه، وليس مجرد أرقام تُزين التقارير الرسمية. الأزمة الحالية فرصة لإعادة التفكير في السياسات الزراعية، والأمل معقود على أن يكون المستقبل أكثر إشراقًا وعدلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى