النقل المدرسي بدائرة الحوزية.. حين تتحول محاربة الهدر المدرسي إلى “رحلة جماعية” فوق طاقة الحافلة

يبدو أن شعار محاربة الهدر المدرسي ما زال يحتاج، في بعض المناطق، إلى أكثر من الخطب والشعارات والبلاغات الرنانة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالنقل المدرسي، الذي يفترض أن يكون وسيلة لحماية التلاميذ وضمان وصولهم إلى مؤسساتهم التعليمية في ظروف آمنة تحفظ كرامتهم وسلامتهم.
ففي عدد من المناطق التابعة لدائرة الحوزية ، تتجدد معاناة التلاميذ وأسرهم مع مشهد أصبح للأسف ، أقرب إلى “طقس يومي” منه إلى حالة إستثنائية ، إذ تعرف بعض المناطق وسيلة نقل مدرسي وحيدة التي تؤمن نقل عدد من التلاميذ إكتظاظا كبيرا يصل حسب المعطيات المتداولة محليا إلى أكثر من 50 تلميذا وتلميذة في رحلة واحدة .
وهنا لا ندري هل نحن أمام حافلة مدرسية أم أمام مشروع جديد في عالم النقل تحت شعار ” كلما زاد عدد الركاب، زادت بركة الرحلة”!.
المشكل ليس في أن التلاميذ يرغبون في الوصول إلى منازلهم جماعة، وإنما في أن هذا الإكتظاظ يطرح أسئلة جدية حول السلامة وشروط النقل ومدى إحترام الطاقة الإستيعابية لوسيلة النقل المدرسي خصوصا أن الأمر يتعلق بأطفال وتلاميذ يفترض أن تكون سلامتهم فوق كل إعتبار .
والأغرب من ذلك أن هذه الوضعية ليست وليدة اليوم، بل أصبحت معاناة يعرفها الآباء والتلاميذ ، دون أن يظهر إلى حدود الساعة حل عملي ينهي هذا الوضع ، من خلال تعزيز الأسطول بوسيلة نقل إضافية أو إعادة تنظيم خطوط النقل بما يضمن تخفيف الضغط .
ومن بين الأسئلة التي تفرض نفسها أيضا دور بعض الجمعيات المشرفة على النقل المدرسي.
فإذا كانت وسيلة نقل واحدة عاجزة عن إستيعاب هذا العدد الكبير من التلاميذ، فمن حق الأسر أن تتساءل ، هل تم فعلا رفع هذا المشكل إلى الجهات المسؤولة؟ وهل جرى طلب تعزيز النقل المدرسي بوسيلة إضافية ؟ وما هي العراقيل التي تحول دون ذلك ؟.
أسئلة مشروعة، ولا تحتاج إلى إجابات فلسفية، بل إلى توضيحات صريحة وشفافة.
فالمواطن لا يريد معجزة، ولا يطالب بتحويل الحافلة المدرسية إلى قطار فائق السرعة، وإنما يريد ببساطة نقلا مدرسيا آمنا ومحترما لأبنائه.
حيث يجد عدد من التلاميذ أنفسهم مضطرين إلى إستعمال وسيلة نقل واحدة في ظروف تثير الكثير من علامات الإستفهام.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بكل بساطة ، ماذا لو قام مسؤول بزيارة مفاجئة إلى إحدى محطات النقل في ساعة عودة التلاميذ إلى منازلهم ؟.
ربما ستكون أمامه فرصة نادرة لإكتشاف أن بعض “الحلول” التي نتغنى بها على الورق تحتاج إلى حلول أخرى على أرض الواقع .
وقد يكتشف أيضا أن محاربة الهدر المدرسي لا تبدأ فقط من المدرسة والكتب والأقسام ، وإنما تبدأ كذلك من الطريق التي يسلكها التلميذ للوصول إلى بيته ، ومن الوسيلة التي يستقلها، ومن الظروف التي ينقل فيها.
ففي زمن تتحدث فيه الخطابات الرسمية عن تجويد التعليم ، ومحاربة الهدر المدرسي ، وتكافؤ الفرص يبدو أن بعض التلاميذ لا يزالون يخوضون معركة أخرى قبل الوصول إلى منازلهم: معركة العثور على مكان داخل الحافلة ،
فالتلميذ الذي أنهكه يوم دراسي طويل، قد يجد نفسه أمام إمتحان جديد عنوانه “كيف تجد لنفسك مكانا داخل وسيلة نقل مكتظة؟”.
أما الحافلة، فربما تحتاج هي الأخرى إلى راحة نفسية بعد كل رحلة !
لكن خلف هذه السخرية توجد حقيقة أكثر جدية ، الأمر يتعلق بأطفال، والسلامة ليست مجالا للمغامرة أو التساهل.
لذلك، فإن إستمرار هذه الوضعية يستدعي تدخلا عاجلا من الجهات المعنية، سواءا من السلطات المحلية أو الجماعات الترابية أو المؤسسات والهيئات المشرفة على النقل المدرسي، كل حسب إختصاصه، من أجل الوقوف على حقيقة الوضع ومعالجته .
فالمدرسة لا ينبغي أن تكون فقط مكانا للتعلم ، بل يجب أن يكون الطريق إليها والعودة منها آمنا أيضا.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر بساطة والأكثر إزعاجا في الوقت نفسه ،
هل ننتظر وقوع حادث لا قدر الله حتى نكتشف أن خمسين تلميذا داخل وسيلة نقل واحدة ليس إنجازا في محاربة الهدر المدرسي، وإنما جرس إنذار يستوجب التدخل قبل فوات الأوان ؟.





