الواجهةمجرد رأي

بين إغراق الأحزاب و إفراغ السياسة من معناها الحقيقي .

الدروش :

في لحظة سياسية دقيقة يعيشها المغرب، يطفو إلى السطح سؤال جوهري: هل نحن أمام تجديد حقيقي للحياة الحزبية، أم أمام عملية إعادة تدوير للنخب نفسها التي استهلك رصيدها السياسي والأخلاقي؟
داخل حزب التقدم والاشتراكية، كما في غيره من الأحزاب، يبرز جدل واسع حول موجة التحاق وجوه فاسلة قادمة من أحزاب أخرى، بعضها غادر سفنته السابقة بعد أن فشل في إقناع قواعد حزبه أو الدفاع عن مبادئه و قيمه التي كان يدعي أنه من اصحاب المبادئ و القيم . والسؤال المشروع: هل الانتقال بين الأحزاب تعبير عن حيوية سياسية، أم عن انتهازية ظرفية مرتبطة بالانتخابات وموازين القوى؟
هناك من يرى أن إغراق أي حزب بملتحقين جدد قبيل الاستحقاقات قد يخدم أحد هدفين:
إما رفع السقف الانتخابي عبر ضخ أسماء لها حضور انتخابي ظرفي، أم صناعة توازنات داخلية تضمن استمرار القيادة نفسها بعد المؤتمر، ولو على حساب الهوية الفكرية والنضالية للحزب.
لكن السياسة ليست حسابات رقمية فقط، بل هي قبل ذلك ثقة ومصداقية وتراكم أخلاقي. وقد قال الله تعالى:
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (الصافات: 24).
المساءلة ليست فقط يوم القيامة، بل هي أيضاً مساءلة سياسية أمام الشعب والتاريخ.
إذا كان بعض المنتقلين قد فشلوا في الدفاع عن برامجهم وأفكارهم في أحزابهم الأصلية، فبأي منطق سيُنتظر منهم أن يصنعوا الفارق داخل البرلمان أو أن يرفعوا منسوب الثقة في العمل السياسي؟ إن الأزمة التي تعيشها الأحزاب ليست أزمة عدد، بل أزمة معنى. ليست أزمة مقاعد، بل أزمة صدق مع المواطنين.
قال رسول الله ﷺ:
“كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” (متفق عليه).
والمسؤولية السياسية أمانة، وليست امتيازاً انتخابياً أو صفقة ظرفية.
المشكلة الأعمق أن هذا النمط من الهجرة السياسية يعمّق عزوف الشباب، ويكرّس قناعة خطيرة مفادها أن الأحزاب لم تعد فضاءات للصراع الفكري، بل منصات للتموقع. وعندما يفقد الشباب الثقة، تفقد الديمقراطية روحها.
إن تجديد النخب ليس شعاراً رومانسياً، بل ضرورة وطنية. المغرب يحتاج إلى جيل سياسي جديد:
جيل نظيف، غير مثقل بتراكمات المال العام، غير متورط في صفقات الأمس، جيل يؤمن بأن السياسة رسالة وليست غنيمة.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
والتغيير يبدأ من داخل الأحزاب نفسها، قبل أن يُطلب من الدولة أو المجتمع.
كما أن على المؤسسات المشرفة على تدبير الحقل السياسي أن تتحمل مسؤوليتها في حماية التعددية الحقيقية، لا التعددية الشكلية. فإضعاف الأحزاب أو تحويلها إلى كيانات بلا هوية يهدد الاستقرار على المدى البعيد، لأن الاستقرار الحقيقي يقوم على الثقة، لا على التحكم.
إن العلاقة بين الدولة والمجتمع والأحزاب يجب أن تُبنى على تعاقد واضح قوامه الشفافية والمحاسبة والاختيار الحر. وأي مسار يُفرغ السياسة من مضمونها قد يدفع إلى احتقان غير محسوب العواقب. لذلك فالإصلاح الحقيقي ليس في تجميع الكائنات الانتخابية، بل في إعادة الاعتبار للفكرة، وللبرنامج، وللأخلاق.
المغرب لا يحتاج إلى إعادة تدوير الوجوه، بل إلى إعادة بناء الثقة.
ولا يمكن بناء دولة ديمقراطية قوية بأحزاب منهكة، ولا بنخب فقدت بوصلة الالتزام.
لقد آن الأوان لفتح الأبواب أمام طاقات جديدة، وإرساء ثقافة سياسية قوامها الوضوح والمحاسبة والجرأة في قول الحقيقة.
فالأوطان لا تُبنى بالمناورات، بل بالإرادة الصادقة.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى .

 

عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى