أزمور … إذا كان منتخب ينظف ويصبغ ويرش المبيدات… فمن يا ترى يدبر المدينة ؟

في مشهد لا يخلو من المفارقة، وجد أحد أعضاء المجلس الجماعي بأزمور نفسه مضطرا إلى القيام بما يفترض أنه من صميم إختصاصات الجماعة . فلم يكتف بحمل صفة ” منتخب “، بل أرتدى في يوم واحد قبعة عامل النظافة ، وتقني في الصباغة ، ومراقب حفظ الصحة، بل وحتى الممول الذي فتح جيبه الخاص لإنجاز أشغال كان من المفروض أن تمول من المال العام.

فبعد طول إنتظار لتدخل الجهات المعنية، قرر العضو الجماعي بالدائرة الإنتخابية الثالثة بالمدينة القديمة ، بمعية عدد من شباب المنطقة، إطلاق مبادرة ميدانية شملت تنظيف عدد من النقط السوداء، وإزالة الأتربة والنفايات، وصباغة جدران الأزقة، ورش مبيدات لمحاربة الحشرات والزواحف السامة ، خاصة العقارب بعدد من الأحياء، من بينها درب سيدي محمد بن عبد الله ، والزاوية التهامية ، ودرب بوبادرة .

المبادرة لقيت إستحسانا كبيرا من طرف الساكنة، لكنها في المقابل كشفت حقيقة أكثر إيلاما ، وهي أن مدينة عريقة مثل أزمور أصبحت في بعض أحيائها تنتظر مبادرات فردية لإنجاز أبسط الخدمات التي يفترض أن توفرها المؤسسات بشكل عادي ومنتظم .

والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كان المنتخب يؤدي من ماله الخاص تكاليف النظافة والصباغة ورش المبيدات، فما هو الدور الذي تقوم به المصالح المختصة ؟ وأين تذهب الميزانيات المرصودة لحفظ الصحة وتحسين المجال الحضري ؟ وهل أصبحت الجماعة تكتفي بمراقبة المبادرات الفردية بدل قيادة العمل الميداني ؟
لسنوات، ظل سكان هذه الأحياء يرفعون الشكايات ويطالبون بالتدخل لإزالة مظاهر الإهمال التي حولت بعض الأزقة إلى نقط سوداء، دون أن تجد مطالبهم آذانا صاغية ، وعندما يصل الأمر إلى أن يصبح المنتخب نفسه مضطرا إلى سد هذا الفراغ بماله وجهده ، فإن الأمر لم يعد يتعلق بمبادرة تطوعية فحسب، بل بمؤشر واضح على وجود إختلال في تدبير خدمات يفترض أنها حق للمواطن وليست إمتيازا .
المفارقة الأكثر إثارة أن مدينة أزمور، التي تقدم بإعتبارها مدينة تاريخية وسياحية، تستقبل الزوار على مدار السنة، بينما لا تزال بعض أحيائها تكافح الأزبال والأتربة والحشرات، في صورة لا تليق بمدينة تحمل رصيدا حضاريا وثقافيا كبيرا.
ولا أحد يختلف حول أن ما قام به العضو الجماعي يستحق الإشادة والتقدير، لأنه يعكس إحساسا بالمسؤولية وقربا من هموم المواطنين. غير أن الإشادة بالمبادرة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإخفاء السؤال الحقيقي : لماذا أصبح المنتخب مطالبا بأداء مهام الجماعة من ماله الخاص ؟.
إن أخطر ما في هذه الواقعة أنها ترسخ واقعا غير طبيعي، عنوانه أن الخدمات العمومية أصبحت رهينة بالمبادرات الشخصية، بينما يفترض أن تؤدى وفق برامج واضحة، ومحاسبة دقيقة، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها كاملة.
فحين يصبح العضو الجماعي شركة نظافة، ومصلحة أشغال، وقسما لحفظ الصحة، وممولا في الوقت نفسه… فإن الخلل لا يكمن في إجتهاد المنتخب، بل في مؤسسة كان يفترض أن تكون حاضرة ، فأكتفت بالغياب، وتركت المواطن ينتظر من يملأ فراغها .




