تاريخ الاحتفالية و احتفالية التاريخ

بقلم: عبد الكريم برشيد.
فاتحة الكلام
وهذه الاحتفالية من اين اتت، ومن الذي أتى بها، وما الحكمة من وجودها؟
هكذا تساءل وپتساءل كل الناس، والذين كان من بينهم فتپة آمنوا بانه في المسرح يوجد الاحتفال، وأنه في الاحتفال يسكن المسرح
وفي الجواب عن تساؤلاته يقول الاحتفالي ما يلي :
بالتاكيد هي لم تأت من فراغ، ولا هي نبتة سحرية نبتت في الخلاء وفي الخواء المطلق، ولا هي معجزة نزلت علينا من السماء، ولا هي ظاهرة غير مبررة وغير مفسرة عقليا، وكل ما في هذه الاحتفالية يمكن ان يقرا قراءة فكرية وعلمية لا علاقة لها بالسحر ولا بالشعودة ولا بالقوى الغيبية الخارقة، وبهذا فقد امكن ان نقول هي فعل إنساني انساني لا علاقة له بالميتافزيقا، هي فعل مادي ورمزي و واقعي في تاريخ الفكز المعاصر، ولقد ساقها الزمن في توقيت معين، ولم يكن ممكنا ابدا ان تظهر هذه الاحتفالية إلا في ذلك التاريخ، ليس قبله ولا بعده، ولقد أوجدتها الجغرافيا في مكان محدد هو المغرب، د ولقد أنطقتها هذه الجغرافيا لغتها الخاصة، والتي هي لغة العلم ولغة الحكمة ولغة الإبداع الجمالي، كما أعطتها فنها وفكرها وعلمها وخطابها، ولقد قد كان ضروريا ان تكون هويتها الوجودية مغربية، وان تكون ملامحها النفسية والذهنئة مغربية، وهذا لا يمنع من انها عربية في نفس الوقت، وانها امازيغية ايضا، وانها افريقية كذلك، وانها مورسكية، وانها متوسطية، وانها عالمية وكونية في نفس الآن
ولقد مارس الاحتفاليون في هذه الاحتفالية حقهم المشروع في الوجود، وعاشوا فيها فعلا جديدا ومجددا في المسرح المغربي والعربي، والذي هو فعل التفكير وهو فعل التنظير، وهو فعل طرح السؤال، عن المسرح، وعن معنى المسرح، وعن روح هذا المسرح، وعن جدوى المسرح، وعن مرجعيات هذا المسرح، وعن معجم هذا المسرح، وعن بنيات هذا المسرح وعن آليات وتقنيات هذا المسرح
ولقد أعلنت هذه الاحتفالية عن وجودها وعن وجهتها وعن فلسفتها وعن منهجيتها، من خلال بيانات مسرحية ومن خلال مسرحيات كثيرة، احتفالية في الشكل وفي المضمون ، وبهذه البيانات والمسرحيات ومن خلالها، اعلنت هذه الاحتفالية عن بداية عصر جديد في تاريخ المسرح المغربي والعربي، عصر أطلقت عليه الاحتفالية عصر التنظير وعصر التنوير و عصر التثوير، وعصر التغيير
ولقد آمنت هذه الاحتفالية بالعلم في زمن العلم، وقرأت الفن في ضوء الحياة، وفسرت الحياة على ضوء المسرح، وانحازت إلى الإنسان الكوني في زمن الحروب الكونية الساخنة والباردة، وكانت ذالنحنيك الجماعية في عهد الفردانية و الأنانيات المغلقة، كما آمنت بالإنسان و الانسانية، وذلك في زمن العنصرية و القبلية والقومجية والعشائربة والطائفية الضيقة، ولعل أهم وأخطر ما قام به الاحتفاليون المؤسسون، هو أنهم أحسنوا قراءة خرائط الحياة، واحسنوا خرائط التاريخ، ولم ينساقوا مع موجة التمذهب الأيدبولوجي ولا مع التمذهب الديني
و الاحتفاليون المؤسسون، وقبل ان يكتبوا بياناتهم و مسرحياتهم، كانوا مجرد قراء اذكياء، وان قراءتهم لم تكن سطحية، بل كانت قراءة عميقة فاهمة ومتفهمة وسليمة، ولولا ذلك، فهل كان ممكنا لمشروعهم الفكري والجمالي أن ينجح، وأن يكون له هذا الإشعاع الذي عرف به؟
بالتأكيد لا، ولهذا يكون من الضروري أن نعرف أن هذا التيار قد أعلن عن مولده في أواسط السبعينات من القرن العشرين، وبهذا يكون من الضروري أن نعرف روح ذلك القرن، والذي عرف حربين عالميتين ساخنتين، وعرف حربا عالمية ثالثة باردة، وقد كان ضروريا أن يبحث الاحتفاليون في حالات وأفكار ورجماليات واختيارات و أخلاقيات الحقبة التي ظهروا فيها، ولقد قيل عن القرن العشرين بأنه ( قرن الشك والاحتمال) وقبله قيل عن القرن التاسع عشر بأنه (عصرالعقل واليقين) مما يدل على أن هذه الاحتفالية قد ولدت في عصر الشك، الشيء الذي قوى فيها حاسة النقد، وجعلها تنظر إلى الكائن والموجود بعين الممكن والمحتمل الوجود، وهذا ما يفسر أن يكون أحد أهم كتبها يحمل اسم (حدود الكائن و.الممكن في المسرح الاحتفالي) وبهذا نقول بأن هذه الاحتفالية، فكرا و إبداعا واخلاقا، لا تخالف زمنها، وبأنها فعلا تشبه عصرها الذي أنبتها.
الاحتفالية التي جاءت .. لتبقى:
في كتاب ( عبد الكريم برشيد وخطاب البوح حول المسرح الاحتفالي) للأستاذ عبد السلام لحيابي وجوابا عن سؤال ( الاحتفالية تيار من التيارات المسرحية العربية، ما نقاط الالتقاء والاختلاف مع التيارات المسرحية العربية الأخرى؟)يقول الاحتفالي ما يلي :
( نحن نؤمن بأن الطريق المسرحي هو طريق واحد، ونعرف بأننا كلنا ملتزمون بان نمشي في هذا الطريق، ولكن، هناك من اختار ان يبدا فعل السير فيه من بدايته، اي من نقطة التاسيس، ومن درجة الانطلاق، وهذا هو ما قامت به الاحتفالية، أي انها ابتدأت من البداية، والتي يمثلها الاحتفال الشعبي الخام، وفي المقابل، فهناك من فضل الابتداء من النهاية، اي مما انتهى إليه الآخرون، وبهذا يكون قد اعتنق مسرحا جاهزا، ولم يؤسس مسرحه الخاص كما فعلت الاحتفالية، ويكون قد فضل الكسل على الاجتهاد، وفضل الاتباع على الإبداع، وفضل الدخيل على الأصيل، لقد بحث المسرح التجريبي عن مسرحه لدى الآخرين، وقدم مسرحا غريبا عن الأرض وعن الإنسان، وعن ثقافة هذا الإنسان، اما التيار التاصيلي فقد كانت هجرته إلى الماضي وإلى الموتى، فكان ضروريا ان يكون مسرحه مسرحا تقليديا و سلفيا، وان يقوم ( هذا المسرح)؛على تمجيد الماضي، وعلى الاحتفاء بالأسلاف، وبهذا يكون قد قبض على ظلال التاريخ من غير ان يقبض على جوهره وروحه… وبذلك يلتقي التياران التجريبي والتفاصيل في التاكيد على الشكلانية البرانية، وفي الاحتفاء بالآخر الغائب، بدل الاحتفاظ بالنحن الحاضرة وبالآن الحية و بالهنا ايضا)
وهذه الاحتفالية، في تأكيدها على فعل التاسيس، وعلى فعل إعادة التاسيس، والذي هو فعل ابدي وسرمدي لا يمكن ان يتوقف عند تجربة واحدة ولا عند بيان واحد ولا عند مسرحية واحدة
وهذه الاحتفالية جاءت لتبقى، وجاءت لتحاور ثقافة العصر، وجاءت لتتفاعل مع علوم العصر، ولقد جاءت في الوقت الذي كان ينبغي ان تكون ان تكون فيه، وذلك بدعوة من التاريخ، وفي إطار قانون تاريخي يحكمها كما بحكم كل الكائنات الحية، والذي هو قانون النشوء و الارتقاء، ولقد جاءت لتقول كلمتها في التاريخ ولا تمضي، ولقد كانت وفية لموعدها مع التاريخ ومع الناس بكل تاكيد، لأن المسرح ـ وفي معناه الحقيقي ـ هو اساسا موعد عام، وهو اللقاء في المكان المحدد وفي التوقيت المحدد، ولو أن هذه الاحتفالية تأخرت عن موعدها، ما كان ممكنا أن يكون لها وجود أبدا، وأن يكون لهذا الوجود إشعاع يغطي الامتدادات الزمنية والمكانية الواسعة، ولقد ظهرت في زمن الكتابة بالقلم، وفي زمن الرسم على الورق، وفي زمن الكتابة بالآلة الكاتبة، وليس في زمن الشاشات الضوئية، وظهرت في زمن البيان والتبيين، وفي زمن البلاغ المبين، وفي زمن الإيمان بأن فعل الكتابة رسالة، وبأن هذا الكاتب هو رسول أو هو كاتب عمومي، وأعلنت عن نفسها في زمن ازدهار العلوم والمعارف والفنون والصناعات، وفي عز صراع الإيديولوجيات المتحاورة والمتناحرة، وجاءت في زمن التلاقي الاحتفالي، وفي عهد التواصل الإنساني المادي والحسي والوجداني، وليس في زمن التواصل الافتراضي الخادع، وظهرت للناس في زمن الاجتهاد الفكري والجمالي، فكانت علما، وكانت فكرا، وكانت فنا، بجانب أنها كانت صناعة مسرحية أيضا، ولأن هذه الاحتفالية ظهرت في مناخ مغربي ليبرالي، فقد كان شعارها او رسالتها للمسرحي المغربي والعربي دائما هو التالي:
ــ أسس مسرحك الذي يشبهك، ودع الآخر يؤسس مسرحه الذي يشبهه
ــ وقل كلمتك و فكرتك، ودع الآخر يقول كلمته ويعبر عن فكرته باللغة التي يشاء
ــ وتشبث بصدقية افكارك حتى يثبت الواقع والوقائع ما يؤكدها او ما يناقضها، او ما يمكن ان يكذبها
ــ و امش الى الأمام وإلى الأعلى وإلى الأبعد دائما، واياك أن تلتفت إلى الخلف، واعلم ان الإمام في الفن والفكر والعلم لا يلتفت
ــ وكن مع كل الناس ولا تكن ضد اي احد، و خاصم التخلف والجهل وارث بحال المتخلفين
ــ وإن سالوك عنك وقالوا، انت من انت، فقل لهم ( انا نهر دائم الچرپان، انا من كنت، وانا من اكون، وأنا ما سوف يكون، ومن اراد ان يعرفني احسن، فليبحث عني في الزمان الذي سوف يكون
ــ ولا تسابق احدا من الناس، وسابق الريح، وسابق الساعة، وسابق الضوء، ومن اسرع من الضوء حتى لا يلحق بك ظلك، و تدركك الظامة
ــ واياك ان تحسب عمرك بعدد السنوات التي عشتها، واحسبه بعدد الأفكار التي انجبتها، والتي هي ( بنات افكارك) واحسبه بعدد اللحظات الجميلة التي عشتها، و بعدد الاحتفالات والأعياد التي غنمتها
ولقد آمنت هذه الاحتفالية بأن الفن ليس هو الواقع، في وقائعه الشكلانية و البرانية المنحركة، ولكنه تلك القيم الفكرية والجمالية والأخلاقية المضافة إلى هذا الواقع، ولذلك فقد سعت هذه الاحتفالية، في الفن والفكر، إلى تجميل الواقع، وإلى تثوير الحقيقة فيه، وإلى تنوير الغامض فيه، وإلى تصحيح المختل فيه، وإلى إكمال الناقص فيه، وإلى تحريك الساكن فيه، وإلى تفكيك المركب فيه، وإلى إضاءة المظلم فيه، وإلى إنطاق الساكت فيه، وإلى إظهار الخفي فيه، وإلى تصويب الخاطئ فيه، وإلى إعادة صياغة كل شيء في الواقع والتاريخ بشكل أجمل و أكمل و أنبل، وذلك اعتمادا على السحر الحلال، و الموجود في جماليات الفنون وفي أرواح و.نفوس وخيال المسرحيبن، والموجود في عبقرية المفكرين والمبدعين الحقيقيين
الاحتفالية وقانون النشوء والارتقاء:
ولأن ثقافة هذه الاحتفالية، هي نفس ثقافة عصرها، فقد كان ضروريا أن تؤمن بالنسبية عند إينشتاين، وأن تنقلها من مجال الفيزياء إلى مجال الإدراك الحسي، وأن تؤمن بالنسبية السيكولوجية، وأن تقول مع هيزنبرج لقد ( غيرت النظرية النسبية صورة الكون بعد أن غيرت مفهوم الزمان والخصائص الهندسية للمكان. لقد انتهى الاعتقاد بأن مسار الحدث موضوعي ومستقل عن المشاهد)
وهذه بعض الأسئلة الي وردت في كتاب توماس كون حول ( نسبية الثوابت ) وهي (كيف حدث ويحدث التحول الثوري من الداخل؟ وكيف يتطور العلم في التاريخ؟ أو ما هي الدينامية الباطنية لحركة العلم في التاريخ؟ وما معنى فهم العالم والطبيعة ومعنى الحقيقة العلمية؟)
ولقد كان ضروريا، بالنسبة للاحتفالية، أن تحترم منطق التطور العلمي والفكري والجمالي، وأن تحترم منطق التاريخ، ومعه منطق الجغرافيا، وأن تحترم منطق التطور والارتقاء لدى داروين، وأن تؤمن بأن الأجناس الأدبية والفنية تتطور أيضا، وأن القبض على الخط البياني لهذا التطور يمر عبر تحليل البنية العميقة للتيارات الفكرية والفنية وللتجارب الرائدة والجديدة والمجددة فيها، وبمثل هذه الرؤية، وبهذا الإجراء، يمكن قراءة التيار الاحتفالي، وذلك في تشكله وتأسسه وفي نموه وتطوه، وفي تفاعلاته الباطنية، وفي علاقاته الخارجية.
وهذا التطور، وبخلاف ما قد يعتقد البعض، ليس قدريا بالضرورة، ولا يمكن أن يسلك مسلكا واحدا في حركيته، وهو لا يسير في خط تصاعدي مستقيم، وهو مؤثث بالمنعرجات والمنحنيات والمنعطفات والاعوجاجات وبالقفزات وبالبياضات وبالفراغات، وهذا ما لم يلتفت إليه أغلب الذي كتبوا عن الاحتفالية، والذين تمثلوها ذاتا واحدة، و حسبوها عمرا واحدا، وهي حزمة أعمار، ورأوها حالة واحدة وموحدة، وما هي فعلا كذلك، وقرأوها فكريا خطابا واحدا متجانسا ومتناغما مع نفسه، واستبعدوا أن يناقض هذا الخطاب نفسه في عمرين اثنين مختلفين، أو في مقامين اثنين، أو سائقين مختلفين، وفي حالين متحركين، ولم يفهموا بأن التناقض هو أساس الوجود والموجودات، خصوصا عندما يكون للجزء المختلف والمخالف معنى الكمال أو معنى البحث عن الكمال، ولهذا يكون من حق الاحتفالي ان يسال الاسئلة التالية:
ــ هل الليل يناقض النهار؟
ــ وهل الأبيض يناقض السواد أو يكمله او يطرزه؟
وهل الحضور يناقض الغياب؟
وهل الموت يناقض الحياة، أو أنه درجة من درجات هذه الحياة؟
وهل هناك موت يمكن أن يأتي من خارج الحياة؟
إن الأساس في هذه الاحتفالية هو الحياة وهو الحيوية، وهو دورة الوجود الحي، وهو دورة الأيام والأعوام وهو دورة الطبيعة، وهي بهذا جسد يسكنه روح، وهي جسد شفاف، وهي كائن بللوري متحرك، وهي وجود زئبقي منفلت، وهي تؤكد دائما على أنها بسيطة (مثل بساطة الطبيعة) وعلى أنها (قريبة وبعيدة مثل قرب وبعد الشمس، فنحن ندرك ضوءها وحرها، ولا يمكن أن نقبض عليها، وأنها متجددة مثل أمها الطبيعة، وأنها جادة وهازلة، وعاقلة ومجنونة ومعقلنة، تماما كما هي مسرحيات الحياة قبل مسرحيات المسرح)
وهكذا هي الاحتفالية، هي مناخ فيه كل الفصول، والتي قد يظهر انها تناقض بعضها البعض، مع انها تكمل بعضها البعض.
زمن الاحتفال وعصر الاحتفالية:
لقد سعت هذه الاحتفالية لأن تشبه الحياة في دورتها المتجددة في الطبيعة، وأن تشبه التاريخ المتجدد في أزمانه، وأن تشبه الدماء المتجددة في الأجساد الحية، وعن فعل هذا التجديد التحديثي يقول د محمد لعزيز ( إن عمليات التحديث التي رامتها الاحتفالية سعت في المقام الأول إلى تغيير الأنماط الحياتية التقليدية، ومنها تغيير العلاقات الإنسانية من طبيعتها السلطوية الإقطاعية السائدة، إلى علاقات تتميز بالطابع الإنساني الشعبي، وهو ما يتواءم ونظرة الاحتفاليين للمسرح، الذي لا يعدو أن يكون عندهم لقاء إنسانيا مفتوحا يتحرر فيه الإنسان بالمسرح، ويحرر فيه المسرح، وقد تجلى هذا الطابع التغييري في العلاقات داخل بنية المسرح نفسه)
ولهذه الاحتفالية زمنها الخاص، ولها ساعتها التي ليست ساعة مائية ولا رملية ولا آلية ولا شمسية ولا رقمية ولا إلكترونية، وفي هذه الساعة الاحتفالية ( يتقدم الزمن النفسي و الروحي والذهني على الزمن الآلي، وتكون الساعة الداخلية أسرع وأبلغ وأصدق من الساعة الخارجية، وتكون اللحظة العيدية هي قلب الأبدية، ويكون الآن هو البداية المتجددة في التاريخ، وعليه، فإن تاريخ هذه الاحتفالية هو نفس تاريخ الإنسان المحتفل، وهو أيضا، مجموع آفاقها، ومجموع ممكناتها التي تتناسل وتتوالد، وتتجدد، وتتنوع، والتي يكون اللاحق فيها أبدع وأروع من السابق)
وللاحتفالية كتاب بعنوان ( زمن الاحتفالية) وفيه يقول الاحتفالي ( الزمن غير احتفالي ونحن نطالب بالاحتفالية، ولو كانت موجودة ما طالبنا بها. الإنسان يطلب شيئا غير موجود. الاحتفالية الحقيقية هي أفق مثل قمر في السماء، مثل شمس، مثل شيء بعيد عنا، نبحث عنه، وكلما اقتربنا منه يبتعد عنا، فهذا الزمن غير احتفالي، زمن الآلة، زمن القمع، زمن الظلم، زمن الفوارق الطبقية، ونحن في الاحتفالية ندعو إلى الجمال، وإلى الحق، وإلى العدالة، وإلى الأخوة والمساواة والتسامح، وكل هذه الأشياء غائبة، ولكن ينبغي أن تكون، ينبغي أن نحققها، والفن يوجد الأشياء بالقوة، وهذا ما تسعى إليه الاحتفالية. تعرف أن هذا الزمن صعب ولكنها تستمر، وتعرف أنها تسبح ضد التيار، ولكنها تسبح، تعرف أن الواقع يريد فنا تجاريا، وتصر على أن يكون الفن جميلا وأصيلا وجادا، والواقع يطلب منا أن نركب الموجة العالية .. والاحتفالية تسبح دائما ضد التيار، وبغير هذا ما كانت الاحتفالية)
في هذه الاحتفالية إصرار سيزيفي على الوصول، وعلى مقاومة الواقع، وعلى مخالفة العبث، وعلى مناهضة القبح، في الذات أولا، وفي الموضوع ثانيا، وفي عين الفنان المبدع وفي جسد الإبداع أيضا.
وبحسب د. مصطفى رمضاني فإن هذه الاحتفالية، وبالإضافة إلى أنها منظومة فكرية وجمالية وأخلاقية متحدة ومتجانسة ومتنناغمة، فهي قضية أيضا ( قضية شغلت بال المهتمين بالمجال المسرحي في المغرب والمشرق على حد سواء، وهي من أهم الإشكالات التي استأثرت بالنقد المسرحي في الوطن العربي، أما في المغرب الأقصى فمن المؤكد أنها تشكل قطب تلك الإشكاليات بدون منازع، وتأتي هذه الأهمية من خصوبة الاحتفالية نفسها، فهي تقدم نفسها كمشروع فني وفكري يمكن أن يجيب عن كثير من القضايا المرتبطة بمجال الإبداع والنقد والتنظير، وإن كانت قد راهنت على حقل المسرح من خلال مفهوم المسرح الاحتفالي قهي فضاء رحب يسع كل الفنون والإبداعات والعلوم)
وترى الاحتفالية أنها تمارس الاختلاف العاقل، وذلك في حدود المباح والمتاح، وهي تؤكد دائما على أن للاختلاف حدوده المنطقية التي ينبغي ألا يتعداها، وكل شيء، أو أي فعل، أو فكر، يتجاوز حده يصبح ضده وغيره، بل ويصبح نقيض نفسه وذاته، قبل أن يكون مناقضا للذوات الأخرى البرانية.
هذه الاحتفالية إذن مختلفة ومخالفة، وهذا حقها المشروع، وهي مختلفة في بنيتها الفكرية والجمالية، وفي منظومتها الأخلاقية أيضا، وليس بإرادتها ولا باختيارها كانت مختلفة ومخالفة، وهي في سيرها ومسارها وفي فلسفتها مخالفة أيضا، وهي تؤكد على أن الاختلاف في الوجود هو الأصل، وهو عنوان التعدد والتنوع فيه، وهذا التعدد ليس له غير معنى واحد أوحد، والذي هو معنى غنى الحياة وغنى الوجود وغنى الموجوات وغنى الذوات الفردية وغنى الجماعات والمجتمعات، وغنى الشعوب والأمم، وهذا الاختلاف هو ركيزة أساسية ومحورية في المنظومة الفكرية والأخلاقية
وتؤكد هذه الاحتفالية دائما على أن الاختلاف هو الأصل في كل ذات، وهو وحده الحقيقة المتجددة، وعلى أن أي شيء ( موجود) في الوجود، لا يخالف ذاته، ولا يختلف عن الموجود، لا يمكن أن يكون له وجود حقيقي، وفي هذا المعنى يقول د. مصطفى رمضاني ( منذ البداية أعلنت الاحتفالية ولاءها لمبدإ الاختلاف والمغايرة، واعتبرت كل اجتهاداتها مجرد مشروع قابل للتطوير)
نعم، هو مشروع قابل للتطوير، ولقد اكد التاريخ ان هذه الاحتفالية اليوم ليست هي نفس الاحتفالية التي كانت بالأمس، خصوصا في السبعينات وفي الثمانينات وفي التسعينات من القرن الماضي، وبالتاكبد فهي ليست تلك الاحتفالية التي سوف تاتي في مستقبل الأيام والأعوام، والتي سوف تاتي مع اجيال المسرحيين الجدد والمجددين.






