الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

الاحتفالية أفكار وأسماء ومواقف وأبعاد

بقلم: عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام

يقول الاحتفالي
ما اجمل ان تكون انسانا، كامل الإنسانية طبعا، وان تكون في هذه الحياة جنديا برتبة حيوان ناطق، وان بكون لك ما تقول، وما يمكن ان تنطق به، وان تكون فضوليا، وان تهتم بأخبار الناس، وان تطرح اسىئلة الناس، وان تنطق قولك امام كل الناس، وان تجد في الناس من يسمعك، وما اجمل ان تقول كلاما له معنى و مبنى، وله ظل و صدى، وله جرس وموسيقى، وان تجد من يفهمك، ومن يرد علبك، وما اجمل ان تكتب كتابات وأن تجد من يقراها، وان تفكر وانت تكتب، وانةتفمر قبل أن تكتب، ونفكر بعد أن تكتب، وان يكون لك في عالم الفكر بنات افكار، وان تجد من يكون معك ومن يخالفك، وان تجد من يقول ما اجمل بنات افكارك، او يقول لك ألا ما اقبح بنات افكارك
وما أجمل أن تكون في هذه الكتابة كاتبا عموميا متطوعا، وأن لا تكون كاتبا أجيرا ولا كاتبا موظفا في إدارة ما، وان تكون الكتابة عشقك وقدرك، وان تكون حياتك وخيار حياتك، وإذا وصلت هذه الدرجة في سلم الكتابة، فاعلم ان هذا هو الفوز العظيم
واما اجمل ايضا، ان تقتنع لحد الايمانةالصادق، بانه من واجبك ان تتكلم، حين ينبغي ان تتكلم، وان تقول كلاما مختلفا، ايمانا منك بانه لا فائدة في تكرار ما قيل من قبل، و ايمانا منك ايضا، بان كلامك المختلف، في السياق المختلف، وفي الموقف المختلف، يحتاج بالضرورة الى رد مختلف، وبان في كلامك نصف الحقيقة فقط، وان النص الآخر موجود عند المتكلم الآخر وعند الكاتب الآخر، وذلك في السياق الآخر، وفي الزمان الآخر، وفي الثقافات الأخرى وفي اللغات الأخرى
وما يميز هذه الاحتفالية هو انها بيت من لا بيت له، وان هذا البيت الاحتفالي ليس له باب واحد، والذي هو بالضرورة باب الدخول اليه، وهو باب الخروج منه في نفس الوقت، وبهذا فقد كان هذا البيت الاحتفالي مفتوحا من الجهات الأربع، وعلى مدار كل الساعات واللحظات
وهذا البيت الاحتفالي ليس معبدا، وليس ضريحا، وليس مزارا، وليس فضاء مقدسا، وليس ناديا خاصا بآله وصحبه وبالم@@خرطين فيه، وفي هذه الاحتفالية لا وجود لحقائق ثابتة وكاملة ونهائية، وما هي في حقيقتها إلا افكار بعد افكار، وما هي إلا مع افكار، ولقد جاءت كلها من افكار، وانه من النمكن ان تؤدي إلى افكار اخرى جديدة، اما بخصوص صواب هذه الافكار او عدم صوابها فاننا نتركه للأيام والأعوام التي سوف تاتي، وهي التي يمكن وحدها ان تقول كلمة الفصل، اما اليوم، فيكفي ان نقول كلمتنا وان نمضي إلى الأمام، بحثا عن الأفكار الاخرى و بحثا عن المعاني الأخرى
وهذا البيت الاحتفالي، بيتنا جميعا نحن الناس، ليس له باب واحد، وليس لها عنوان واحد، وليس له لغة واحدة، وليس له ابجدية واحدة، وليس له بنية واحدة، وليس له منهجية واحدة وليس له بنية واحدة، وليس من ساحة واحدة، وهو يمكن ان يكبر اذا سكنه الكبار، وان يصغر اذا سكنه الصغار
ولقد كان اكثر ما يسعدني دائما، انا الاحتفالي، ان وجودي في حياتي وفي حياة مسرحي، لم يمر مرور الكرام، ولا هو مر مرور اللئام، ولكنه مر مرور المشاغبين، و مر مرور المجانين جنونا عاقلا، و مر مرور الباحثين عن الحق والحقيقة
انني انا الاحتفالي اعيش حياتي وحياة افكاري بين حدين اثنين متكاملبن، حد التجربة وحد التجريب، واعتبر انه في التجربة والتجريب نسبة كبيرة من المخاطرة، وانه لا جديد ممكن بغير هذه المخاطرة، وبغير شرف المخاطرة، وهل هناك اشرف وانبل من المخاطرة في الآداب وفي الفكر وفي العلم وفي كل مجالات الفنون الجميلة؟الاحتفالي لا يفكر وحده:
وانا الاحتفالي، ليس لدي افكار فقط، وهذه الاحتفالية ليست مجرد افكار مجردة فقط، ولا شيء غير ذلك واكثر من ذلك، وانا وهذه الاحتفالية لدينا حس جمالي، ولنا ذوق ايضا، وإذا كان ممكنا لأفكارنا ان تناقش، فإن ذوقنا الجمالي لا يناقش، وما نحبه نحبه وما لا نحبه لا نحبه .. واقول لا نحبه ولا نقول تكرهه، لأنه في القاموس الاحتفالي لا وجود لكلمة الكراهية، وقد ياتي من الناس من يسالني (ليه؟) واقول له (من غير ليه)
ولدينا في هذه الاحتفالية احلام ايضا، وهذه الأحلام قد تكون اكبر منا، وقد تكون اكبر من واقعنا ومن مرحلتنا التاريخية، وقد تكون عابرة لكل الأمكنة والازمنة ولكل الحدود الحسية والرمزية، ولدينا ايضا في هذا الواقع التاريخي خيال بلا ضفاف، ولدينا اختيارات قد تكون صعبة ان تتحقق، ولكنها بالتاكيد غير مستحيلة، وهذا ما يهمنا اكثر، اي ان نعيش التجربة الوجودية بصدق، وان خوض التجريب الفكري والعلمي بفرضيات نظرية صادقة، وان ننتظر ما سوف يقول التاريخ غدا
ولأن الاحتفالي لا يفكر وحده، ولأن اصدق كل التفكير هو التفكير الجماعي، ولأن اخطر كل درجات التفكير هو عندما يفكر المجتمع كله وعندما تفكر الأمة كلها، وعندما تفكر الإنسانية كلها
وفي هذا المعنى يقول د. نذير عبد اللطيف، تعقيبا على الصورة التي اقترحها الفنان الاحتفالي عبد الرحمان الوادي، والتي تمثل شخص الاحتفالي وهو يقف عند ملتقى البحرين في مدينة طنجة، بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسطي، وخلفه لوحان أحدهما متوجه الى اليمين مكتوب عليه الاحتفالية والثانية متوجه الى اليسار مكتوب عليه الاحتفالية، وعلى هذه الصورة يقول د. نذير عبد اللطيف
(اينما تولوا وجوهكم فثمت الاحتفالية
تجربة ابداعية طويلة ومسار تنظيري حافل بالعطاء وراءه رائد مجاهد وقائد مثابر اسمه عبدالكريم برشيد عراف ابي الفنون من المحيط الى الخليج
تحياتي اليك صديقي الرائع الجميل والانسان النبيل الدكتور عبدالكريم برشيد)
اما الدكتور مصطفى رمضاني وهو الفنان الاحتفالي الذي ارخ لمسار الاحتفالية من داخلها، ومن بداياتها الأولى إلى الآن، والذي عاش يبحث، مثلنا جميعا، عن روح المسرح، وعن جوهر المسرح، وليس عن قشوره فقط، فقد قال
(فعلا صديقي العزيز، الإنسان هو جوهر المسرح، وهذا ما يبرر تقهقر كثير من التجارب العربية الحديثة مؤخرا بسبب تغييبها للإنسان وفتحها الباب مشرعا أمام التقنيات التي تخلو من الحياة، بحثا عن حداثة وهمية، علما بأن أساس الحداثة هو الإنسان)
نعم، وهل هذه الحياة إلا ساعة من عمر الأبدية؟ والساعة الاحتفالية نكون نحن فيها، وتكون هي فينا، وعندما نكون فيها. روحا وجسدا، فإننا نعيشها ونحياها، كاملة غير منقوصة، وعندما تغادرنا، في يوم من الأيام، فانها لا تبتعد عنا، وتظل قريبة منا، هكذا يقول الاحتفالي، مما يعني ان ما هو صادق وحقيقي، في الوجود والحياة لا يمكن ان يمضي.. ويمضي ليذهب إلى أين؟ وهل الجمال يمضي؟ وهل الحقيقة تمضي؟ وهل ما ينفع الناس و الإنسانية يمكن ان يمضي؟
اما الكاتب والباحث الأستاذ عبد العزيز باحفيظ، فإنه يتابع باهتمام كبير كل ما يكتب في ديوان الاحتفالية من كتابات، وتعقيبا على المقالة السابقة نجده يقول ما يلي :
(مهما كُتب عن الاحتفالية من أنصارها وخصومها، تبقى شجرة وارفة التجديد والعطاء والتعييد …لأنها منظومة ثقافية فنية، فكرية جمالية، انبت على منظور فلسفي، ورؤيا جمالية، مرتكزة على أُسِّ النحن/ الآن/ هنا، مما جعل هذه الاحتفالية تستمر في الإنتاجية المعرفية والتصور الفني والتوليد المفاهيمي، فرغم ما أثارثه من سجال في أواسط السبعينيات، فقد خدمها أكثر مما ضرّ بها، أو انتقل من اجتهاد رائدها عبد الكريم برشيد، بل إلى حدود الآن، مايزال يجمّل لوحته الاحتفالية بريشة المُنظّر المسرحي بألوان التعييد، ومنظور الحفل، ورؤى إنسانية الإنسان، ومدنية المدينة، وحيوية الحياة، وجمالية الجمال
الاحتفالية أسئلة جديدة ومتجددة:
وفي إطار هذا الاهتمام المتزايد، مغربيا وعربيا، بالاحتفالية وبالمسرح الاحتفالي، نشرت مجلة (دعامات) والتي تصدر كل ثلاثة أشهر ملحقا خاصا عن الاحتفالية، في الآداب وفي الفنون وفي الفكر وفي المواقف الاحتفالية، ولقد ورد في كلمة ذ الحسين وبا مدير تحرير المجلة ما يليز( والشكر موصول بكيفية خاصة لعميد المسرح الاحتفالي المغربي السيد عبد الكريم برشيد الذي ابى إلا أن يشاركنا بعض ابداعاته المسرحية الماتعة والمفيدة في هذا العدد النوعي بالذات رفقة ثلة من الكتاب المحترمين والنقاد المبدين الذئاب الاول عن على كتبهم في هذا المضمار، وامطروا الساحة الفكرية/ الأدبية والثقافية/ الفنية بمؤلفاتهم الغزيرة والغنية في شتى الميادين والمجالات. هذا فضلا على انهم اضفوا على هذه النسخة حضورا خاصا وجمالا غنيا قل نظيره)
اما مواد هذا العدد فهي
(الاحتفالية: المولد والنشأة والارتقاء..)؛لعبد الكريم برشيد
(الهوية الاحتفالية من الاتباع إلى الإبداع للدكتور محمد محبوب، والذي هو احد الأعمدة الأساسية في التيار الاحتفالي مغربيا وغالبا
(السينوغرافيا: الخطوط والمآل .. علامة استفهام؟ او علاقة الكاتب بالسينوغرافيا) للكاتب المسرحي الاحتفالي الأستاذ رضوان احدادو
(الاحتفالية مشروع متجدد) لمؤرخ الاحتفالية الدكتور مصطفى رمضاني
(الفرجة مقالات مسرحية ” بني قردون” بين اسىئلة الواقع ورهانات التجاوز المعطوب) للدكتور محمد محبوب
(المسرح الإيكولوجي وتوامه الرقمي ( اسىئلة الشك والتبئير)
وجهة نظر وتساؤل بين المسرح الاحتفالي والمسرح الإيكولوجي) للممثل والمخرج والمجرب الاحتفالي جناح التامي
(بيان القنيطرة للاحتفالية المتجددة ـ بيان بروح اطلسية وبافق انساني وكوني) لعبد الكريم برشيد
وفي مقالته (الهوية الاحتفالية من الاتباع إلى الإبداع) يعطي د. محمد محبوب المسرح الاحتفالي معناه الحقيقي، وبعطيه حجمه الحقيقي، اي باعتباره ( صرخة قوية ضد كل الوان الاستغلال والقهر، وضد كل أشكال العنصرية والتعصب المذهبي والأيديولوجي والديني والقومي، فهو ضد كل ما يشيء الإنسان، ويفقده حقيقته المتمثلة في الحرية والعدالة والقدرة والكرامة ( البيان الثالث)
وعليه، فإن الاحتفالية تتحدد باعتبارها مشروعا تحرريا يستهدف الارتقاء بالإنسان، ويرمي إلى تغيير الواقع المباشر والآني، وخلخلة الساكن وتكسير المألوف والثابت وتجاوز الجاهز السطحي وذلك برفض الوصاية والاحتواء المؤسساتي، والدعوة إلى مسرح شمولي وإنساني يقوم على التواصل بين الذوات والتلقاىية والفعل، وبنه على حرية الإرادة)
آخر الكلام
والإنسان الاحتفالي لا يسعى لأي شيء سوى ان يكون ذاته، وان يشبه نفسه، وان يكون على وفاق متجدد مع اختياراته، وان يتفاعل مع كل مرحلة تاريخية، وان يعطيها أسئلتها الحقيقة، وان لا يهرب من مسائلها الحارة والحارقة والحادة، ولهذا فقد قال الاحتفالي في كتاب؛( الرؤبة الاحتفالية بين العيدية والماتمية):مخطوط ما يلي :
(لكي يكون الإنسان نفسه وليس غيره، فإن عليه أن يختار وجوده، وأن يختار هويته، وأن يكون في مستوى أن يتحمل مسؤولية هذا الاختيار الوجودي الكبير و الخطير، وفي عشق هذه الحرية، وفي مديحها أيضا، يقول الا انهحتفالي، وفي نفس كتاب ( انا الذي رايت) ما يلي :
( إنني أريد أن أكون مواطنا حرا، وذلك في وطن حر، وفي زمن يكون زمنا للحرية والانطلاق وللإبداع والخلق والاحتفال والتلاقي والشعر والفكر والعلم والحكمة، وأن أجد نفسي مكرما مع المكرمين، وألا أجد نفسي ضيفا على مائدة اللئام)
هذه الاحتفالية اذن، هي أسماء نعم، وهي أسماء لقامات ومقامات فكرية ومسرحية عالية جدا، هي اسماء لها وجود في الجغرافيا وفي التاريخ، ولها افكار حية ايضا، افكار اتت بها من الواقع التاريخي الحي، واتت بها من ثقافتها المغربية والعربية والأمازيغية والأفريقية والموريسكية والمتوسطية الاحتفالية الحية، وفي هذه الثقافة يشكل التعييد الاحتفالي حجر الزاوية، وبهذا فقد امكن ان نقول، في ختام هذا النفس الفكري، ما يلي:
ان تاسيس هذه الاحتفالية لم يكن اختراعا او اكتشافا جديدا، وانما كانت تحصيل حاصل، وان يقول المبدع الاحتفالي اليوم، في المجتمع الاحتفالي وفي المناخ الاحتفالي، وفي العصر الاحتفالي (انا احتفالي) فإن الأمر لا يحتاج إلى جهد كبير وخطير, ولا يحتاج إلى
إقامة الدليل على شرعية الاحتفالية وعلى شرعية التعييد الاحتفالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى