سوقان نموذجيان… ونموذج كامل للفشل بمدينة أزمور
أموال عمومية صرفت ، أبواب أُغلقت ، والباعة الجائلون يعلنون إنتصارهم في الشارع العام

يبدو أن مدينة أزمور قررت، مرة أخرى، أن تبتكر لنفسها نموذجا خاصا في تدبير المشاريع العمومية … نموذجا لا يحتاج إلى دراسات ولا إلى خبراء ، بل يكفي أن تخرج إلى الشارع لترى النتيجة بأم عينك.

نعم ، هذه ليست نكتة من نكات المقاهي ، ولا مشهدا من فيلم هزلي، بل صورة تختزل واقعا يثير أكثر من علامة إستفهام حول مصير مشروعين كان يفترض أن يساهما في تنظيم النشاط التجاري ، والحد من إحتلال الملك العمومي ، وتوفير فضاءات لائقة للباعة والمواطنين .
فبدل أن تتحول السوقان النموذجيان إلى فضاءين نابضين بالحياة التجارية ، يلاحظ مواطنون إستمرار مظاهر البيع العشوائي في عدد من النقط ، خصوصا بمنطقتي القامرة ودرب القشلة ، حيث يبدو الشارع أحيانا وكأنه قرر أن ينافس الأسواق في أداء وظيفتها.
والأغرب من ذلك أن بعض المشاهد في درب القشلة تكاد تصلح لتصوير حلقة من برنامج ساخر ،
رفوف خارج المحلات ممتلئة ، ومساحات داخلية تنتظر من يملؤها ،
وكأن هناك رسالة غير مكتوبة تقول ،
“لماذا ندخل إلى السوق ما دام الشارع مجانيا وواسعا ؟”
وهنا تحديدا يصبح السؤال مشروعا ،
إذا كانت الغاية من إنشاء السوقين هي تنظيم التجارة ومحاصرة مظاهر العشوائية ، فلماذا ما زالت العشوائية قادرة على إحتلال الواجهة ؟.
المفارقة أن الباعة الجائلين أثبتوا على ما يبدو قدرة إستثنائية على التكيف مع الواقع .
إذا ضاقت بهم مساحة ، أنتقلوا إلى أخرى . و إذا أحتل الرصيف تمدد النشاط نحو الطريق . وإذا أصبحت الطريق ضيقة… فربما يأتي يوم يصبح فيه المواطن هو الذي يحتاج إلى طلب رخصة للمرور !.
وهكذا تحولت معادلة التنظيم إلى شيء أقرب إلى لعبة الكراسي الموسيقية ،
السوق موجود، لكن البائع في الشارع.
الرصيف موجود ، لكن المواطن لا يستطيع إستعماله. فالطريق موجود، لكنه يتحول إلى إمتداد للسوق .
والجميع موجود… إلا التنظيم !
أما المواطن، فقد أصبح الضحية الصامتة لهذه المعادلة ، فهو مطالب بالمرور فوق الرصيف حين يكون متاحا، وبالإبتعاد إلى حافة الطريق حين يحتله الباعة ، وربما في المستقبل سيطلب منه تطوير مهارات جديدة في القفز والمراوغة حتى يصل إلى وجهته سالما!
السؤال هنا ليس من أجل تسجيل نقطة ضد هذا الطرف أو ذاك ، وإنما لأن المال العام ليس مادة تجريبية .
إذا كانت هناك مشاريع أُنجزت بهدف تنظيم النشاط التجاري، فمن حق المواطن أن يعرف ،
ما هي حصيلة هذه المشاريع ؟.
وما هي أسباب تعثرها أو محدودية الإستفادة منها ؟
وهل تمت مواكبتها بعد إنجازها ؟
وهل جرى تقييم مدى إقبال التجار والباعة عليها ؟.
وهل تمت معالجة الأسباب التي تجعل بعض الباعة يفضلون الشارع على السوق ؟.
وهل هناك تصور واضح ومستدام لإنهاء إحتلال الملك العمومي دون المساس بمصادر رزق الفئات الهشة ؟
هذه ليست أسئلة ترفية ، بل أسئلة مرتبطة بتدبير الشأن العام ونجاعة المشاريع العمومية .
فالمشكلة ليست في وجود الباعة الذين يبحثون عن قوت يومهم ، ولا ينبغي إختزالها في معادلة بسيطة عنوانها ، “السلطة ضد البائع”.
المشكلة الحقيقية هي غياب التوازن بين حق البائع في العمل، وحق المواطن في المرور ، وحق المدينة في فضاء حضري منظم .
الأكثر خطورة أن إستمرار مظاهر إحتلال الملك العمومي دون معالجة واضحة قد يجعل المخالفة مع مرور الوقت تبدو وكأنها أمر طبيعي.
اليوم مخالفة ، غدا عادة ، وبعد غد قد تتحول العادة إلى ما يشبه حقا مكتسبا في نظر البعض.
وهنا تصبح مهمة إعادة النظام أكثر صعوبة ، فالقانون لا ينبغي أن يكون حاضرا في الملفات والوثائق ، ثم يغادر عندما يصل إلى الشارع ، كما أن الحملات الموسمية ، مهما كانت مهمة ، لا يمكن أن تكون بديلا عن سياسة دائمة تقوم على التنظيم والمراقبة والمواكبة وتطبيق القانون بشكل متوازن.
المفارقة الأزمورية تستحق بالفعل أن تدرس في مدارس الإدارة ، وربما تضاف إلى مناهج “العبث الحضري”:
باعة جائلون… بلا محلات.
أرصفة… بلا مواطنين.
طرقات… تضيق أمام الجميع.
ومواطن… يبحث عن ممر وسط كل هذه “النموذجية”!
وربما لو أستمر الوضع على حاله ، سنصل إلى مرحلة يصبح فيها السؤال ليس ، أين السوقين ؟ بل أين أختفى السوقين أصلا ؟.
لأن السوقين موجودان في مكان دون لعب أي دور ، لكن السوق الحقيقي يبدو أنه أنتقل إلى الشارع .
لا أحد يطالب بمنع الباعة من كسب قوتهم ، بل حل عملي ، عادل ومستدام.
حل يحفظ كرامة البائع ، ويضمن له فضاءا ملائما للعمل ، ويحمي الملك العمومي ، ويعيد الرصيف إلى وظيفته الطبيعية ، ويضمن للمواطن حقه في السير داخل مدينة تحترم قواعد التنظيم الحضري.
وهنا تتحمل كل جهة مسؤوليتها، كل في حدود إختصاصاته ، سواءا تعلق الأمر بالتدبير الجماعي أو بالسلطات المحلية
فالمدينة لا تحتاج إلى حلول موسمية تختفي بإنتهاء الحملة ، بل إلى سياسة واضحة ومستمرة .
أما ترك الأمور للزمن، فالزمن لا ينظم الأسواق ، ولا يعيد الأرصفة إلى المواطنين ، ولا يحرر الملك العمومي.
بل قد يفعل شيئا أخطر يجعل الفوضى تبدو وكأنها جزءا طبيعيا من المشهد.
وفي النهاية ، يبقى السؤال الذي يستحق جوابا واضحا من الجهات المعنية .
إذا كان الهدف من السوقين النموذجيين هو تنظيم التجارة والقضاء على العشوائية ، فكيف أنتهينا إلى معادلة تقول ، سوقان يبحثان عن التجار… وتجار يبحثون عن الشارع ؟.
ربما تكون مدينة أزمور قد أكتشفت فعلا نوعا جديدا من “النموذجية”:
مشروع نموذجي في الفكرة ،ونموذجي في الكلفة ،ونموذجي في الحيرة .
أما النتيجة… فما زالت في قاعة الإنتظار !.





