
أحيانا ، وأنت تتصفح موقع التواصل الإجتماعي “فيسبوك” تشعر للحظة أنك دخلت إلى مؤتمر عالمي لمكافحة الفساد ، وليس إلى فضاء إفتراضي تتقاطع فيه الآراء والمواقف !.
الكل تقريبا يحمل راية النزاهة والنضال، والكل ينادي بمحاربة الفساد ، والكل يتحدث عن الشفافية وكأن معركة الإصلاح لا تحتاج سوى إلى هاتف ذكي ، وحساب على فيسبوك ، وشيء من الحماس في كتابة المنشورات .
لكن المفارقة تبدأ عندما يتحول السؤال “أين يوجد الفساد ؟” إلى سؤال أكثر إحراجا “هل نحن فعلا خارج هذه المنظومة التي ننتقدها ؟.”
فمن السهل جدا أن تكتب منشورا عن محاربة الفساد، وأن تضع إلى جانبه عشرات علامات التعجب ، ثم تقدم نفسك للرأي العام بإعتبارك حارسا للمعبد و للنزاهة وسيفا مسلولا في وجه كل إختلال.
لكن الأصعب هو أن تطرح السؤال على نفسك أولا هل ممارساتنا اليومية ، وعلاقاتنا ، ومصالحنا ، وطريقة تعاملنا مع الشأن العام تنسجم فعلا مع الشعارات التي نرفعها ؟.
ففي زمن “فيسبوك ” أصبح بإمكان الشخص أن يلعب دور المفتش العام لمحاربة الفساد صباحا ، ثم يتحول مساءا إلى مجرد مواطن غاضب من الفساد الذي لا يعجبه فقط !
والأطرف أن بعض الخطابات تجعل الفساد يبدو وكأنه وحش أسطوري يعيش داخل المؤسسات ، ويتغذى على المال العام ، بينما صاحبه بريء تماما منه ، لا علاقة له به من قريب أو بعيد.
والحقيقة أن محاربة الفساد ليست مسابقة في كثرة المنشورات، ولا بطولة في رفع الصوت ، ولا منافسة في جمع الإعجابات.
النزاهة تبدأ من الذات قبل أن تتحول إلى شعار ، ومن السلوك قبل أن تصبح “ستوري ” ومن إحترام القانون قبل أن نطالب الآخرين بإحترامه .
أما أن ننتقد الفساد عندما يكون بعيدا عنا ، ونصمت عندما يقترب من مصالحنا ، فهنا تصبح الحكاية شبيهة بمن يقف أمام المرآة ، ثم يصرخ غاضبا
“من هذا الشخص الفاسد الذي يقف أمامي؟!”
لذلك ، ربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط أين يوجد الفساد ؟
بل أيضا هل نريد فعلا محاربة الفساد… أم نريد فقط أن نكون نحن من يتحدث عنه ؟
في أزمور ، كما في غيرها من المدن، يبقى النقاش العمومي أكثر جدوى عندما ينتقل من تصفية الحسابات وتبادل الإتهامات إلى تقديم الوقائع، ومساءلة المسؤولين ، وإحترام المؤسسات، وربط الكلام بالدليل.
فالفساد لا يحارب بمنشور غاضب فقط، ولا بالنفاق الإجتماعي ، ولا بتوزيع صكوك الطهارة على هذا وإدانة ذاك.
وأحيانا… أخطر ما في الفساد ليس أن يكون موجودا ، بل أن يتحول إلى مادة للحديث عنه من طرف الجميع، بينما ينسى كل واحد أن يبدأ بنفسه !.





