مجرد رأي

غمزة : العمل الجمعوي بين الاستقالات المتكررة واستبداد بعض الرؤساء :عندما تتحول الجمعية من مؤسسة جماعية إلى مشروع فردي

يُعد العمل الجمعوي أحد أهم ركائز الديمقراطية التشاركية، باعتباره فضاءً للتطوع، وخدمة الصالح العام، وتأطير المواطنين، والمساهمة في التنمية المحلية. غير أن هذا الدور النبيل يفقد معناه عندما تتحول بعض الجمعيات إلى فضاءات للصراع، والانفراد بالقرار، وإقصاء الكفاءات، فيغيب العمل المؤسساتي لتحل محله عقلية “الرئيس الأوحد”، فتكثر الاستقالات، وتتراجع الثقة، وتتآكل روح التطوع.

لقد أصبح من الملاحظ في عدد من الجمعيات، خاصة الرياضية والثقافية والاجتماعية، أن الاستقالات داخل المكاتب المسيرة لم تعد حالات استثنائية، بل أصبحت ظاهرة تستحق الوقوف عند أسبابها الحقيقية. فكم من جمعية بدأت بطموحات كبيرة، ثم سرعان ما تفكك مكتبها المسير، وانسحب الكاتب العام أو أمين المال أو عدد من الأعضاء، ليس بسبب خلافات شخصية كما يُشاع غالباً، وإنما نتيجة غياب الديمقراطية الداخلية، واحتكار القرار من طرف الرئيس.

الرئيس في فلسفة العمل الجمعوي ليس مالكاً للجمعية، بل هو مجرد مسؤول منتخب لفترة محددة، يمارس مهامه بتفويض من الجمع العام، ويخضع للمراقبة والمحاسبة. غير أن بعض الرؤساء يتصرفون وكأن الجمعية ملكية خاصة، يحتكرون التوقيع، ويتحكمون في المال، ويتخذون القرارات منفردين، دون استشارة المكتب أو عقد اجتماعات قانونية، فيتحول باقي الأعضاء إلى مجرد أسماء في الوثائق الرسمية، لا رأي لهم ولا دور.

هذا النمط من التسيير يقتل روح المبادرة، ويدفع الكفاءات إلى الانسحاب. فالكاتب العام الذي لا يُستشار في المراسلات، وأمين المال الذي لا يطلع على الوضعية المالية، ونائب الرئيس الذي لا تُسند إليه أي مسؤولية، يجدون أنفسهم أمام واقع يجعل وجودهم شكلياً، فيختارون الاستقالة حفاظاً على كرامتهم ومصداقيتهم.

والأخطر من ذلك أن بعض الرؤساء يعتبرون الاستقالات فرصة لإحكام قبضتهم أكثر، بدل أن تكون مناسبة للمراجعة والنقد الذاتي. فيواصلون تسيير الجمعية وكأن شيئاً لم يحدث، دون تعويض المستقيلين وفق القانون الأساسي، ودون الدعوة إلى جمع عام لتصحيح الوضعية، بل أحياناً يخفون أخبار الاستقالات عن المنخرطين والشركاء والجهات الداعمة، في مخالفة صريحة لمبادئ الشفافية والحكامة.

إن الجمعية التي تُدار برأي شخص واحد لا يمكن أن تحقق التنمية، لأن العمل الجمعوي بطبيعته عمل جماعي يقوم على تقاسم المسؤوليات، وتبادل الخبرات، واحترام الاختصاصات. فالرئيس الناجح لا يقاس بعدد الملفات التي يحتفظ بها في مكتبه، وإنما بقدرته على صناعة فريق متماسك، وتفويض المهام، وبناء قيادات جديدة قادرة على الاستمرار.

ومن مظاهر الاستبداد أيضاً احتكار التواصل مع الشركاء، والانفراد بالعلاقات مع المؤسسات، ورفض إشراك أعضاء المكتب في اتخاذ القرارات الكبرى، بل إن بعض الرؤساء ينسبون لأنفسهم كل نجاح تحققه الجمعية، بينما يحمّلون الآخرين مسؤولية أي إخفاق. إنها عقلية تُفرغ العمل التطوعي من قيمه، وتحوله إلى وسيلة للوجاهة الاجتماعية أو لتحقيق مصالح شخصية.

ولا يمكن الحديث عن هذه الظاهرة دون مساءلة الجهات التي تتعامل مع الجمعيات. فمن واجب المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والجهات المانحة أن تتحقق من الوضعية القانونية للمكاتب المسيرة، وأن تتأكد من احترام الجمعيات لقوانينها الأساسية، وعقد اجتماعاتها الدورية، وتجديد هياكلها في الآجال القانونية، لأن دعم جمعيات تعيش على وقع الاستقالات والانقسامات والانفراد بالقرار قد يشجع ممارسات تتنافى مع مبادئ الحكامة الجيدة.

كما أن أعضاء الجموع العامة يتحملون بدورهم مسؤولية كبيرة. فالصمت على التجاوزات، وعدم المطالبة بعقد الاجتماعات، والتساهل مع احتكار القرار، كلها عوامل تساهم في تكريس الاستبداد داخل الجمعيات. والديمقراطية لا تُبنى بالشعارات، بل بالممارسة اليومية، واحترام القانون الأساسي، وتفعيل آليات المحاسبة.

إن مستقبل العمل الجمعوي رهين بترسيخ ثقافة القيادة التشاركية، حيث يكون الرئيس منسقاً ومحفزاً، لا متسلطاً ومحتكراً. فالجمعية القوية هي التي تستثمر في الإنسان، وتشجع الحوار، وتوزع المسؤوليات، وتعتبر الاختلاف مصدر غنى لا سبباً للإقصاء.

وفي النهاية، تبقى الاستقالات المتكررة داخل الجمعيات مؤشراً يستدعي التوقف والتحليل، لأنها غالباً ما تعكس خللاً في أسلوب التدبير أكثر مما تعكس ضعفاً في الأعضاء. فحين يغادر الكفاءات وتبقى السلطة مركزة في يد شخص واحد، فإن الخاسر الأكبر ليس المكتب المسير فحسب، بل المشروع الجمعوي كله، والمستفيدون الذين أُنشئت الجمعية من أجل خدمتهم.

إن العمل الجمعوي لا يقوم على منطق “أنا”، بل على ثقافة “نحن”. والرئيس الحقيقي ليس من يحتكر السلطة، بل من يترك وراءه مؤسسة قوية، قادرة على الاستمرار بعد رحيله. أما الرئيس الذي يخشى الكفاءات ويستبد بالقرار، فإنه قد يربح السيطرة مؤقتاً، لكنه يخسر الثقة، ويقود جمعيته تدريجياً إلى العزلة والضعف وربما إلى الاندثار.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى