الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

قراءة في رواية الوحوش

مراجعة سهيل الشريف لرواية “الوحوش “

رواية «الوحوش» للكاتب الأردني أيمن العتوم هي شهادة سردية قاسية على انكسار الإنسان حين تُسلب منه إنسانيته تحت وطأة الحرب، إذ يأخذنا العتوم إلى فضاء الألم في حرب البوسنة، لا بوصفها حدثًا تاريخيًا، بل باعتبارها امتحانًا أخلاقيًا للضمير البشري. في هذه الرواية، تتهاوى البيوت كما تتهاوى القيم، وتتحول الحياة اليومية البسيطة إلى ساحة رعبٍ مفتوح، حيث يُجبر الإنسان على مواجهة وحوشٍ لا تسكن الغابات، بل تولد من الخوف والكراهية والصمت.
يرصد العتوم مصائر بشرٍ عاديين سحقهم العنف، فغدت الذاكرة لديهم مثقلة بالخراب، والطفولة جثةً مؤجلة، والأمومة صلاةً يائسة في قلب الجحيم. لا يكتفي النص بوصف الفظائع، بل ينفذ إلى ما هو أعمق: إلى اللحظة التي يفقد فيها الإنسان صورته الأولى، ويغدو قادرًا على القتل أو التواطؤ أو النجاة مقابل إنسانيته.
ولا يقدّم العتوم «الوحوش» بوصفهم أفرادًا محددين بأسماء ووجوه فقط، بل بوصفهم حالةً تتفشى حين يغيب القانون، ويُخنق الضمير، ويصبح القتل فعلًا يوميًا يمكن التعايش معه. الوحش الحقيقي في الرواية ليس ذاك الذي يحمل السلاح فحسب، بل ذلك الذي يبرّر، أو يصمت، أو يعتاد المشهد حتى يفقد قدرته على الرفض. من هنا تتحول الرواية إلى إدانة مزدوجة: إدانة للعنف المباشر، وإدانة للعالم الذي يراقب من بعيد، ويترك الضحايا وحيدين في مواجهة مصائرهم.
بأسلوب لغوي مشحون بالشعر والألم، تتحول الرواية إلى صرخة ضد الاعتياد على الدم، وضد عالمٍ يسمح للوحشية أن تُمارَس باسم الهوية أو القوة أو النجاة. «الوحوش» ليست حكاية عن قتلة وضحايا فحسب، بل عن هشاشة الإنسان حين يُدفع إلى أقصى حدوده، وعن السؤال المرعب الذي تتركه مفتوحًا: متى يصبح الإنسان وحشًا، ومتى يكون الصمت أكثر وحشيةً من الفعل ذاته؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى