الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

محوَريَّة المدْخَل التَّربوي في النُّهوض الحضَاري الدّكتور مَاجد عُرسان الكِيلاني نموذَجا 1932-2015م

ورقَة علمية مقدمة في النّدوة العلمية الوَطنية المُنظمة من طَرف مركز معَارف للدّارسَات والأبحَاث في موضوع: الإصلاح البّيداغوجي مدخَلا للإقلاع الحضَاري.

 لـ عبد العزيز الإدريسي
قسمْت هذه الوَرقة إلى خمسَة عنَاصر
العُنصر الأول: تمهيد ويتكون من أرَبع نقط
العُنصر الثاني: في تكامَل مداخل النهوض الحضَاري ومحورية المدخل التربوي
العُنصر الثالث: المدخل التّربوي عند د. ماجد عرسَان الكيلاني من خلال منجزه ومكتوباته:
العُنصر الرابع: في خصَائص المدخل التربوي عند د. ماجد عرسان الكيلاني
العُنصر الخامس: خاتمة، توصَيات:
بداية أنوه بالفرش النظري والتأطير المنهجي والأسئلة الإشكالية التي قدمها مدير الندوة فضيلة الدكتور المصطفى فاتحي، وهو العاشق والمتيم بماجد عرسان، بل هو فارس من فرسان الميدان.
العنصر الأول: تمهيد وفي أربع نقط:
أولا: أتقدم بجزيل الشكر وخالص العرفان إلى الإخوة الأفاضل في مركز معارف للدراسات والأبحاث، على هذه الحيوية الفكرية وهذه الفرص المعرفية والفضاءات الحوارية التي تفتح آفاقا لتعميق النظر في قضايا العلم والمعرفة والمنهج، واشكالات الأمة، وفي الوقت نفسه تسهم في تحقيق اللقاء المباشر بين المهتمين والباحثين وطلبة العلم.
ثانيا: أنوه بطبيعة الموضوع فهو متعلق بالتربية ودورِها في الإقلاع الحضاري، وقد نصّ أهل النظر، أن شرف العلم وفضلَه مرتبطان بالنظر إلى شرف موضوع العلم وفضله، وموضوع التربية هو الإنسان تزكية  وتطهيرا ،صناعة وتأهيلا، لأداء وظيفته الاستخلافية ومهمته العمرانية، توحيدا للخالق ورحمة بالخلق، يقول تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾  (72)سورة  الأحزاب، ويقول  تعالى في  سورة  الأنبياء ،﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107﴾
ثالثا: في حسن اختيار الشخصية والنموذج، فالدكتور ماجد عرسان الكيلاني ارتبط ذكره في مجال النظرية التربوية الإسلامية المعاصرة بعمق المنهج ورسوخ المشروع وشمولية الفكرة وأصالة الرؤية، وإنسانية الأفق، ومنجزه التربوي يعد بحق كنزا معرفيا وخزانة رائدة في مجالاها وتخصصها، علما بأنه يكتب باللغتين العربية والإنجليزية.
رابعا:  إن  نهوضَ  الأمم  والحضارات،  أو سقوطَهَا،  تقدّمها  أو  تراجعَها، صعودَها أو  هبوطها،  انتصارها  أو  هزيمتها، كل  ذلك  منوط  بالتربية، فإن  أي  أمة  أو  حضارة  إذا نجحت  في  صاغة  نظريتها التربوية، بمناهجها  وبرامجها، بمنطلقاتها وغاياتها، نجحت على جميع  المستويات  والأصعدة  في  تحقيق  الشهود  الحضاري  والرقي  العمراني، و التجربة  التاريخية والمعاصرة الأمة  المسلمة  نموذج حي  على  هذه  الحقيقة،  فعندما  كانت تمتلك  نظريتها  التربوية  الذاتية  النابعة  من مرجعيتها، والمستوعبة  لسياقها،  خرّجت  لنا  الإنسان  المؤمن  الرسالي  الفاعل  العدل  الذي  يقول  فيه  سبحانه وتعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ سورة  النحل ، الآية76)).
ومن ثم، فلا أمل في نهضة الأمة المسلمة، وإخراجها من جديد لتقوم ببعث وظائف النبوة وإحياء مقاصد الرسالة بتجديد ما بلي من طاقاتها بدون النظر في فلسفتها التربوية ورؤيتها، انطلاقا من هدايات القرآن العظيم، واقتداء بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام واستثمارا للخبرة والحكمة الإنسانية:
انطلاقا من هدايات القرآن العظيم ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ سورة الإسراء الآية :9.
 واقتداء بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ سورة الجمعة، الآيات 2و3و4.
واستثمارا للخبرة والحكمة الإنسانية، ففي الأثر نجد: أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
وهذا لا يعني إغفال المداخل الأخرى في النهوض الحضاري، وإنما نتحدث عن محورية المدخل  التربوي   ومركزيته،  كما سنبين ذلك ونوضح  بإذن الله  تعالى،  علما  بأن الدكتور  ماجد  عرسان  الكيلاني،  من العلماء  المعاصرين  القلائل الذين  اشتغلوا  على  هذا المدخل  لأكثر  من نصف  قرن.1937-2015م، وقد أبدع فيه نظرية تربوية مكتملة الأركان،  تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الجهد التنظيري والبعد التنزيلي، بمنهج  تأصيلي ورؤية  استشرافية، يقول  ماجد  عرسان  في   مقدمة كتابه  النفيس “هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس”: “للتربويين والمشرفين على  مؤسسات  التربية وإدارتها ليتبينوا سنة الله في  (التغيير) التي  تتلو على أسماعهم  صباح مساء: إن الله  لا يغير  ما بقوم من أحوال أسيفة حتى  يغيروا  ما  بأنفسهم من معتقدات وأفكار ومفاهيم واتجاهات وطرائق تفكير وقيم ومعايير، ويجسدون هذا  التغيير في مراجعة  مناهج  التربية  والتعليم وطرائقها وصفات العاملين فيها والقائمين عليها واستبدال ذلك كله بنماذج مختلفة قادرة على  رد إنسانية الإنسان المسلم  التي  شوهتها  مؤسسات تربوية أرسى أصولها ووضع  مناهجها  وتطبيقاتها بعوث وخبراء الاستعمار  الثقافي ثم  تابع  التخريب  ضحايا الاغتراب التربوي فكانت ثمرة تخريبهم إخراج أجيال لم  تكن  تتقن إلا  الهزيمة، واستمراء الذل  التبعية، والتثاقل  إلى  الأرض، وترك  الجهاد، وعبادة  المال وأربابه، والركون إلى ثقافة الاستهلاك لمنتوجات يستوردونها ويتلفون الموارد المحلية من أجل  تسويقها “[1].
في كتاب هذا يوجه رسالة  سُننية إلى كل  فئات  المجتمع: فيبدأ  بالفقهاء والعلماء،  ثم  الملوك  والرؤساء والوزراء،  وإلى  قادة  الجماعات  الإسلامية و الأحزاب  الوطنية، ثم إلى التربويين  والمشرفين  على  مؤسسات  التربية وإدارتها، وإلى  العسكريين، ولا  ينسى  توجيه  الرسالية  السننية  إلى  المؤرخين  والقائمين  على دوائر  الثقافة والإعلام  والفنون،  وكذلك  الإقتصاديين ورجال الأعمال،  ثم  يختم  بالرجال والنساء  عامة  ،  حيث  يؤكد  رحمه الله  أن: ” هذا الكتاب دعوة إلى إعادة قراءة تاريخنا واستلهام نماذجه الناجحة، ودعوة إلى فقه سنن التغيير وكيف أن ظاهرة صلاح الدين ليست ظاهرة بطولة فردية خارقة ولكنها خاتمة ونهاية ونتيجه مقدَّرة لعوامل التجديد ولجهود الأمة المجتهدة، وهي ثمرة مائة عام من محاولات التجديد والإصلاح. وبذلك فهي نموذج قابل للتكرار في كل العصور”[2].
العنصر الثاني: في تكامل مداخل النهوض الحضاري المعاصر ومحورية المدخل التربوي ومركزيته:
المقصود عندي بمداخل النهوض الحضاري: المدخل الفكري/ السياسي/ العسكري/ الثقافي/ النقابي/الاقتصادي…ومنها المدخل التربوي… وهذه المداخل تتكامل ولا تتعارض، ووجب التنبيه إلى أن الخلفية الفكرية والتجربة الحضارية لحاملي المشاريع الإصلاحية والتغييرية هي تجعلهم يوازنون بين المداخل ويقدمون مدخلا على مدخل. 
لقد كان لسُقوط الدولة العثمانية وتفككها سنة 1924م[3]، بما كانت تكثفه من رمزية لوحدة المسلمين وقوتهم وتفوقهم، الأثر البليغ في اجْتراح أسئلة النهوض الحضاري والإصلاح الاجتماعي، والبحث عن أسباب السقوط والضعف وعوامل الوهن؟ وطُرح السؤال الإشكالي الكبير: أين الخلل؟  وما العمل؟  ولماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ و من ثم كان البحث في تحديد أولويات الإصلاح ومداخل النهوض ومنهجيات التجديد، وآليات الاستئناف الفكري والتربوي و السياسي والاجتماعي، لدى العديد من المفكرين والمصلحين ، ومقاومة  كل  أشكال  الخمول والضعف والتهقهر، من أمثال: الشيخ سعيد بيران ت 1927م و العلامة عبد الحميد ابن باديس ت 1940م، والإمام الشهيد حسن البنا ت 1949، والشيخ محمد زاهد الكوثري1952م والشيخ مصطفى صبري ت1954م، الشيخ محمد بن الحسن الحجوي  الثعالبي ت 1956م الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي ت1960م ، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور ت 1973م، والعلامة علاّل الفاسي ت 1974 م، و المفكر مالك بن نبي ت1975م، و الدكتور  إسماعيل  راجي  الفاروقي  1986،   والشيخ العلامة  عبد  الله كنون الحسني  ت 1989م،والرئيس  المجاهد  المجتهد  على  عزت  بيجوفيتش 2003م،والدكتور  فريد  الزمان الأنصاري  2009،  والإمام عبد السلام ياسين   2012م، والدكتور  ماجد  عرسان  الكيلاني  2015،  و الدكتور طه  جابر  العلواني 2016والأستاذ  وحيد  الدين  خان ، والأستاذ  محمد  فتح  الله  كولن، والشيخ مولانا وحيد الدين خان، والدكتور الفيلسوف طه عبد الرحمن، وغيرهم من عُلماء المشرق والمغرب، الذين اختلفت مُقارباتهم وتنوعت وسائلهم، لكن توحدت مقاصدهم ومراميهم، وهي البحث  عن  المنهج  الأقوم  والمدخل  الأسلم  من أجل  إخراج  الأمة  المسلمة  من جديد،  لتقوم  بوظيفة  الشهود  الحضاري من خلال إحياء دور المؤسسات العمرانية  في  الأمة : الأسرة،  المسجد، المدرسة، الجامعة ، مراكز  البحث،  المجتمع  الأهلي أو  المدني.. والتي ستسهم  في إعداد وتخريج  الفرد الرسالي المصلح الذي يقوم بأدواره الإستخلافية،  يقول الدكتور ماجد عرسان:” والمحصلة  النهائية  لجهل  المؤسسات  التربوية الإسلامية بإخراج  الأمة   المسلمة  هي : أن  هذه  المؤسسات مازالت  تعمل  على إعداد  أفراد صالحين(غير مصلحين) لتقذف  بهم  إلى  بيئات  غير  صالحة،  حيث  تدخل فضائلُهم الفردية في  صراعات وعلاقات اجتماعية غيب  فاضلة، إلى  أن  ينتهيَ  الأمر  إلى  الازدواجية  في  السلوك ،  و إلى  التَّلاوُم  والتآكل، ثم  الوقوع  ضحية  الانفعالات  والانفجارات التلقائية، والجهاد المرتجل ، أو المصطنع، الذي كثيرا ما ينتهي بهم إلى الانتحار الاجتماعي، أو السَّحق تحت ضغط الاحباطات، والنكسات، دون أن ينتبه أحد إلى أن  المطلوب هو “فقه” جديد أو  علم  جديد يتكامل  فيه إخراج  الأمة  المسلمة  وعوامل  صحتها  ومرضها  وموتها  وبعثها، إلى آخِر  ما يتعلق بها”[4] .
       ولم تكد صدمة سقوط الدولة العثمانية تنقشع من عالم المسلمين وقتئذ، وما استتبعها من انهيارات فكرية وثقافية واجتماعية وسياسية وعسكرية، حتى كانت نكبة ضياع فلسطين، بعد سنوات من التآمر الخارجي والخذلان الداخلي، ففي 14 ماي 1948 قرر الاستعمار البريطاني إنهاء فترة انتدابه على فلسطين، بعد أن أصدر وعد بلفور المشؤوم سنة 1917م، وفي اليوم نفسه -الذي انسحَبت فيه قوات الانتداب البريطاني رسميا من فلسطين- أعلن رئيس الوكالة الصهيونية “ديفد بن غوريون” إقامة دولة -إسرائيل-، وخلال دقائق قليلة اعترفت أكبر قوتين من قوى العالم حينئذ -وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي– بالكيان الصهيوني، وأصبح الفلسطينيون بلا دولة.
وقد كان لنكبة فلسطين الأثر الكبير على شخصية الدكتور ماجد عرسان الكيلاني في اهتمامه بمركزية المدخل التربوي في الإصلاح والنهوض الحضاري، حيث استشعر الخطر الصهيوني على الأمة الإسلامية، خصوصا عند استشهاد عمه في معركة “بابَ الواد” في القدس، الذي كان له دور بارز في ضرب القوة الصّهيونية عسْكريا، فألف كتابا تحت عنوانا:” الخطر الصهيوني على العالم الإسلامي”.[5]
ولأجل إخراج هذه الأمة   وبعثها من جديد، عُقدت مُؤتمرات ونُظمت منتديات وانتظمت ورشات، وألفت مؤلفات، ونوقشت أطروحات، لمدارسة الدواعي النظرية للنهوض ومداخله المنهجية والنظرية، وذلك بقصد تجاوز الأزمة واستئناف السير من جديد، ولذلك نطرح الأسئلة الآتية: هل المداخل على وِزان واحد ومرتبة واحدة؟  أم أنها متفاوتة في الترتيب والأولوية بمعنى أن هناك مداخل رئيسية وأخرى ثانوي؟  وإلى أي حد كان التكامل مع هذه المداخل؟، أم أنها تداخلت؟ أم أن بعضها تضخم على حساب الآخر؟  وهل يمكن أن نتحدث عن سلم المداخل؟ بمعنى أن ما قد يكون محوريا في مرحلة أو زمان ما، قد يصبح ثانويا في مرحلة أخرى؟
        ومن ثمة، فإن قضية التخلف والضعف التي يعيشها المسلمون اليوم شغلت معظم المفكرين سواء تعلق الأمر بأصحاب المرجعية الإسلامية، أو أصحاب المرجعية العلمانية، فاختلفت قراءاتهم حول أسبابها ومسبباتها؟ كما اختلفت مقترحاتهم لاستيعابها وتجاوزها؟ وبالتالي تباينت أولوياتهم في مداخل الإصلاح وترتيبها، وبعد استقراء لأغلب الأطروحات الإصلاحية والمشاريع النَّهْضوية، سَواء داخل المغرب أو خارجه، نجد من بين من طرح هذه الإشكالات المنهجية والمدخلية د. فريد الأنصاري حيث يقول:” لعل إشكال (من أين نبدأ؟) هو السؤال الأول والأساس في المجال الدعوي الإصلاحي. إنه الاشكال الذي تباينت في الجواب عنه الاختيارات الدعوية والاجتهادات الإصلاحية، طيلة القرن الماضي إلى حدود هذه المرحلة من القرن الحاضر 14/15هـ. من أين نبدأ؟  من القمة أم من القاعدة؟ من الشعب أم من الدولة؟ أو بعبارة أخرى: ما العمل المفتاحي للإصلاح؟ العمل السياسي أم العمل الشعبي أم هما معا؟ وإذا كان لا بد من الجمع بينهما فلأي منهما تكون الأولوية، عند المزاحمة والموازنة؟”[6] .
 إن المشْكلات والأزمات التي تُعاني منها الأمّة اليوم، لا تكمُن في ضعف الأفكار الإصلاحية، أو الرؤى النهضوية، وإنما تكمن بالأساسِ في ضعف فاعِلية المسلم المعاصر، وعجزه عن الإنجَاز، والقدْرة على استِثْمار الإمكانات المتوافرة لديه.
        والمدخل القمين بتجديد فاعلية المسلم المعاصر هو المدخل التربوي، أقصد المدخل التربوي التعليمي (البيداغوجي) ببعديه العمراني والحضاري:
 لأن التربية تقوم بدور أساسي في إعداد الإنسان للحياة، حيث تهيئ له المؤسسات التربوية مواقف التعلم المختلفة التي تمكنه من النمو والتوازن والارتقاء ضمن مرجعية المجتمع الذي ينتمي إليه، فتسهم في تشكل شخصيته وتجعله قادراً على القيام بالأدوار المنوطة به “ولذلك تعتبر التربية هي الوسيلة الأساسية للتقدم والإصلاح الاجتماعي، وكل إصلاح يعتمد على سن قانون أو خوف أو عقاب أو تغيير في الأنظمة الآلية أو الظاهرة، إن هو إلا إصلاح مؤقت عديم الفائدة”. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل قامت التربية في عصرنا بدورها في إعداد الإنسان الصالح المصلح؟
  ومن خلال التتبع والرصد يتضح لنا أن الأمة اليوم تعيش أزمة خطيرة   تشل فاعليتها في البناء والعطاء والانجاز والابداع، فهي تعيش عالة على غيرها تستهلك ما ينتجه الآخر من أفكار وأشخاص وأشياء.
 ولا سبيل إلى التغلب على عوامل الإحباط والتردي   والتخلف إلا بعمل تربوي دقيق وعميق، من خلال الإمساك بأدوات الفعل الحضاري والمتمثل أساسا في المخل التربوي الذي يتغيى بناء الإنسان والاستثمار في الإنسان، تربية وتكوينا وتأهيلا.
المدخل التربوي عند د. ماجد عرسان الكيلاني من خلال منجزه ومكتوباته:
بالرجوع إلى مكتوبات الأستاذ ماجد عرسان الكيلاني رحمه الله تعالى، وقد اطلعت على 15 مؤلفا منها، وهي سلسلة شاملة متكاملة تبين مركزية ومحورية المدخل التربوي في النهوض  الحضاري،  وكيف أنّ تلك النظرية  الثاوية  في مكتوباته مقنعة ومعقولة المعنى والمبنى، تستحقّ أن يتمّ اختبارها وتطبيقها واستثمارها، وتلك الكتب هي: والفكر التّربوي عند ابن تيمية، هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس، وإخراج   الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها، فلسفة التّربية الإسلامية، وأهداف التّربية الإسلامية، التربية والتجديد وتنمية الفاعلية عند العربي المعاصر، اختيار هذه الكتب لا يقلّل من قيمة بقيّة الكتب الّتي كتبها الدكتور رحمه الله.
 نخلص إلى اشتغل الدكتور ماجد عرسان الكيلاني على تأسيس منظومة تربوية قادرة على إخراج الأمة الشاهدة القائدة، والتي تتكون من عناصر أربعة:
الأول: العنصر البشري، والثاني: العنصر الفكري، والثالث: العنصر الاجتماعي، والرابع: العنصر الزمني. فالأمة مجموعة من الناس تحمل رسالة حضارية نافعة للإنسانية، وتعيش طبقا لمبادئ هذه الرسالة. وتظل تحمل صفة الأمة ما دامت تحمل هذه الصفات. أما حين تفقدها؛ فقد يطلق عليها إسم الأمة ولكنها لن تكون النموذج الإسلامي للأمة تماما،
 وقد سجل الدكتور عرسان الكيلاني مجموعة من الملاحظات:
والملاحظة الأولى: إن العنصر الرئيس في مفهوم الأمة هو عنصر الرسالة، أي العطاء الذي تقدمه جماعة من الناس إلى بقية مجموعات الإنسانية؛ ليساعد على بقاء النوع البشري ورقيه.
والملاحظة الثانية: لا يشترط في العنصر البشري – أو المكون الأول للأمة – الروابط الدموية أو الجغرافية، ولا الكم العددي، فقد يكون هذا العنصر فردا واحدا، وقد يكون فئة أو جماعة، أو جيلا أو أجيالا، أو الإنسانية كلها، ما دامت تحمل رسالة، ويوحدها فهم شامل لهذه الرسالات، وتطبيقات فاعلة تنتج عنها نظم حضارية في ميادين الحياة المختلفة، تسهم في بقاء النوع البشري ورقيه.
والملاحظة الثالثة: إن الأمة تتدرج في نشأتها ونموها، كتدرج نمو الجسد الإنساني، فكما يبدأ الجسد نطفة ثم علقة، ثم يولد طفلا، ثم يصبح صبيا، ثم يقوى شابا، ثم يبلغ رجلا، ثم يعود شيخا، وكما أن الإنسان الكامل هو الذي يبلغ النضج الجسدي والنفسي والعقلي، ويقوم بوظائفه كاملة، فكذلك الأمة تبدأ فردا واحدا، ثم تصير مجموعة صغيرة، ثم قوما شعبا، حتى تنتهي بالدائرة الإنسانية كلها. والامة الراشدة هي التي تبلغ درجة الرشد الحضاري والنوعي، وأبرز شارات هذا النضج هو حمل رسالة الدعوة للخير بمعناه الواسع وإشاعته، والنهي عن المنكر بمعناه الواسع ومحاربته.
والملاحظة الرابعة: إن الأمة الراشدة لا ينال من وحدتها تنوع الشعوب والقبائل فيها، ولا اختلاف الألوان والمهن والأماكن، ما دامت هذه التنوعات لا تخرج عن وظيفتها في تسهيل التعارف، وما دامت ولاءاتها تدور في فلك الرسالة وحدها، ولا تدور في فلك الأشخاص والأشياء، وما دام يعمل هذا التنوع كما يعمل التنظيم الإداري القائم على الوحدة في الغاية والتنوع في الاختصاصات والوسائل.
والملاحظة الخامسة: إن الأمة كيان صناعي يمكن بناؤه وهدمه، فهي تخرج إخراجا للقيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا الإخراج يقتضي منها بذل الجهد والمقدرات لتطوير المؤسسات التربوية والإدارية؛ للقيام بالدراسة والتخطيط المستمرين لإحكام تطوير الأمة وإخراجها بما تتطلبه وظيفتها حسب حاجات الزمان والمكان، وإلى إخراج هذه المؤسسات كان التوجيه الإلهي، مثل قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ (آل عمران: 110).
والملاحظة السادسة: إن استمرار الأمة في الحياة مرهون باستمرار حملها للرسالة، وما يتفرع عنها من تطبيقات في مجالات الحياة المختلفة، فإذا ضعفت عن حمل هذه الرسالة أو توقفت فاعليتها أو تقلصت تطبيقاتها، انتهى وجود الأمة، وحل محلها أمة أخرى لا علاقة لها بسابقتها، وإن ربطتها بها روابط الدم والأرض واللغة والثقافة. وهذا ما فعله كبار الصحابة – الذين عايشوا بدء الرسالة وتطبيقاتها – من قول الله تعالى: ﴿كنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110).
ولقد كان الخليفة عمر حريصا على تأكيد هذا الفهم والتصور عن الأمة المسلمة حين قال في شرح الآية المذكورة: ((لو شاء الله لقال (أنتم)، فكنا كلنا، ولكن قال: (كنتم) في خاصته من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومن صنع مثل صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)). 
وفي مناسبة أخرى قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]، تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا.
وفي حجة حجها، قرأ هذه الآية ثم قال: يا أيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها.
 وأكاد أجزم أن المفكّر ماجد عرسان الكيلاني ترك لنا كنزا ثمينا بيداغوجيا لا يُقدّر بثمن، في حاجة إلى الاكتشاف ثم التطوير في ظل المستجدات المعاصرة.
ويؤكد الدكتور الكيلاني على تفوّق التّربية الإسلامية، وتميزها دل على ذلك قدرتها على الجمع   بين العلوم الدّينية والعلوم الكونية في بعدها التكاملي والوظيفي، وكيف أنّهما مترابطان بحيث إن انفصلا فسينتج عنهما انهيار الحضارات، وهو ما حصل مع الحضارة الإسلامية الّتي سقطت منذ أن بدأ الجمود يسيطر على التقدّم العلمي فصار هناك تنافر حادّ بين قراءة كتاب الله المنظور وقراءة كتاب الله المسطور.
من المفاهيم المركزية في المدخل التربوي عند الدّكتور ماجد الكيلاني هي مفهوم العمل الصّالح، فهذا العمل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: فهناك عمل ديني صالح، وعمل اجتماعي صالح، وعمل كوني صالح. وهذا العمل، لا ينحصر في الإنتاج المادّي فقط كما ترى التّربية المعاصرة، ولا يمكن أيضا تعديته إلى العبادات والأخلاق الفردية. لهذا العمل الصّالح محوران رئيسيان: أن يكون عملا يجلب المنفعة للإنسان ويقوده لرضى الله، وأن يكون عملا يدفع الضّرر عن الإنسان ويبعد عن كلّ ما يغضب الله.
والإنسان الذي   يقوم بالقسمين معا هو صالح ومُصلح، وهو ما يحتاجه أيّ مجتمع للنّهوض والتقدّم، فالأمم الّتي تضمّ أفرادا صالحين ومصلحين لا يلحقها الخراب، إنّما يلحق بتلك الأمم الّتي تضمّ أفرادا صالحين في أنفسهم، لكنّهم لا يسعون للإصلاح. كتاب “أهداف التّربية الإسلامية”
ولذلك يرى الدّكتور ماجد عرسان الكيلاني أنّ التّربية الإسلامية يجب أن تهتمّ بنقاط مهمّة لتقوم بمهمّتها على أكمل وجه، وتلك النّقاط هي كالتّالي: تنمية القدرات العقلية للفرد؛ تربية الفرد على تعشّق المثل الأعلى، حيث يكون هذا المثل نموذجا سليما؛ تنمية الخبرات الدّينية والاجتماعية والكونية للفرد؛ تربية الإرادة عند الفرد مع أهمّية عدم حصرها في الشّهوات فقط؛ وتنمية القدرات التّسخيرية عند الفرد.
كتاب الدّكتور الكيلاني المشهور “هكذا ظهر جيل صلاح الدّين وهكذا عادت القدس” هو كتاب آخر رائع من روائع ما قرأت، فقراءته تشبه العيش في عالم صلاح الدّين منذ ظهوره حتّى تحريره للقدس من أيدي الصّليبيين، لكنّ أهمّ استنتاج يخرج به القارئ هو أنّ صلاح الدّين لم يكن وحده، فكما يقول عنوان الكتاب، كان جيلا تكاتف وتكاملت أدوراه لتحقيق ذلك الإنجاز في ظلّ ظروف صعبة كانت تمرّ بها الأمّة الإسلامية. هو كتاب يثبت أنّ فكرة انتظار البطل لحلّ مشاكل العالم الإسلامي هي فكرة واهمة، فإن لم تكن هناك حركة تربوية سليمة لخلق جيل واع كيف يتحرّك، فلن يفيد ظهور صلاح الدّين المنتظر. كانت هذه لمحة بسيطة عمّا تركه لنا الدّكتور ماجد الكيلاني الّذي انتقل إلى رحمة الله قبل حوالي ثلاث سنوات، ولعلّ أكثر ما أتمنّاه هو أن أرى تطبيقا لشيء من مفاهيمه على أرض الواقع، فهي مفاهيم قادرة على تغيير الكثير.
في خصائص المدخل التربوي عند د. ماجد عرسان الكيلاني:
 إن النظرية التربوية التي حاول الدكتور عرسان التأسيس لها واستأثرت بكل اهتمامه وأمره كله، وقدم من خلالها مقترحات رائدة للنهوض الحضاري والإصلاح الاجتماعي، والنظرية البيداغوجية للكيلاني جديرة بالمُدارسة العلمية والمطارحة الفكرية لها راهنيَتها ومعقوليتها من، نظرا لما تميزت به بخصائص وسمات كثيرة، هذه أهمها:
الخصيصة الأولى: الجمع الخلاق والمبدع بين المصدرية التراثية والمرجعيّة الغربية في صياغة نظرية التربوية، وهذا أمر يُحسب له، لأنه استطاع إخراج الفِكر التربوي الإسلامي من مأزق الجُمود والارتهان إلى التَّجربة التاريخية، وفي الوقت نفسه جنب الفكر التربوي حالة الانبهار بالتجربة الغربية، ووضعهُ في حجمه وسياقه.
الخصيصة الثانية: الأصالة والاستيعاب، إن كتابات الدكتور عرسان التربوية تتسم بالأصالة والوفاء لمرجعية الوحي بما هي مرجعية حاكمة ومهيمنة وخاتمة، وهي تتسم أيضا بالاستيعاب لأن العملية التربوية في نظر الكيلاني، عملية مركبة وشاملة وتراكمية تستوجب استيعاب جميع المتغيرات مراعاة التحولات التي تعرفها الأمة الإسلامية.
الخصيصة الثالثة: أن هذه النَّظرية التربوية نابعَة من عالم خريت بميدان التربية والتعليم، فقد خبر المجال وحاول إماطة اللثام عن أهم مداخل للإصلاح، ألا وهو المدخل التربوي، وهذا ظاهر وجلي في مشروعه الإصلاحي، فمثلا يعتبر كتابه “هكذا ظهر جيل صلاح الدين”:” فاتحة سلسلة جديده عن حركات الإصلاح في تاريخ الأمة الإسلامية. وهو يتعرض أولا للتكوين الفكري للمجتمع الإسلامي قبل الحروب الصليبية، وأثار اضطراب الحياة الفكرية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في ذلك الوقت، ثم يتحدث عن مراحل الإصلاح فيبدأ بالمحاولات السياسية للإصلاح ويخص منها دور الوزير في نظام الملك ثم مشروعات التجديد والإصلاح الفكرية والتربوية، ويستعرض منها ادوار عدد غير قليل من الائمة المصلحين كالإمام أبو حامد الغزالي، وعبد القادر الكيلاني وعدي بن مسافر، ورسلان الجعبري وعثمان بن مرزوق القرشي، ويبين الأثار العامة لهذه المحاولات والمشروعات الإصلاحية، ويحلل هذه الأثار ويقومها، ويخرج في النهاية بقوانين وسنن تاريخية مع بيان تطبيقاتها المعاصرة في الامة”[7].
الخصيصة الرابعة: أن هذه الرؤية التربوية جمعت بين النقد العميق[8] والمقترحات والبدائل، بحيث إن الكثير من التجارب تركز على النقد وتفشل في تقديم المقترحات العلمية والعملية، من أجل تجاوز المشكلات التي تعتور تنزيل تلك المناهج والبرامج التربوية، لأن الكثير من أسباب الارتباك والكَلِّية ترتبط أساسا بالاقتصار على النقد دون اقتراح الحلول أو بدائل غير قابلة للتنزيل، ومن الأمور التي وجب التنبيه عليها أن الكثير من المناهج التربوية  الخاصة بالتربية الإسلامية في كثير من البلدان الإسلامية قد اعتمدت على مكتوبات الأستاذ في المنطلقات والأهداف والمناهج والبرامج، والمقررات والتقويم والاستشراف..
الخصيصة الرابعة: أنه استطاع أن يقارب قضية اصْلاح التعليم مقاربة شمولية ومستوعبة، جمعت بين التشخيص والتوصيف، وصياغة البدائل والمقترحات، كل ذلك عبر قراءة عميقة لتاريخ التعليم ومؤسساته، ومناهجه ووظائفه، والوُقوف عند الأسباب العلمية والمنهجية التي أسهمَت في تطور العُلوم الإسلامية في مختلف الأقطار والأمصار، وكذلك تبيان عوامل التأخر والجمود والتخلف التي ألمت بالمنظومة التربوية والتعليمة وقدم انتقادات بالغة الأهمية في هذا الصدد، بمعنى آخر أنه جعل فكرة الإصلاح وقضية الإصلاح هي المؤطرة لاجتهاداته البيداغوجية واسهاماته التربوية.
إن استناد  الكَثير من  المشاريع  الإصْلاحية  على  المدْخل التربوي  والتعليمي  نابع  من قنَاعة تامة أن  الأمة لا نهضة لها إلا ببناء الإنسان، وأن  الإنسان  إنما يبنى و يصاغ  عبر عمليات تربوية  وتعليمية وتكوينية  عميقة و معقدة ، تضطلع  بها  كل المؤسسات  حسب  الموقع  والدور، بيد  أن  جوهر هذه العمليات  والمؤسسات هو :” نظَرية  العلم  لما  تَتسم  به  في الإسلام  بالنفاذية  الكونية والنفسية وبالسلطان الاجتماعي  والحضاري الذي يحدث التحولات الكبرى في  النفس والوعي والواقع كمدخل لتحويل الثقافة والحضارة، والتاريخ  وصياغتها صياغة إسلامية منسجمة  مع الدلائل  الآفاقية  والنفسية والفطرية، بعبارة أخرى للعلم في الإسلام وظيفة اجتماعية عملية ومقصد تربوي استخلافي يوجه الإنسان إلى التأمل والنظر الكوني والنفسي المتفاعل مع  الحياة والواقع والوجود”[9].
خاتمة، توصيات:
في خاتمة هذه الورقة أو أن أخلص إلى التوصيات الآتية،   
-ضرورة تعميق النظر في المشروع الإصلاحي للدكتور ماجد عرسان الكيلاني، من خلال قراءة مستوعبة لمنجزه المعرفي، ووضع ذلك كله في سياق النقد والتقويم المراجعة والتطوير، من أجل قراءة صحيحة تجعل المسألة التربوية أساس الإصلاح المأمول.
– أهمية الكشف على منظومة “فقه سنن التغيير والإصلاح “من منظور تربوي كما حاول التأسيس لذلك الدكتور ماجد عرسان الكيلاني، وهذه المنظومة إن وجدت من يشتغل عليها لا شك سيكون لها أثر كبير في ترشيد الفعل التربوي خصوصا والفعل الإصلاحي عموما.
-دعوة أطر مادة التربية الإسلامية بمختلف الأسلاك التعليمية (أساتذة ممارسون- أساتذة متدربون- مكونون- مشرفون تربويون..) إلى أهمية الاطلاع على ماكتبه ماجد علاسان الكيلاني بمنهج المدارسة والممارسة.
وعموما تبقى القضية التربوية والمسألة البيداغوجية ورشا مفتوحا لمزيد من النظر والتقويم والنقد المراجعة، في مجالات المرجعيات والرؤى والمناهج والبرامج والمفاهيم والقيم، والنهضة والإصلاح.
والحمد لله رب العالمين
عبد العزيز الإدريسي
عصر الثلاثاء 30يونيو 2020م
مكناسة الزيتون
المغرب الأقصى
[1] – ماجد عرسان الكيلاني، “هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس”، دار القلم للنشر والتوزيع، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الثالثة، 1423ه/2003م، ص:16.
[2] – ماجد عرسان الكيلاني، “هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس”، ص:19.
[3] – ألغيت الخلافة يوم 3مارس1924م، “جهود سعيد النورسي في تجديد الفكر الإسلامي”، ص ص: 16- 26، بحوث الندوة العلمية الدولية المنعقدة بتاريخ 17/18 مارس1999 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، بالتنسيق مع مركز رسائل النور إستانبول-تركيا، الطبعة الأولى دار سولزر للطباعة النشر 2005.
[4]– ماجد عرسان الكيلاني، إخْراج الأمة المسلمَة وعوامل صِحتها ومَرضها، كتاب الأمة العدد30، الطبعة الأولى 1991، ص:15.
[5]– يقول  ماجد  عرسان  الكيلاني  في  هذا  الكتاب:” إن حكماء صهيون الذين وضعوا البروتوكولات المعروفة لا يقصرون بروتوكولاتهم على حكماء صهيون المنتسبين إلى الشعب اليهودي، وإنما هم تحالف عالمي من اليهود وغيرهم، وإن ضحايا هذه البروتوكولات كذلك هم من كل شعب وأمة بما فيهم عوام اليهود أنفسهم، والغاية من هذا التحالف العالمي هو تأمين هيمنة المستأثرين بالجاه والسلطان والمال وتوجيه الحياة البشرية لخدمة هذه الغاية من خلال التطبيقات المدمرة للبروتوكولات المدمرة التي وضعوها لتسخير الأمم وإبقائهم في دوامة الصراع واللهو” ، الطبعة الثالثة 1409هـ ، 1989 م.
[6] -فريد الأنصاري، البيان الدعوي، وظاهرة التضخم السياسي، نحو بيان قرآني للدعوة الإسلامية، ضمن سلسلة: من القرآن إلى العمران، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الثانية، 1433ه/2012م، ص 55 وما بعدها.
[7] -فلسفة كتابة التاريح عند الدكتور ماجد عرسان الكيلاني، سعود بن عبد الرحمن، مجلة الهدى، 2013م.
[8] – مثلا نجد الشيخ الطاهر بن عاشور أجمل أسباب تأخر التعليم في أربعة أسباب، وهي:
أ- غياب منظومة للمراقبة والتقويم   ب-إهمال الضبط، أي غياب الإلزامية   ج- عرو التعليم عن مادة الآداب   د-سلب العلوم والتعليم حرية النقد الصحيح، للمزيد من التفصيل انظر الصفحات 104إلى122 “أليس الصبح بقريب التعليم العربي الإسلامي”.
[9] -عبد العزيز برغوث، موقع نظرية العلم في عملية الاستخلاف والتحضر عند الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، مقال بمجلة النور للدراسات الحضارية العدد الثاني يوليوز2010م، ص:124.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى