بيلماون بين رهانات التراث وأسئلة الحكامة: هل تحقق العدالة في توزيع الاستفادة والدعم؟

الجديدة نيوز – رحال الأنصاري

لم تعد النقاشات المرتبطة بالدورة التاسعة لكرنفال “بيلماون” تقتصر على الجوانب الاحتفالية والفنية فقط بل امتدت لتشمل تساؤلات جوهرية تتعلق بطريقة تدبير هذه التظاهرة الثقافية ومدى احترامها لمبادئ الشفافية والإنصاف المجالي والتمثيلية الحقيقية لمختلف مكونات عمالة إنزكان أيت ملول.
ففي الوقت الذي يقدم فيه الكرنفال باعتباره حدثاً دولياً يمثل مجموع تراب العمالة يطرح العديد من المتتبعين سؤالاً أساسياً حول طبيعة التمثيلية داخل أجهزة التنظيم والتسيير ومدى حضور مختلف الجماعات والفعاليات المدنية والثقافية في صناعة القرار المرتبط بهذه التظاهرة التي تمول من المال العام.
وتزداد حدة هذه التساؤلات عندما يتعلق الأمر بمدينة إنزكان التي ساهمت في دعم التظاهرة مالياً ولوجستيكياً حيث وفرت اعتمادات مهمة إلى جانب تجهيزات وفضاءات احتضان بعض الأنشطة غير أن حجم الاستفادة المحققة على أرض الواقع يراه عدد من الفاعلين أقل بكثير من حجم المساهمة المقدمة خصوصاً أن البرمجة الفنية المخصصة للمدينة ظلت محدودة مقارنة بأهمية الحدث وحجم الموارد المرصودة له.
كما يثير المسار الرسمي للكرنفال بدوره نقاشاً واسعاً إذ يرى متابعون أن الاستفادة الفعلية من أهم فقرات التظاهرة تظل متمركزة داخل نطاق جغرافي معين بينما تبقى جماعات أخرى مشاركة في التمويل والدعم خارج دائرة الاستفادة الحقيقية الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى احترام مبدأ العدالة المجالية في توزيع الأنشطة والعائد الثقافي والاجتماعي للحدث.
وعلى المستوى المالي تبدو الحاجة ملحة لتقديم معطيات دقيقة للرأي العام حول أوجه صرف الاعتمادات المعبأة خاصة أن حجم المساهمات العمومية القادمة من الجماعات الترابية والمؤسسات الشريكة يظل مهماً بالنظر إلى مدة التظاهرة وعدد الأنشطة المنظمة. وهو ما يدفع العديد من المتابعين إلى المطالبة بتقييم موضوعي لمردودية هذه النفقات ومدى انعكاسها على التنمية الثقافية والسياحية للمنطقة.
ومن بين النقاط التي أثارت جدلاً أيضاً ما يتعلق بالأنشطة التراثية المرتبطة باحتفالات “أسوياس” حيث عبرت فعاليات وشباب من أحياء ارتبط اسمها تاريخياً بهذه الاحتفالات عن استغرابها من عدم تسجيل حضور فعلي للأنشطة المعلن عنها داخل أحيائهم الأمر الذي جعل تساؤلات عديدة تطرح حول أماكن تنظيم هذه الفعاليات وطبيعة برمجتها ومدى تأثيرها الحقيقي على الساكنة المحلية.
وفي سياق متصل سجل عدد من المهتمين بالشأن الثقافي غياباً ملحوظاً للبعد الأكاديمي والعلمي في هذه الدورة من خلال ندرة الندوات واللقاءات الفكرية والورشات التوثيقية التي من شأنها الإسهام في تثمين موروث “بيلماون” والتعريف بأبعاده التاريخية والأنثروبولوجية والحضارية بما يضمن الحفاظ على هذا التراث اللامادي للأجيال القادمة.
ويرى متابعون أن الرهان الحقيقي لم يعد مرتبطاً فقط بتنظيم عروض واستعراضات احتفالية بل أصبح رهاناً مرتبطاً بالحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وضمان استفادة جميع الجماعات المساهمة في التمويل من عائد هذا الحدث الثقافي سواء على المستوى الرمزي أو التنموي أو السياحي.
وأمام تنامي هذه المطالب تتعالى الأصوات الداعية إلى فتح نقاش عمومي مسؤول حول مستقبل التظاهرة وإرساء آليات أكثر وضوحاً في التدبير المالي والتنظيمي مع اعتماد معايير دقيقة تضمن الشفافية والتوازن المجالي وتكافؤ الفرص بين مختلف مكونات العمالة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هل نجح كرنفال بيلماون في تجسيد روح المشاركة الجماعية التي يفترض أن يقوم عليها هذا الموروث الثقافي العريق أم أن المرحلة المقبلة أصبحت تقتضي مراجعة شاملة لآليات التدبير والتوزيع والتقييم بما يضمن انسجام التمويل العمومي مع النتائج المحققة على أرض الواقع؟





