إلى الذي : القانون لا يصنع جمعية ناجحة… بل يصنع إطاراً لها
"القانون يؤسس الجمعية… لكن الوعي الجمعوي هو من يبنيها"

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن تأسيس جمعية والحصول على الوصل القانوني كافيان لخلق عمل جمعوي ناجح وفعال. والحقيقة أن القانون، مهما بلغت دقته وجودته، لا يستطيع بمفرده أن يصنع جمعية حقيقية قادرة على تحقيق أهدافها وخدمة محيطها.
فالجمعية ليست مجرد ملف قانوني أو وثائق إدارية أو ختم ووصل إيداع، بل هي قبل كل شيء مشروع جماعي يقوم على قيم المشاركة والتعاون والمسؤولية المشتركة. لذلك فإن الفرق كبير بين جمعية حاضرة على الورق وجمعية حية وفاعلة على أرض الواقع.
لقد جاء الإطار القانوني المنظم للجمعيات لترسيخ مبادئ أساسية، من بينها الديمقراطية الداخلية، والتسيير الجماعي، واحترام إرادة الأعضاء، وتداول المسؤوليات. غير أن الممارسة تكشف أحياناً عن واقع مختلف، حيث تتحول بعض الجمعيات إلى فضاءات يتحكم فيها شخص واحد، بينما يغيب دور باقي الأعضاء أو يقتصر على الحضور الشكلي عند التأسيس أو خلال الجموع العامة.
وفي مثل هذه الحالات، تصبح القرارات فردية، وتختزل الجمعية في شخص مؤسسها، ويُنظر إلى باقي الأعضاء باعتبارهم مجرد أرقام لاستكمال النصاب القانوني، لا شركاء في صناعة القرار وتحمل المسؤولية. وهنا يفقد العمل الجمعوي جوهره الحقيقي ويتحول من فضاء للتعاون والتدبير الديمقراطي إلى مشروع شخصي مقنع بغطاء جمعوي.
إن القانون يستطيع أن ينظم العلاقات داخل الجمعية، ويحدد الحقوق والواجبات، ويضع الضوابط والمساطر القانونية، لكنه لا يستطيع أن يزرع الثقة بين الأعضاء، أو ينمي روح المبادرة، أو يرسخ ثقافة الحوار والتشاور، أو يخلق الإحساس بالانتماء الجماعي للمشروع الجمعوي.
لذلك فإن الإشكال لا يكمن دائماً في النصوص القانونية، بل غالباً ما يرتبط بضعف التكوين، وغياب التأطير، ونقص الوعي بفلسفة العمل الجمعوي، وعدم استيعاب الأدوار الحقيقية للمكتب المسير والجمع العام وباقي الأجهزة التقريرية.
إن بناء جمعية قوية ومستدامة يقتضي الاستثمار في التربية على المواطنة والعمل التطوعي، وتكريس مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة، وتشجيع المشاركة الفعلية للأعضاء في التخطيط والتنفيذ والتقييم. كما يتطلب توفير التكوين المستمر للفاعلين الجمعويين حتى يتمكنوا من اكتساب المعارف والمهارات الضرورية لتدبير الشأن الجمعوي بكفاءة ومسؤولية.
فالجمعية الحقيقية تبدأ عندما يشعر كل عضو بأنه شريك فعلي في المشروع، وأن صوته مسموع، ورأيه محترم، ودوره معترف به، ومسؤوليته قائمة إلى جانب حقوقه. عندها فقط يصبح العمل الجمعوي مدرسة للمواطنة، ومجالاً لبناء الإنسان وخدمة المجتمع.
إن نجاح الجمعيات لا يصنعه القانون وحده، بل تصنعه أيضاً ثقافة ديمقراطية راسخة، وإرادة جماعية صادقة، وتكوين مستمر، وحكامة شفافة تجعل من الجمعية فضاءً للمشاركة والإبداع وخدمة الصالح العام.
هذا يعكس بجلاء رؤيتي النقدية للواقع الجمعوي كفاعل جمعوي ومهتم بقضايا الحكامة والعمل المدني.





