مجرد رأي

لحظة من فضلك : حين يصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة: من يحق له قيادة الفروع الحزبية؟

لم تعد السياسة اليوم مجرد حضور في الاجتماعات أو رفع الشعارات، بل أصبحت مسؤولية تتطلب الوعي والتكوين والقدرة على فهم القضايا العامة وتدبير الاختلاف والتواصل مع المواطنين. ومن هنا يطرح واقع بعض الفروع الحزبية سؤالاً حساساً: ماذا يحدث عندما يتولى أشخاص أميون أو محدودو التكوين مسؤوليات تنظيمية داخل الأحزاب؟..لا يتعلق الأمر بإهانة الأشخاص الأميين أو التقليل من قيمتهم، فالأمية لا تعني انعدام الذكاء أو التجربة أو الوطنية، وقد نجد أشخاصاً بسطاء يمتلكون خبرة اجتماعية وحضوراً وقدرة كبيرة على التواصل. كما أن الشهادات وحدها لا تصنع قائداً ناجحاً. لكن المسؤولية الحزبية تفرض الحد الأدنى من القدرة على قراءة الوثائق، وفهم القوانين والأنظمة الداخلية، وكتابة التقارير والمراسلات، واستيعاب القرارات، ومناقشة البرامج والقضايا التي تهم المواطنين..المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتم وضع شخص في موقع المسؤولية دون أن يمتلك الأدوات الضرورية لأداء مهمته، فيصبح بحاجة إلى شخص آخر يقرأ له الوثائق، ويكتب له، ويفسر له القرارات، وربما يوجه مواقفه. وهنا لا تعود القضية مجرد أمية، بل تصبح قضية استقلالية القرار السياسي ومن يتحكم فعلياً في الفرع الحزبي.والأمر الأكثر إثارة للتساؤل هو كيف يمكن لحزب أن يقوم بدوره في التأطير والتكوين السياسي للمواطنين بينما بعض المسؤولين داخله لم يحصلوا هم أنفسهم على التكوين الضروري لتحمل المسؤولية؟

وهنا تقع المسؤولية أيضاً على الأحزاب السياسية، التي يفترض أن تعمل على تكوين أعضائها وتأهيلهم قبل الدفع بهم إلى مواقع المسؤولية. فالحزب الجاد لا يستعمل المواطن البسيط لخدمة مصالحه، وإنما يؤهله ويمنحه المعرفة والأدوات التي تمكنه من المشاركة السياسية بشكل مستقل وفعال...ولا ينبغي أن تكون الحلول في إقصاء البسطاء أو حصر العمل السياسي في أصحاب الشهادات العليا، وإنما في اعتماد الكفاءة والتكوين والنزاهة والخبرة والقدرة على التواصل مع احترام حق الجميع في المشاركة السياسية.

فالسياسة ليست مسابقة في الشهادات، لكنها أيضاً ليست مجالاً لتعويض غياب الكفاءة بالولاء والعلاقات. والخطر يبدأ عندما يصبح معيار اختيار المسؤول الحزبي هو قدرته على جلب الأصوات أو قربه من القيادة، بدل قدرته على تحمل المسؤولية..لذلك، فإن المطلوب من الأحزاب هو بناء مدارس حقيقية للتكوين السياسي والتنظيمي، وتأهيل مسؤولي الفروع في مجالات القانون، والتواصل، والتدبير، والانتخابات، وأخلاقيات العمل السياسي، وربط تحمل المسؤولية بالقدرة على أدائها.

وفي النهاية، السؤال ليس: هل يجوز للأمي أن ينتمي إلى حزب أو يتحمل مسؤولية؟ وإنما السؤال الأهم: هل يمتلك كل من يتولى مسؤولية سياسية الحد الأدنى من الكفاءة التي تفرضها هذه المسؤولية؟

فالأمية ليست عيباً يُدان به الإنسان، لكن العيب أن تُمنح مسؤولية سياسية دون تأهيل، وأن تتحول مواقع القرار إلى مكافآت على الولاء بدل أن تكون مواقع للكفاءة والاستحقاق.

نحن لا نحتاج إلى أحزاب تكثر فيها الواجهات، وإنما إلى أحزاب تصنع مواطنين واعين وقيادات مؤهلة قادرة على تحمل مسؤولية قيادة المجتمع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى