الترحال السياسي وسؤال النزاهة الانتخابية.. القضاء الدستوري في مواجهة الازدواجية الحزبية

قرأتُ لي ولكم: من اعداد محمد انين
تُشكل ظاهرة “الترحال السياسي” إحدى أبرز الآفات المؤثرة على مصداقية العمليات الانتخابية والنيل من جوهر الثقة الواجبة في المؤسسات التمثيلية إذ يعمد بعض المنتخبين إلى التنكر للتعاقد السياسي والأخلاقي المؤطر لثقة الناخبين، بغاية تغيير الألوان الحزبية بحثاً عن تزكيات جديدة أو مكاسب ظرفية ومع كل استحقاق تشريعي أو جماعي تتجدد هذه الممارسة لتدق ناقوس الخطر وتفتح الباب أمام نزاعات طعن دقيقة أمام القضاء الدستوري
أولاً المفهوم والخطورة المؤسساتية
1. الإطار المفاهيمي
يُقصد بالترحال السياسي ذلك الانتقال الإرادي للمنتخَب من الحزب السياسي الذي ترشح وفاز باسمه إلى هيئة سياسية أخرى، سواء أكان ذلك خلال مدة الانتداب البرلماني أو الترابي أم بمناسبة الاستعداد لمحطة انتخابية جديدة دون تسوية قانونية مسبقة لوضعيته التنظيمية
2 الأبعاد الخطيرة للظاهرة
*تزييف الإرادة الشعبية تحويل أصوات الناخبين الممنوحة لبرنامج وتوجه سياسي معين لصالح كائن انتخابي ينقلب على منصته الأصلية
*إضعاف المنظومة الحزبية ضرب الممارسة الحزبية الرشيدة في عمقها، وتحويل ورقة التزكية من مشروع فكري إلى مجرد أداة نفعية للوصول إلى المنصب
*إرباك المشهد المؤسساتي إحداث انقلابات مفاجئة في الخريطة السياسية وهندسة الأغلبية والمعارضة داخل المجالس المنتخبة
ثانياً: المنظومة الدستورية والقانونية الحاظرة للترحال
أرسى المشرع المغربي ترسانة قانونية متقدمة وصارمة لقطع الطريق أمام مظاهر الترحال والازدواجية
الفصل 61 من الدستور ينص بصريح العبارة على تجريد كل عضو في أحد مجلسي البرلمان تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها
القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية:
المادة 20: تحظر الانخراط المزدوج أو التعدد الحزبي في آن واحد.
المادة 22: تنظم بدقة مساطر الاستقالة وحالات الشغور وتجريد العضوية
القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية ومجلس النواب: تؤكد برمتها على أن فقدان الانتماء الحزبي الأصلي يرتّب حتماً زوال الصفة التمثيلية وفقدان المقعد
ثالثاً الاجتهاد القضائي الدستوري ومعالم العقيدة الصارمة
كرست المحكمة الدستورية اجتهاداً قضائياً مستقراً ومتحمساً لحماية أخلاقيات الحياة العامة يرتكز على المبادئ التالية
شرط الأهلية المستمر تعتبر المحكمة أن الالتزام بالانتماء السياسي وعدم الازدواجية الحزبية يشكل شرط أهلية موضوعي وجوهري يمتد سريانه طيلة ولاية الانتداب ويُشترط لصحة أي ترشيح جديد
بطلان الترشح المزدوج يُعد الترشح باسم تنظيم سياسي جديد بالتزامن مع الاستمرار في ممارسة مهام انتدابية باسم حزب سابق (دون سلوك مسطرة استقالة نظامية نفاذة وموثقة قانوناً) ازدواجية حزبية فاضحة تُبطل الترشح وتجرد المعني من أهليتها القانونية
الشمولية في ترتيب الآثار لا تقتصر المحكمة الدستورية على إلغاء المقعد المحصل عليه في الاقتراع الجديد فحسب، بل يمتد الأثر القانوني لتقضي بالتجريد من المقعد السابق تكريساً لربط المسؤولية بالمحاسبة ومنعاً لأي التفاف على القانون
الخلاصة
يظل القضاء الدستوري الحصن المنيع وصمام الأمان لحماية البناء الديمقراطي ونزاهة العملية الانتخابية. وإن الصرامة التي تطبع قرارات المحكمة الدستورية في معالجة طعون الترحال السياسي لا تتوقف عند حدود إنصاف منافس أو تصحيح مركز قانوني في دائرة معينة بل ترسي قواعد صلبة لحكامة سياسية رشيدة، تُلزم النخب الحزبية والمنتخبين باحترام سيادة الإرادة الشعبية وصون سمو دولة القانون والمؤسسات.





