المغرب يتصدر التصنيع الإفريقي… و”خبراء الإنهيار الوشيك للجارة الشرقية ” يدخلون في عطالة تقنية

يبدو أن سنة 2025 لم تكن رحيمة بأصحاب نبوءات الخراب الإقتصادي، أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة في توزيع شهادات الوفاة المسبقة للإقتصاد المغربي، حتى فوجئوا بأن “الجنازة” التي كانوا يحضرون لها تحولت إلى حفل تتويج قاري، بعدما وضع البنك الإفريقي للتنمية المغرب في المرتبة الأولى إفريقيا في مؤشر التصنيع.
فبينما كان المغرب منهمكا في بناء المصانع، وتوسيع الموانئ، وجذب الإستثمارات، وتصدير السيارات والطائرات والأسمدة إلى مختلف القارات، كان فريق “المحللين الموسميين الجزائريين ” مشغولا بمهمة أكثر أهمية: كتابة منشورات يومية تؤكد أن الإنهيار قادم لا محالة… فقط يحتاج إلى بعض الصبر !.
كل مصنع جديد كان بالنسبة لهم مجرد ديكور سينمائي، وكل مشروع صناعي مجرد مؤامرة إحصائية، وكل رقم إيجابي مجرد خطأ مطبعي. بل إن بعضهم كان مستعدا لتصديق أن آلاف السيارات التي تغادر الموانئ المغربية يوميا ليست سوى “مؤثرات بصرية” تم تركيبها بالفوتوشوب لخداع الرأي العام.
لكن المشكلة أن الواقع لم يتعاون معهم كثيراً.
فالمصانع أستمرت في الإشتغال، والصادرات واصلت الإرتفاع، والإستثمارات الأجنبية تدفقت، والموانئ أمتلأت بالحاويات، فيما ظلت توقعات الإفلاس الإقتصادي المغربي تدور في أستوديوهات القنوات الإعلامية للجزائر ، تماما كساعة حائط توقفت عقاربها منذ سنوات لكن أصحابها ما زالوا ينتظرون منها معرفة الوقت.
والمثير للسخرية أن بعض أبواق التشكيك وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه. فبعد سنوات من الحديث عن “فشل النموذج المغربي”، أستيقظت على تقارير دولية تتحدث عن نجاح صناعي إفريقي يقوده المغرب. وهنا بدأت مرحلة جديدة من الإبداع: البحث عن تفسيرات غيبية، ونظريات مؤامرة إقتصادية، ومحاولات يائسة لإقناع الناس بأن المرتبة الأولى ليست الأولى فعلا !.
ولأن الحقائق عنيدة بطبعها، فقد أصرت على الظهور. سيارات تصنع وتصدر، أجزاء طائرات تركب، مناطق صناعية تتمدد، وبنيات تحتية تنافس أكبر الآقتصادات الصاعدة في القارة، بينما لا يزال البعض يعتقد أن إصدار بيان غاضب كفيل بإغلاق مصنع أو إيقاف خط إنتاج.
للأسف، الإقتصاد لا يشتغل بمنطق الشعارات ولا يقاس بمستوى الصراخ في المنابر الإفتراضية. الإقتصاد لغة أرقام وإستثمارات وفرص شغل ومؤشرات نمو، وهي أشياء يصعب جدا تعويضها بالحوارات مع قنوات محلية وخارجية وبالخطب الرنانة أو التعليقات الغاضبة على مواقع التواصل.
ومع ذلك، فإن الإحتفاء بهذا الإنجاز لا ينبغي أن يتحول إلى نشوة زائدة. فالمغاربة لا يعيشون داخل التقارير الدولية فقط، بل داخل واقع يومي يطرح أسئلة مشروعة حول التشغيل والدخل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية. لذلك يبقى التحدي الحقيقي هو أن تتحول قوة المصانع إلى قوة في معيش المواطن، وأن تنعكس الأرقام المبهرة على حياة الأسر بنفس السرعة التي تتصدر بها عناوين التقارير الإقتصادية.
أما بالنسبة للمشككين المحترفين من الجارة الشرقية ، فلا داعي للقلق عليهم. فمن المرجح أنهم بدأوا بالفعل إعداد تقارير جديدة تتنبأ بإنهيار التصنيف نفسه خلال الأشهر المقبلة، تماما كما فعلوا مع كل إنجاز سابق.
لكن إلى أن يتحقق ذلك الإنهيار الأسطوري المنتظر منذ عقود، سيواصل المغرب على ما يبدو إزعاجهم بالطريقة نفسها :
المزيد من العمل… والمزيد من النتائج تحت الرعاية السامية لجلالة الملك نصره الله دون ” شوشرة ” ودون تطبيل .





