الملك يدعو الصحراويين إلى العودة فماذا عن الأحزاب ؟

بقلم عزيز الدروش
زعماء أبديون يُجهضون المشروع الملكي ويخونون الوطن باسم الديمقراطية المزيّفة …
في خطابه الأخير وجّه الملك محمد السادس نداءً وطنياً صادقاً إلى سكان تندوف وجميع الصحراويين من أجل العودة إلى حضن الوطن والمساهمة في تدبير شؤونهم المحلية بأنفسهم.
كان الخطاب واضحاً في مضمونه الإنساني والسياسي الوطن يسع الجميع والمغرب بحاجة إلى كل أبنائه وخاصة أطره الصحراوية لتشارك في البناء الديمقراطي الجديد .
لكن، في الوقت الذي يتحرك فيه الملك برؤية تقدمية وشجاعة نجد أن الأحزاب السياسية المغربية ما زالت غارقة في مستنقع التخلف السياسي والأنانية التنظيمية يحتكرها زعماء خالدون ومعمرون رفضوا مغادرة الكراسي منذ عقود .
الزعماء الأبديون سرطان الحياة السياسية المغربية .
أغلب الأحزاب التي يفترض أن تكون فضاءً للديمقراطية والانفتاح تحولت إلى ضيعات شخصية يديرها زعماء أبديون يعيشون في زمنهم الخاص، خارج حركة التاريخ والتجديد .
نبيل بنعبد الله الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية يمثل نموذج الزعيم الأبدي الذي جعل من الحزب مشروعًا شخصيًا يطارد خصومه داخل التنظيم ويقصي كل من ينتقده أربع ولايات متتالية ويستعد للخامسة ! هذا الحزب الذي أسسه الوطنيون والمجاهدون في سبيل الحرية أصبح رهينة بيد زعيم يرى في نفسه المخلّص بينما الحزب يتآكل من الداخل ويهاجره المناضلون الحقيقيون .
إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لم يترك للحزب الاشتراكي سوى الاسم .
الحزب الذي كان يوماً منارة النضال التقدمي أصبح تحت إمرته مؤسسة لتوزيع المناصب والولاءات بعد أن باع روحه لصفقات انتخابية ومصالح ضيقة
مناضلو اليسار الذين قدموا التضحيات الكبرى من أجل الديمقراطية يرون اليوم حزبهم مختطفاً من زعيم يقاوم التغيير بكل الوسائل وكأنه الزعيم الخالد .
عزيز أخنوش رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار يجسّد الوجه الآخر للفساد الحزبي التحكم المالي بدل الفكر السياسي
حزب المال والسلطة لا حزب الأفكار، يتحدث عن الكفاءة والنزاهة بينما يشتري الولاءات ويوزع المناصب على الأصدقاء وأصحاب الشركات .
فهل يمكن لأطر الصحراء العائدة إلى الوطن أن تجد مكانها في حزب يسير بمنطق السوق لا بمنطق النضال .
نزار بركة في حزب الاستقلال وعبد اللطيف وهبي في الأصالة والمعاصرة لا يختلفان عن البقية .
مهادنة دائمة تحالفات مشبوهة وخضوع كامل لمنطق الكراسي والمنافع بدل الدفاع عن الكرامة الشعبية .
فهؤلاء الزعماء الأبديون يشكّلون تحالفًا غير معلن ضد التغيير وضد أي مشروع وطني يهدف إلى تجديد النخب ودمقرطة الحياة السياسية .
لقد حوّلوا الأحزاب إلى أدوات لتعطيل الإصلاح الملكي، وأصبحوا حاجزًا أمام أي كفاءة جديدة سواء جاءت من الشمال أو من الجنوب من الداخل أو من تندوف .
دعوة ملكية تقدّمية تواجه جدار الأحزاب المتحجرة .
خطاب الملك محمد السادس حول الصحراء لم يكن عادياً بل كان دعوة لبناء مغرب جديد يُعيد الكلمة إلى المواطن .
لكن هذه الدعوة تواجه اليوم جداراً من الأحزاب التي ترفض التغيير لأنها تعلم أن أي انفتاح حقيقي سيُسقط زعاماتها المصطنعة .
الملك يدعو إلى :
- تمكين الصحراويين من تدبير شؤونهم بأنفسهم
- إدماج الأطر والكفاءات الوطنية في المؤسسات المحلية
- تعزيز الجهوية المتقدمة كركيزة للوحدة الوطنية
لكن ماذا نجد على الأرض ؟
أحزاب لا تُجدد نخبها لا تؤمن بالديمقراطية الداخلية وتغلق الباب أمام كل طاقة جديدة
بل الأسوأ من ذلك تُحارب كل صوت مستقل، وتُقصي كل من لا يسبّح بحمد الزعيم أو يتملّق للقيادة .
فكيف يمكن لأطر تندوف وأبناء الصحراء الذين عاشوا سنين من الإقصاء والتهجير أن يثقوا في هذه الأحزاب الفاسدة ؟
إلى أي حزب سيتوجه الإطار الوطني الذي يريد أن يخدم وطنه بصدق ؟
هل إلى حزب يتعامل معه كرقم انتخابي أو كديكور سياسي ؟
وزارة الداخلية مطالبة بالتدخل لتطبيق الخطاب الملكي .
نعم لقد آن الأوان أن تتحمل وزارة الداخلية مسؤوليتها كاملة في تنزيل الخطاب الملكي على أرض الواقع … فلا يمكن ترك الحياة الحزبية رهينة بيد الزعامات المتكلسة التي تعيق المشروع الملكي.
على الداخلية أن :
- تُلزم الأحزاب بتجديد قياداتها وفق القانون
- تراقب الشفافية والديمقراطية الداخلية
- تفرض على الأحزاب فتح المجال أمام الكفاءات الجديدة خصوصاً الأطر الصحراوية
- تضع حداً للفساد الحزبي الذي أصبح يهدد ثقة المواطنين في العمل السياسي
الملك لا يمكن أن يُحدث التغيير وحده فخطابه يحتاج إلى مؤسسات شريفة وأحزاب نزيهة تترجم رؤيته إلى واقع .
الخلاصة الوطن في حاجة إلى يسار وطني جديد .
إن الملك محمد السادس عبّر عن إرادة واضحة لبناء وطن عادل ومتوازن،
لكن هذه الإرادة لن تتحقق إلا بوجود يسار وطني جديد يقطع مع الانتهازية الحزبية ومع الولاء للأشخاص .. يسار يكون وفياً للشعب للكرامة وللوطن لا لزعيم متشبث بكرسيه أو لجهة مالية تملي عليه قراراته .
إن الوقت قد حان لإطلاق ثورة هادئة داخل الحياة السياسية المغربية
ثورة ضد الزعامات الخالدة ضد الريع الحزبي وضد المتاجرة في القضية الوطنية
الملك قال كلمته بوضوح أن الوطن يتسع للجميع بينما أقول الأحزاب لازالت لا تتسع إلا لزعيمها، لمصالحه، ولجوقة المصفقين حوله.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى
بقلم: عزيز الدروش محلل و فاعل سياسي





