زحف اليأس إلى الحدود: حين يختار الشيوخ والأطفال ركوب الموت هرباً من قسوة الداخل
بقلم ذ. نور الدين الكيحل

شهدت الحدود الفاصلة مع مدينة سبتة المحتلة، أطواراً جديدة من محاولات الهجرة الجماعية والتدفقات غير المسبوقة، التي لم تقتصر على فئة الشباب فحسب، بل شملت -في مشاهد مؤلمة تعكس حجم الأزمة النفسية والاجتماعية- شيوخاً وأباءً وأطفالاً صغاراً ونساءً. هذا التحول النوعي في الفئات العمرية والاجتماعية المقتحمة للحدود يطرح تساؤلات حارقة حول دوافع هذا الهروب الجماعي، وتوزيع المسؤوليات السياسية والمؤسساتية، والخلفيات السوسيولوجية والاقتصادية للظاهرة.
أولاً: ماذا يقع على الحدود؟ (توصيف المشهد)
تدفق المئات من المواطنين المغاربة، من مختلف الأعمار والشرائح الاجتماعية، في جماعات متفرقة نحو السياج الحدودي لسبتة المحتلة، مدفوعين بيأس جماعي جارف ورغبة جامحة في عبور الوهم الأوروبي ولو عبر المغامرة بالأرواح. هذه المحاولات، التي غالباً ما تواجه بتدخلات أمنية مشددة من طرف السلطات المغربية ونظيرتها الإسبانية، تحولت إلى مأساة إنسانية متكررة، تُظهر صورها ومقاطع فيديو توثيقها حجماً غير مسبوق من الإحباط وفقدان الأمل في الداخل.
ثانياً: ما الذي دفع هؤلاء للهجرة الجماعية؟ (الأسباب والدوافع)
لا يمكن اختزال موجات الهجرة الجماعية الحالية في مجرد “رغبة في تحسين الدخل”، بل هي نتيجة تراكمات هيكلية معقدة:
الانسداد الاقتصادي والبطالة المزمنة: تفشي معدلات بطالة مقلقة في صفوف الشباب، وغياب فرص الشغل الحقيقية في العديد من الأقاليم والجهات، إلى جانب تراجع الأنشطة الاقتصادية المحلية التقليدية (كما هو الحال في المناطق الحدودية ومدن الشمال).
الغلاء الفاحش وتآكل القدرة الشرائية: الارتفاع المهول في أسعار المواد الغذائية الأساسية والمحروقات والخدمات، والذي أثقل كاهل الطبقات الهشة والفقيرة، وجعل العيش الكريم شبه مستحيل لذوي الدخل المحدود والمتدني.
أزمة الثقة وفقدان الأفق: شعور عام باليأس وغياب العدالة الاجتماعية والمجالية، حيث يرى المواطن البسيط أن التنمية لا tلامس واقعه اليومي، مما يولد رغبة هروب جماعي تطال حتى الأسر بأكملها (أبناء وآباء وشيوخ).
ثالثاً: من يتحمل المسؤولية؟ (توزيع الأعباء المؤسساتية)
إن هجرة العائلات والأطفال والشيوخ ليست مسؤولية طرف واحد، بل هي إخفاق مركب تتوزع أوزاره على عدة مستويات:
الحكومة والسياسات العمومية: تتحمل الحكومة المسؤولية السياسية والميدانية الأولى عن الفشل في خلق نموذج تنموي محلي يضمن الكرامة والتشغيل والعدالة المجالية. فالبرامج الموجهة للتشغيل ودعم القدرة الشرائية أثبتت عجزها عن احتواء الأزمة الاجتماعية.
النخب السياسية والمحلية: غياب المبادرة الحقيقية والتخندق وراء الحسابات الضيقة، وغياب سياسات القرب التي تنصت لنبض الشارع وتستبق الاحتقان الاجتماعي.
المقاربة الأمنية وحدودها: بقدر ما تلعب الأجهزة الأمنية دوراً في حماية الحدود، فإن الاكتفاء بالمقاربة الأمنية وحدها لمعالجة ظاهرة عميقة الأسباب مثل الهجرة السرية يشبه علاج الأعراض مع ترك المرض الحقيقي مستشرياً.
رابعاً: هل هي “وصمة عار”؟
إن خروج عائلات بأكملها، وأطفال في زهور عمرهم، وشيوخ أنهكهم الزمن لرمي أنفسهم في مجهول الموت على الحدود، هو بلا شك مؤشر خطير يعكس خللاً بنيوياً عميقاً في معادلة التنمية والحماية الاجتماعية.
تسميتها بـ “وصمة عار” يعبر عن الشعور المجتمعي العام بالحسرة والألم لرؤية المواطن يهون في وطنه لدرجة يفضل فيها المغامرة بروحه في رحلة مجهولة العواقب. إنها تدق ناقوس الخطر بكون الأمن الحقيقي لا يقتصر على ضبط الحدود، بل يبدأ أولاً بضبط الأمن الاجتماعي والاقتصادي للمواطن داخل وطنه.
خاتمة
إن مشاهد الدفق البشري نحو سبتة ليست مجرد أرقام أمنية تعبر عن “محاولات هجرة غير شرعية”، بل هي صرخات احتجاج صامتة وعميقة، تتطلب من الدولة والحكومة إرادة سياسية حقيقية وجريئة للذهاب بعيداً في إصلاحات هيكلية حقيقية، قوامها محاربة الفساد، تقليص الفوارق الاجتماعية، وتوفير العيش الكريم والكرامة الإنسانية التي هي أساس كل استقرار وطني حقيقي.





