الواجهةمجرد رأي

بورتريه : عبد الإله بنكيران ..حكاية رجلٍ لا تنتهي خرجاته

بقلم: حسن بيريش 

(1)
عبد الإله ابن كيران لا يلج المشهد السياسي بهدوء وتردد. إنه يدخل واثقا، صاخبا، مثل جملة تعرف مسبقاً أنها ستثير زوابع المعاني في الكلام.
يلج ويترك وراءه السؤال:
– ماذا قال ابن كيران هذه المرة ؟!

(2)
هذا رجل مختلف عن السائد، لا يحب أن يقف في منتصف الكلام. إما أن يدخله إلى نهاية تأويله، أو يجعله مفتوحا على رعود وعواصف.
يتسم بميل واضح إلى الكلام المباشر، وإلى تسمية الأشياء بأوضح أسمائها، كما يراها هو، وإلى توظيف اللغة اليومية المتداولة، عوض اللغة السياسية المصقولة التي اعتادها السياسيون.
هو لا يتحدث دائماً كما يتحدث السياسيون. هو
يتحدث كما يتحدث رجل يجلس في مقهى شعبي، أو في جلسة أصدقاء، أو أمام جمهور يعرفه ويعرف طريقته الاستعراضية في الكلام.
هنا تكمن قوته.
وهنا تتبدى مشكلته أيضا.
قوته تكمن في أنه يبدو قريباً من الناس.
ومشكلته تتبدى في كون القرب السياسي لما يتحول إلى خطاب عفوي يمكن أن يخرج – أحياناً – من حدود الحساب السياسي التقليدي.
هذا الفاعل السياسي استطاع أن يجعل العفوية نفسها جزءاً من صورته السياسية. حتى الانفعال عنده لا يبدو دائماً عارضاً، وإنما يكاد يصبح جزءاً من شخصيته التي يعرفها المغاربة.

(3)
عبد الإله ابن كيران لا يبدو معنياً كثيراً بأن تكون خرجته السياسية مجرد موقف يقال ثم يطوى. الكلام عنده ليس وسيلة للتواصل فقط، وإنما حدث قائم٧ بذاته.
كلمة واحدة منه قد تفتح نقاشاً، وجملة قصيرة قد تستفز خصوماً، ونكتة عابرة قد تتحول إلى مادة للتداول الواسع، وعبارة عفوية قد تصبح عنواناً سياسياً لنقاش عمومي يدوم أياما.
إنه ليس مجرد سياسي له مواقف، إنه، قبل ذلك وربما بعده، سياسي يعرف كيف يصنع من الموقف مشهداً، وكيف يحول المشهد إلى حدث، وكيف يصبح الحدث حضوراً مثيرا.
بعض خصومه السياسيين يتحدثون، ثم ينتهي مفعول كلامهم بانتهاء وقت خطابهم. أما هو إذا تكلم تبدأ الحكاية بعد أن ينتهي كلامه.

(4)
هذا الرجل يدرك أن السياسة لا تكمن، فقط، فيما تفعله داخل المؤسسات، وإنما تتجلى، أيضاً، فيما تقوله خارج حدودها.
هنا يكمن سر خرجاته المثيرة، تلك التي لم تكن، يوما، مجرد بيانات عابرة، أو باردة.
إنه يرفع صوته، يضحك، يغضب، يمزح، يهاجم، يروي الحكايات، يستحضر الماضي، يعود إلى التفاصيل الصغيرة، ثم يترك للناس مهمة تحويل كلامه إلى نقاش عمومي، مرددا لازمته الشهيرة: “فهمتيني ولا لا” !
هذه واحدة من أكثر خصائصه السياسية إثارة للاهتمام: لا يحتاج دائماً إلى صناعة الخبر، أحياناً يكفي أن يتكلم كي يصنع الخبر بنفسه.
المثير في شخصية عبد الإله ابن كيران، أنه إلى جانب إدراكه لقوة الكلمة، يعرف جيدا أن الكلمة قد تنقلب على صاحبها !

(5)
حضوره خارج كرسي السلطة، يمنحه قدرة مضمونة على المناورات السياسية. ابن كيران في المعارضة ليس ابن كيران في الحكومة. الأول يستطيع أن يرفع سقف الكلام. أما الثاني فكان مطالباً بأن يحسب ثمن كل كلمة.
أستطيع القول إنه يبدو، في خرجاته المعارضة، أكثر انسجاماً مع طبيعته السياسية. إنه يحب المواجهة. يحب الخصومة السياسية الواضحة. يحب أن يكون هناك طرف آخر يمكن أن يختلف معه.
لذا، لا تمر خرجاته بسهولة. هو لا يتحدث لكي يثبت وجوده فقط. إنه يتحدث لكي يضع خصمه في موضع الرد. وهذه مهارة سياسية لا ينبغي الاستهانة بها.

(6)
ذكاء هذا السياسي يتجلى في أنه يعرف أن المغاربة لا يتذكرون دائماً البرنامج، لكنهم يتذكر الجملة. ولا يتذكرون تفاصيل الخطاب، بقدر ما يتذكرون اللحظة. ينسون الصفحة كاملة، ويستحضرون الكلمات التي جعلته يضحك، أو يغضب، أو يتساءل بسخرية.
هل يصح القول: أنه تحول إلى صانع ذاكرة ؟؟
ما يبدو لي، أنه نجح، عبر سنوات طويلة، في صناعة لحظات بقيت مرتبطة باسمه.
ليس بالضرورة لأن الجميع يتفق معه. بل أحياناً لأن الجميع يختلف حوله. وهذا أيضاً شكل آخر من أشكال الحضور.
تأمل خرجاته، حلل خطاباته، سيبدو لك أنه يمتلك ما أسميه: الحس الدرامي للحظة.
– يعرف متى يرفع صوته.
– متى يصمت.
– متى يطلق ابتسامته المتكررة الساخرة.
– متى يترك الجملة معلقة.
– متى يذهب إلى العبارة الصادمة.
إنه لا يلقي خطاباً.
إنه يبني مشهداً.
والفرق كبير وشاسع.
المشهد قابل للتداول، بينما الخطاب قد يموت بانتهاء المناسبة.
من هنا، يمكن القول عنه أنه غادر المنصب، لكنه لم يغادر المشهد.

(7)
هذا رجل شعبي، مشاكس، صريح، محافظ، صاحب لغة لا تحتاج إلى قاموس لفهمها، و بطل الخروج المثير. هذا ما جعل حضوره مختلفاً تماما عن سواه من زعماء الأحزاب السياسية.
بيد أن هذه القدرة على صناعة الحدث لها وجه آخر. فالسياسي الذي يجعل الكلام جزءاً من قوته، يجعل الكلام أيضاً جزءاً من مخاطره.
إذ كلما ارتفع سقف العبارة عاليا، اتسع كثيرا مجال تأويلها.
وكلما اقترب السياسي من اللغة الشعبية، ازدادت قابلية كلماته للاقتطاع والتداول.
وكلما جعل شخصيته جزءاً من خطابه، أصبح أي جدل حول الخطاب جدلاً حول الشخصية نفسها.
مع ذلك، وربما من أجل ذلك، يصر ابن كيران على أن يكون حاضرا في الجملة، وأن تكون الجملة حاضرة فيه !

(8)
قد يبدو أن زعيم العدالة والتنمية مجرد “ظاهرة كلامية”. لكن عند تحليل خطاباته، ورصد تاريخه السياسي، يتضح أنه ليس كذلك.
يمكن القول إن ابن كيران ظاهرة، بيد أنها ليست وليدة الميكروفون. الميكروفون فقط كشف الظاهرة ومنحها مختلف أبعادها في الساحة السياسية.
إنه لا يبدو راغباً في أن يصبح مجرد صفحة من الماضي. كل عودة له إلى الواجهة تحمل شيئاً من إعلان البقاء.
كأنه يقول للسياسة المغربية:
لم أنتهِ بعد.
قد تختلف معه.
قد تتفق معه.
قد تراه رجل مرحلة انتهت.
وقد تراه رقماً لا يمكن تجاوزه.
لكن شيئاً واحداً لا يمكنني تجاهله: عبد الإله ابن كيران ما زال يعرف كيف يجعل حضوره سؤالاً.
السياسي الذي يتحول إلى سؤال، أخطر من السياسي الذي يتحول إلى جواب.
الجواب ينتهي.
السؤال يبقى مفتوحاً.

(9)
هو سياسي يحمل داخله خطيباً.
وهو خطيب يحمل داخله رجل مواجهة.
وهو شخصية شعبية تعرف أن السياسة لا تعيش في البرلمان وحده. إنها تعيش أيضاً في الشارع، في المقهى، في الهاتف، في مواقع التواصل، وفي الفيديو القصير الذي ينتشر أسرع من المقال الطويل.
هنا يبدو ابن كيران متكيفاً – بصورة لافتة – مع عصر الصورة، وزمن المقطع القصير.
إنه لا يملك – فقط – خطاباً سياسياً.
إنه يملك – أيضا – شخصية قابلة للاقتطاع.
– وجهه.
– نبرته.
– ضحكته.
– غضبه.
– حركات يديه.
– طريقته في شد الكلمات.
– انفعاله.
– سخريته.
حالات وتجسدات تجعل كلامه قابلاً لأن يتحول إلى مادة مستقلة عن سياقه الأصلي. وربما هذا ما يفسر جزءاً من استمرار حضوره.
بعض السياسيين يحتاجون إلى مؤسسة كي يظهروا. أما ابن كيران فهو يحتاج إلى ميكروفون فقط !

(10)
إن ابن كيران ليس فقط رئيس حكومة أسبق، ولا أميناً عاماً لحزب سياسي، ولا زعيماً سابقاً لحركة سياسية.
إنه، في المشهد المغربي، شخصية سياسية صنعت لنفسها أسلوباً خاصاً في الظهور. أسلوباً يقوم على الحضور الشخصي، واللغة المباشرة، والمواجهة، واستدعاء الجمهور إلى قلب المشهد.
قد تكون هذه هي موهبته السياسية الأبرز: أنه لا يكتفي بأن يكون جزءاً من الحدث. إنه يعرف كيف يجعل نفسه حدثاً.
ها هنا – تحديداً – تكمن قصة الرجل.

(11)
يبدو لي أنه لا يمكن كتابة بورتري عن ابن كيران بلغة محايدة تماماً من الناحية الأدبية. ليس لأن الوقائع يصعب ضبطها، بل لأن الرجل نفسه يقدم مادة شديدة الكثافة للقراءة والتأويل.
“فهمتوني ولا لا” !؟

(12)
ها أنا أغادر تاركا السؤال:
– ماذا قال ابن كيران هذه المرة ؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى