24 ساعةأخبار وطنيةالواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

بين الأصالة والتحديث : نحو مقاربة أنثروبولوجية ومجالية لإعادة إنتاج التراث المحلي

فنون أحواش نموذجا لصيانة الذاكرة الجماعية وتجديد التعبير الثقافي وتحقيق التنمية المستدامة

إعداد : ذ. عبد اللطيف قاسم

تمهيد : من رفض تحنيط التراث إلى بناء سياسة ثقافية متجددة.

يطرح التصريح الصادر عن إدارة المهرجان الوطني لفنون أحواش بورزازات، الذي يرفع شعار «رفض تحنيط التراث»، إشكالية تتجاوز حدود النقاش الفني حول أساليب تقديم العروض الموسيقية التقليدية، لتلامس سؤالا أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط المجتمعات بذاكرتها الثقافية، وبكيفية تدبير التحولات التي تعرفها أشكال التعبير التراثي في سياق العولمة والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.

فهل تتمثل حماية التراث في المحافظة على أشكاله التاريخية كما وصلت إلينا، أم في ضمان استمرار قدرته على التعبير عن المجتمع الذي أنتجه، والتفاعل مع التحولات التي يعيشها؟ وهل يمكن تجديد فنون أحواش عبر الانفتاح على التجارب الفنية العالمية دون إفراغها من دلالاتها الاجتماعية والرمزية، أو تحويلها إلى منتج استعراضي موجّه أساسا للاستهلاك السياحي والتجاري؟

إن هذه الأسئلة تستدعي تجاوز الثنائية المبسطة التي تضع الأصالة في مواجهة الحداثة، وكأنهما مجالان متعارضان بالضرورة. فالتراث، في منظور الأنثروبولوجيا الثقافية والسوسيولوجيا، ليس بقايا جامدة من الماضي، وإنما رصيد متراكم من المعارف والممارسات والرموز والعلاقات الاجتماعية، يعيد المجتمع من خلاله إنتاج هويته، والتفاوض بشأن معانيها، وتكييفها مع شروط الحاضر وتطلعات المستقبل.

ومن هذا المنطلق، فإن رفض «تحنيط التراث» لا ينبغي أن يفهم باعتباره دعوة مفتوحة إلى تغيير الأشكال التقليدية أو إخضاعها لمقتضيات السوق والفرجة، بل باعتباره دعوة إلى بناء مقاربة متوازنة تجمع بين صيانة الذاكرة الثقافية، واستمرارية الممارسة الاجتماعية، وتشجيع الإبداع، وضمان حقوق حاملي التراث، وتوسيع مشاركة الأجيال الجديدة في إعادة إنتاجه.

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة في حالة فنون أحواش، باعتبارها أشكالا متعددة ومتنوعة من التعبير الفني الجماعي المرتبط بمجالات أمازيغية مختلفة، ومن بينها ورزازات والمجالات الواحية والجبلية المحيطة بها. فهي ليست مجرد عروض للغناء والإيقاع والحركة، بل تتداخل فيها اللغة والشعر والذاكرة الشفوية والجسد واللباس والعلاقات بين الأجيال، كما ترتبط، بدرجات متفاوتة بحسب المناطق والسياقات، بالمناسبات الاجتماعية والاحتفالية وبأنماط العيش والتنظيم الجماعي.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من منطق المحافظة على التراث باعتباره موضوعا للعرض، إلى مقاربة تعتبره منظومة ثقافية واجتماعية حية، ورافعة محتملة للتنمية المجالية، ومجالا لإعمال الحقوق الثقافية والمشاركة المدنية.

وتدافع هذه المقالة عن أطروحة مركزية مفادها أن استدامة التراث لا تتحقق بتجميد أشكاله، ولا بإطلاق العنان لتحويلها التجاري، وإنما ببناء توازن واعٍ بين استمرارية المرجعيات الثقافية، وحرية الإبداع، وحقوق الجماعات الحاملة للتراث، وشروط الإنصاف في الاستفادة من قيمته الثقافية والاقتصادية.

1. الاطار المفاهيمي : ماذا نعني بصيانة التراث وتجديده؟

يتطلب النقاش العلمي حول التراث التمييز بين مفاهيم متقاربة في التداول، لكنها ليست مترادفة من الناحية النظرية والمنهجية.

1. التراث بوصفه بناء اجتماعيا وتاريخيا :

لا يختزل التراث في مجموعة من العناصر القديمة التي تنتقل آليا من جيل إلى آخر. إنه عملية اجتماعية تتحدد من خلال اختيار المجتمع لبعض الممارسات والمعارف والرموز، وإعادة تأويلها، ومنحها قيمة خاصة باعتبارها تعبيرا عن الذاكرة والانتماء والاستمرارية.

وبهذا المعنى، فإن التراث ليس الماضي في ذاته، وإنما علاقة الحاضر بالماضي؛ أي الكيفية التي يستحضر بها المجتمع تجاربه السابقة، ويعيد توظيفها في بناء معانيه الجماعية وتصوراته للمستقبل.

ولا يعني ذلك أن كل تغيير يحظى بالقبول أو أن كل ممارسة جديدة تصبح تراثا بمجرد ظهورها. فالتوارث الثقافي يحتاج إلى الزمن، وإلى الاعتراف الاجتماعي، وإلى مسارات من التعلم والممارسة والتداول وإعادة الإنتاج.

2. صيانة التراث ليست مرادفا لتجميده :

تقوم صيانة التراث على اتخاذ التدابير اللازمة لضمان استمراريته، وتوثيق معارفه، وتعزيز شروط ممارسته ونقله بين الأجيال، مع احترام خصوصياته وتنوع تعبيراته.

وفي مجال التراث الثقافي غير المادي، تبرز أهمية مفهوم الصون، الذي لا يقتصر على حفظ تسجيلات أو وثائق، بل يشمل تحديد الممارسات والمعارف وتوثيقها، وتعزيز البحث بشأنها، ونقلها عبر التعليم والتعلم والتكوين، وضمان الظروف الاجتماعية والثقافية التي تسمح باستمرارها.

لذلك، فإن توثيق فن أحواش بالصوت والصورة، وإن كان ضروريا ، لا يكفي وحده لضمان استمراره. فقد تتوافر أرشيفات غنية بالعروض، بينما تتراجع فرص التعلم والممارسة داخل الجماعات المحلية، أو ينقطع التواصل بين الأجيال، أو تتقلص الموارد التي تسمح للفنانين بمواصلة نشاطهم.

إن التراث يظل حيا عندما يستمر الناس في ممارسته وتعلمه وتطويره، وليس فقط عندما يصبح موضوعا للتسجيل أو العرض.

3. التحنيط التراثي: مفهوم نقدي لا وصف حرفي :

يمكن استخدام مفهوم «تحنيط التراث» بوصفه استعارة نقدية للدلالة على تحويل الممارسة الثقافية إلى صورة ثابتة، تخضع لمعايير جامدة للأصالة، وتمنع من التفاعل مع التحولات الاجتماعية والإبداعية.

ويظهر هذا الخطر عندما تختزل الأصالة في إعادة إنتاج شكل واحد من الأداء، أو حين يمنح بعض الفاعلين حق احتكار تعريف التراث، أو عندما تتحول المهرجانات إلى فضاءات لاستعادة صورة متخيلة عن الماضي، منفصلة عن الحياة اليومية للمجتمع.

غير أن المحافظة على بعض القواعد الفنية أو الطقوسية لا تعني بالضرورة تحنيط التراث؛ فقد تكون هذه القواعد جزءا من هوية ممارسة معينة، وقد يكون الحفاظ عليها ضروريا لفهم بنيتها ونقلها.

ومن ثم، فإن المعيار العلمي ليس مقدار التغيير في حد ذاته، وإنما طبيعة التغيير، ومدى احترامه للسياق الثقافي، وموقع حاملي التراث في اتخاذ القرار بشأنه.

4. الفلكلرة والتسليع: حين يتحول التراث إلى منتج استعراضي:

الأدق في هذا السياق استعمال مفهوم الفلكلرة (Folklorisation) للدلالة على عملية اختزال الممارسات الثقافية في صور وعناصر قابلة للعرض والفرجة، غالبا عبر انتقاء جوانبها الأكثر جاذبية للجمهور، مع إضعاف صلتها بسياقاتها الاجتماعية والتاريخية.

أما تسليع التراث فيشير إلى تحويل عناصره أو عروضه أو رموزه إلى منتجات قابلة للتبادل التجاري، وفق منطق السوق والطلب والاستهلاك.

وقد تتقاطع الفلكلرة مع التسليع، لكنهما ليسا شيئا واحدا. فالأولى تتعلق بكيفية تمثيل التراث وتقديمه، بينما يتعلق الثاني بعلاقته بالقيمة الاقتصادية والتبادل التجاري.

كما أن تقديم التراث في المهرجانات أو تسويقه سياحيا لا يؤدي بالضرورة إلى تشويهه؛ إذ يمكن أن يساهم في توفير الموارد والاعتراف بالفنانين، شريطة ألا يتحول الطلب التجاري إلى سلطة تحدد وحدها ما يستحق البقاء وما ينبغي تغييره.

وبالتالي، لا ينبغي وضع السياحة والإبداع والتحديث في مواجهة الأصالة بصورة آلية، وإنما إخضاعها لمعايير الإنصاف الثقافي، واحترام الحقوق، واستدامة الممارسة.

5. التثاقف والحوار بين الثقافات والتمازج الفني :

يتطلب الحديث عن الانفتاح على الموسيقى العالمية التمييز بين ثلاثة مستويات:

 التثاقف: يشير إلى التحولات الثقافية التي تنشأ من الاتصال المستمر بين جماعات أو أنساق ثقافية مختلفة، وقد تكون متبادلة أو غير متكافئة.

 الحوار بين الثقافات: يقوم على التفاعل والتبادل والاعتراف المتبادل، دون افتراض ذوبان الخصوصيات في ثقافة واحدة.

 التهجين أو التمازج الفني: يتعلق بإنتاج أشكال تعبيرية جديدة من خلال الجمع أو التفاعل بين عناصر فنية مختلفة.

ولا يعني التثاقف بالضرورة التلاقح المتكافئ؛ فقد يتم في ظل تفاوتات في القوة والموارد والقدرة على الانتشار الإعلامي. كما أن التمازج الفني ليس ناجحا لمجرد جمع آلات أو إيقاعات من تقاليد مختلفة، بل يتوقف على عمق التفاعل، واحترام البنى الفنية والثقافية، وقدرة المشاركين على إنتاج صيغة إبداعية ذات معنى.

لهذا، فإن التعاون بين فرق أحواش وفنانين من موسيقى الجاز أو الموسيقى السمفونية أو الإلكترونية يمكن أن يشكل فرصة إبداعية، لكنه يظل تجربة تحتاج إلى التحضير والتجريب والتقييم، ولا ينبغي اعتباره في ذاته ضمانة لحماية التراث أو تطويره.

2. فنون أحواش باعتبارها منظومة ثقافية واجتماعية:

1. من العرض الفني إلى الممارسة الجماعية:

لا تكمن أهمية أحواش في خصائصه الصوتية والحركية وحدها، بل في علاقته بالتنظيم الجماعي وبأنماط التعبير والتواصل داخل المجتمعات التي تمارسه.

فالأداء الجماعي، بما قد يتضمنه من شعر وإيقاع وحركة وتفاعل بين المشاركين، يتيح إنتاج معنى مشترك، ويجسد أشكالا من التنسيق والتجاوب والانتماء. وتختلف هذه الأشكال بحسب المناطق والفرق والمناسبات، وهو ما يجعل التعامل مع أحواش باعتباره قالباً موحداً وثابتاً تبسيطاً لتنوعه الداخلي.

ومن منظور سوسيولوجي، يمكن دراسة أحواش بوصفه فضاء لإنتاج الروابط الاجتماعية، وتداول القيم، وإظهار المكانة والمهارة، وبناء الاعتراف المتبادل بين المشاركين. غير أن هذه الوظائف لا ينبغي افتراضها مسبقا ؛ بل يتعين التحقق منها ميدانيا ، من خلال ملاحظة الممارسات والاستماع إلى الفاعلين وتحليل السياقات التي يجري فيها الأداء.

كما أن الجماعية لا تعني بالضرورة المساواة الكاملة. فقد تتباين فرص الظهور والقيادة والمشاركة بين الأفراد والجماعات، تبعا للعمر والنوع الاجتماعي والمكانة الاجتماعية والخبرة الفنية. ولذلك، ينبغي أن تشمل الدراسة العلمية الأسئلة المتعلقة بتوزيع الأدوار، وإمكانية المشاركة، والسلطة الرمزية داخل الفرق والمناسبات.

2. الذاكرة الشفوية ونقل المعرفة بين الأجيال:

يمثل التوارث الشفوي أحد المداخل الأساسية لفهم استمرارية أحواش. فالمعارف الفنية لا تنتقل من خلال النصوص المدونة وحدها، وإنما عبر الممارسة والمشاهدة والمحاكاة والتصحيح والتعلم داخل الجماعة.

وقد يشمل هذا التوارث حفظ الأشعار، ومعرفة الإيقاعات، وأساليب الأداء، وقواعد التفاعل الجماعي، والسياقات المناسبة لبعض الأشكال التعبيرية، فضلاً عن المعرفة المرتبطة بصناعة الأزياء أو الأدوات المستعملة في الأداء.

إن توثيق هذه العناصر يقتضي تجاوز تسجيل العروض النهائية إلى توثيق مسارات التعلم نفسها: كيف يتعلم الشباب؟ من يلقنهم؟ ما الذي يصعب نقله؟ وما التحولات التي طرأت على طرق التعلم بفعل المدرسة والهجرة والإعلام الرقمي وتغير أنماط العيش؟

ومن هنا، فإن حماية التراث لا تنفصل عن دعم الأشخاص والجماعات الذين يحملونه، وتوفير الظروف التي تسمح لهم بممارسة أدوارهم التعليمية والإبداعية.

3. التراث والهوية الأمازيغية: من الجوهر الثابت إلى الانتماء المتعدد :

يشكل أحواش، في سياقاته المحلية المختلفة، أحد أشكال التعبير الثقافي المرتبطة بالذاكرة واللغة والتجربة الاجتماعية للمجتمعات الأمازيغية التي تمارسه.

غير أن المقاربة العلمية للهوية تقتضي تجنب تصورها باعتبارها جوهرا مغلقا لا يتغير. فالهوية تتشكل تاريخياً، وتتفاعل مع المجال والهجرة والتعليم والتحولات الاقتصادية والسياسية، كما تتضمن مستويات متعددة من الانتماء، المحلي والجهوي والوطني والإنساني.

ولا ينبغي، تبعاً لذلك، اختزال أحواش في صورة واحدة للأمازيغية، أو افتراض تطابق جميع ممارساته في البنية والمعنى والوظيفة. فالتنوع بين المناطق والفرق ليس عائقاً أمام صيانة التراث، بل جزء من قيمته الثقافية.

ومن المهم أيضا التمييز بين الهوية باعتبارها تجربة معيشة، والهوية باعتبارها تمثلا سياسيا أو إعلاميا. فقد تستعمل بعض العناصر التراثية لإبراز الانتماء والتضامن، وقد توظف أحيانا في بناء صور نمطية عن المجتمع أو في إقصاء بعض الأصوات من تعريف الثقافة المحلية.

لذلك، فإن حماية أحواش ينبغي أن تقوم على الاعتراف بالتعدد داخل التراث نفسه، وإتاحة المجال لحامليه كي يعبروا عن معانيه وتطوراته، دون احتكار تعريف هويته من طرف المؤسسات أو الخبراء أو الفاعلين التجاريين.

3. التراث والمجال : أحواش في سياقه الواحي والجبلي:

1. التراث ليس منفصلا عن بيئته المجالية :

يرتبط التراث الثقافي، في كثير من الحالات، بالمجال الذي نشأ وتطور داخله، بما يحمله هذا المجال من موارد طبيعية وأنماط عيش وذاكرات جماعية وشبكات اجتماعية.

وفي المجالات الواحية والجبلية المحيطة بورزازات، يمكن دراسة العلاقة بين فنون أحواش وبين أنماط الاستقرار والهجرة والتنقل والتبادل بين القرى والواحات والأسواق والمراكز الحضرية. لكن طبيعة هذه العلاقة ودرجة تأثيرها في كل شكل من أشكال أحواش تحتاجان إلى بحث تاريخي وميداني، ولا يصح افتراضهما بصورة متجانسة في جميع المناطق.

ويقتضي ذلك توثيق السياقات المحلية للأداء، وأسماء الفرق والممارسين، ومسارات انتقالهم، والعلاقات بين المناسبات الاجتماعية والممارسة الفنية، ومدى ارتباط بعض الأشكال التعبيرية بذاكرة المكان.

فالمجال هنا ليس مجرد خلفية جغرافية للعرض، بل قد يكون عنصرا من عناصر إنتاج المعنى الثقافي.

2. العلاقة بين التراث الطبيعي والثقافي :

تتيح المقاربة المجالية توسيع مفهوم التراث ليشمل العلاقة بين الممارسات الثقافية والموارد الطبيعية والمعارف البيئية المحلية.

فقد تتضمن الذاكرة الشفوية، في بعض السياقات، إشارات إلى الماء والزراعة والفصول والمناخ والواحة والحياة الرعوية. وتستحق هذه الصلات البحث والتوثيق، دون افتراض وجود علاقة مباشرة أو موحدة بين كل أشكال أحواش وهذه العناصر.

ومن شأن دراسة هذه الروابط أن تساهم في فهم التراث ضمن منظومة أوسع تشمل المعارف المحلية، والمناظر الثقافية، والعمارة التقليدية، والموارد المائية، وأنماط استعمال الأرض.

كما أن تدهور الواحات أو تقلص الأنشطة التقليدية أو الهجرة أو تغير البنية السكانية قد يؤثر في فرص ممارسة بعض أشكال التراث ونقله. لكن قياس هذا التأثير يتطلب معطيات ميدانية، ولا يكفي الربط النظري بين التحولات البيئية واختفاء الممارسات الثقافية.

3. من صيانة الفن إلى صيانة شروط استمراره المجالي :

إن الحفاظ على أحواش لا يتحقق بالضرورة عبر إقامة مهرجان سنوي، إذا كانت شروط ممارسته اليومية تتراجع، أو إذا لم تعد الفرق تجد فضاءات مناسبة للتدريب والاجتماع، أو إذا أصبحت المشاركة مكلفة بالنسبة إلى الفنانين والأسر.

ومن هنا، تبرز أهمية اعتماد مقاربة ترابية تجعل الثقافة جزءا من التخطيط المحلي والجهوي، وتربطها بالتعليم والسياحة المسؤولة والتنشيط الثقافي والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

ويقتضي ذلك التفكير في فضاءات دائمة للتدريب، ومراكز محلية للتوثيق، وبرامج للتكوين الفني، وشبكات للتعاون بين الجماعات الترابية والمؤسسات الثقافية والجمعيات والجامعات والفرق المحلية.

فالتراث المستدام هو الذي يجد شروط استمراره داخل المجال الذي يحتضنه، مع احتفاظه بإمكانية الانتشار والتفاعل خارج حدوده الأصلية.

4. التحديث الفني وحدوده : كيف نجدد أحواش دون إفراغه من دلالاته؟

1. التمييز بين تطوير شروط العرض وتغيير البنية الفنية :

ليس كل تحديث مساسا بالأصالة، كما أن كل تجديد لا يمثل بالضرورة تقدما فنيا .

فثمة فرق بين تطوير جودة الصوت والإضاءة والتوثيق، وتكييف مدة العرض مع متطلبات فضاء مسرحي معين، وبين تغيير البنية الإيقاعية أو الشعرية أو قواعد التفاعل الجماعي التي تمنح ممارسة محلية خصوصيتها.

قد تكون التغييرات التقنية مفيدة في توسيع جمهور أحواش، شريطة ألا تفرض إيقاعا إنتاجيا أو استعراضيا يقوض شروط الأداء أو يهمش المشاركين الأصليين.

أما التغييرات التي تمس العناصر الفنية والثقافية الأساسية، فتحتاج إلى نقاش مع الممارسين والباحثين، وإلى تجريب يتيح تقييم آثارها قبل تعميمها.

ولا يمكن تحديد «النواة الأصلية» لأحواش بصورة مجردة ونهائية، لأن الممارسات التراثية قد عرفت تاريخيا تنوعا وتحولات. ولذلك، ينبغي أن يستند تحديد العناصر المرجعية لكل ممارسة إلى التوثيق والمقارنة التاريخية والمعرفة التي يحملها الممارسون، لا إلى افتراض وجود نموذج واحد نقي وثابت.

2. التمازج الموسيقي: فرصة إبداعية أم اختزال استعراضي؟

إن تنظيم إقامات فنية مشتركة بين فرق أحواش وفنانين من تقاليد موسيقية أخرى يمكن أن يشكل مدخلا مهما للتجريب، إذا بني على التعارف المتبادل والبحث والتعاون الفعلي.

ويمكن لهذه الإقامات أن تختبر إمكانات الحوار بين الإيقاعات المحلية وأنماط موسيقية أخرى، بما فيها الجاز والموسيقى المعاصرة والتجارب الإلكترونية، دون افتراض أن جميعها قابلة للاندماج بالطريقة نفسها.

فالنجاح لا يقاس بعدد الآلات الأجنبية التي تضاف إلى العرض، ولا بمدى إبهار المؤثرات البصرية، وإنما بقدرة التجربة على إنتاج حوار فني متكافئ، يحافظ على قابلية التعرف على التعبير المحلي، ويفتح في الوقت نفسه إمكانات جديدة للإبداع.

ويستحسن أن تتضمن هذه الإقامات مراحل للبحث والتعارف والتجريب، وأن يشارك فيها شعراء وموسيقيون وحاملو المعرفة المحلية وباحثون، مع توثيق القرارات الفنية والخلافات والنتائج، لا الاكتفاء بتسجيل العرض النهائي.

كما ينبغي التمييز بين العرض التراثي في سياقه المحلي، والعرض التجريبي الذي يستلهم أحواش، والعمل الهجين الناتج عن تفاعل تقاليد متعددة. فهذا التمييز لا يرسم حدودا جامدة، بل يتيح للجمهور معرفة طبيعة العمل ومصدر عناصره، ويمنح المبدعين حرية التجريب دون تقديم كل إنتاج جديد باعتباره ممثلا وحيدا للتراث.

3. الشعر والمضامين المعاصرة :

يمكن لتجديد أحواش أن يشمل المضامين الشعرية والموضوعات التي يتناولها الأداء، من قضايا البيئة والهجرة والتحولات الاجتماعية إلى التعليم والمواطنة والعلاقات بين الأجيال.

غير أن إدخال موضوعات جديدة ينبغي أن يراعي الخصائص اللغوية والشعرية والإيقاعية لكل ممارسة محلية. فلا يكفي نقل موضوع معاصر إلى كلمات مغناة حتى يتحقق التجديد الفني.

والأهم هو تمكين الشعراء والممارسين، بمن فيهم الشباب والنساء، من المشاركة في تطوير المضامين، مع إتاحة المجال لتعدد الرؤى والتجارب. فالتراث الحي ليس أداة لتكرار خطاب واحد، بل فضاء يمكن أن يعبر عن التوافق والاختلاف والتحولات التي يعيشها المجتمع.

4. التكنولوجيا الرقمية: من التوثيق إلى إنتاج معرفة قابلة للتداول:

تتيح التقنيات الرقمية فرصا واسعة لتوثيق أحواش ونشره، لكنها تطرح أيضاً أسئلة تتعلق بالملكية الفكرية، والموافقة على التسجيل، والحقوق الجماعية، واستعمال الصور والأصوات في السياقات التجارية.

ومن ثم، فإن إنشاء أرشيف رقمي ينبغي أن يقوم على منهجية علمية تتضمن تسجيل البيانات المتعلقة بالمكان والتاريخ والمناسبة والمشاركين واللغة والنسخة الفنية، مع توثيق مصادر المعلومات ومستويات اليقين بشأنها.

كما ينبغي تحديد شروط الاطلاع على المواد، وآليات طلب الإذن بإعادة استخدامها، وحقوق المؤدين والشعراء والمصورين، ومصالح الجماعات المحلية المعنية.

ويتعين أيضا مراعاة أن بعض المعارف أو الممارسات قد تكون مرتبطة بسياقات خاصة، ولا يعني إمكان تسجيلها تقنيا أن نشرها متاح تلقائيا دون قيود.

5. التراث والاقتصاد : من القيمة الثقافية إلى التنمية المحلية المنصفة.

1. أحواش وإمكانات الاقتصاد الثقافي:

يمكن للتراث أن يساهم في خلق فرص اقتصادية عبر تنظيم المهرجانات، وتنشيط السياحة الثقافية، وتطوير الصناعات التقليدية، وإنتاج المحتويات السمعية البصرية، وتقديم خدمات التكوين والتوثيق والإرشاد الثقافي.

لكن ينبغي التمييز بين القيمة الاقتصادية المحتملة للتراث، والمنافع الفعلية التي يحصل عليها حاملوه.

فقد ترتفع عائدات التظاهرات الثقافية، بينما تظل أجور الفنانين محدودة أو غير مستقرة، وقد يستفيد الوسطاء والمنظمون أكثر من الفرق المحلية، أو تتركز الأنشطة الاقتصادية في عدد محدود من المواقع والمؤسسات.

ولهذا، لا ينبغي تقييم نجاح المهرجان بعدد الزوار أو حجم التغطية الإعلامية وحدهما، وإنما أيضا بمدى تحسين شروط اشتغال الفنانين، واستمرارية الفرق، ومشاركة المقاولات والتعاونيات المحلية، وتوزيع المنافع داخل المجال الترابي.

2. نحو سلسلة قيمة ثقافية عادلة:

يقتضي الانتقال إلى اقتصاد ثقافي مستدام تحديد مختلف الفاعلين المشاركين في إنتاج القيمة التراثية، من الشعراء والعازفين والممارسين والحرفيين إلى الباحثين والموثقين والمنظمين والفاعلين السياحيين.

ويمكن بناء سلسلة قيمة ثقافية تستند إلى مبادئ واضحة، منها:

اعتماد عقود شفافة ومقابل مادي منصف للفنانين والمساهمين.

ضمان الاعتراف بأصحاب الإبداع والمعارف عند التسجيل والنشر وإعادة الاستخدام.

تشجيع الخدمات والمنتجات المحلية المرتبطة بالتظاهرات الثقافية.

تطوير التكوين في التدبير الثقافي والتسويق المسؤول والتوثيق الرقمي.

إعادة استثمار جزء من العائدات في التكوين ونقل المعرفة وصيانة الفضاءات الثقافية.

تجنب اختزال المجتمعات المحلية في دور الفرجة السياحية أو اعتبار هويتها موردا تجاريا متاحا دون ضوابط.

ويمكن للاقتصاد الاجتماعي والتضامني أن يوفر بعض الصيغ التنظيمية المناسبة لهذه الغاية، من خلال التعاونيات والجمعيات المهنية والشراكات المحلية، شريطة احترام القوانين المؤطرة لكل صيغة وضمان الحكامة والشفافية.

3. قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي:

يحتاج تقييم الأثر إلى مؤشرات تتجاوز الأرقام الإجمالية، مثل عدد الفنانين المحليين المستفيدين، واستقرار دخلهم، وعدد فرص العمل المستحدثة، ونسبة المشتريات المحلية، ومشاركة النساء والشباب، وحجم الاستثمار الموجه إلى نقل المهارات.

كما ينبغي التمييز بين النشاط الاقتصادي الذي يحدث خلال أيام المهرجان، والأثر المستدام الذي يبقى بعد انتهائه.

فالتظاهرة الناجحة تنمو قيمتها التنموية عندما تساهم في بناء قدرات محلية، وتطوير شبكات التعاون، وخلق فرص متكررة للعمل والتكوين، وليس فقط في تحقيق حركة اقتصادية ظرفية.

6. الأبعاد المدنية والسياسية : من الاحتفاء بالتراث إلى إعمال الحقوق الثقافية.

1. التراث باعتباره حقا ثقافيا :

إن صيانة التراث ليست مجرد اختيار جمالي أو مبادرة ترويجية، بل ترتبط بحق الأفراد والجماعات في المشاركة في الحياة الثقافية، والتعبير عن هوياتهم، وممارسة أشكالهم الثقافية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.

وفي هذا السياق، يوفر الدستور المغربي لسنة 2011 مرجعية مهمة، من خلال اعترافه بتعدد روافد الهوية الوطنية، وبالمكانة الدستورية للغتين العربية والأمازيغية، وبأهمية الثقافة في البناء المجتمعي.

كما يشكل القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، إلى جانب الإطار القانوني والمؤسساتي المرتبط بالسياسات الثقافية، جزءاً من المرجعية الوطنية ذات الصلة، مع ضرورة الرجوع إلى النصوص الرسمية عند تحديد مقتضياتها التفصيلية ومدى انطباقها على كل إجراء.

وعلى المستوى الدولي، تشكل اتفاقية اليونسكو لعام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي مرجعا أساسيا ، لأنها تجعل المجتمعات والجماعات والأفراد الذين يبدعون التراث ويحافظون عليه وينقلونه أطرافا مركزية في تحديده وصونه.

وتؤكد هذه المرجعيات أن صيانة التراث لا ينبغي أن تتحول إلى عملية إدارية أو فنية تنجز باسم المجتمع دون مشاركته، بل يجب أن تضمن حضوره الفعلي في تحديد الأولويات واختيار أساليب التوثيق والتطوير وتقييم النتائج.

2. الحكامة الثقافية والمشاركة المجتمعية :

يقتضي تدبير التراث اعتماد حكامة تشاركية تحدد مسؤوليات المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيئات الثقافية والجامعات والجمعيات والفرق الفنية.

ويمكن أن تشمل هذه الحكامة آليات للتشاور المنتظم مع حاملي التراث، وللإفصاح عن معايير دعم الفرق، وتحديد شروط المشاركة في المهرجانات، ونشر نتائج البرامج الثقافية، وتقييم توزيع الموارد والمنافع.

كما ينبغي أن تكون المشاركة أوسع من استشارة رمزية تسبق اتخاذ القرار. فالمشاركة الفعلية تعني تمكين الفاعلين المحليين من التأثير في القرارات المتعلقة بالبرمجة والتمويل والتوثيق والنشر واستعمال المعارف والمواد التراثية.

ويستدعي ذلك الاهتمام بالفئات التي قد لا تتمتع بالقدرة نفسها على الوصول إلى فضاءات القرار، ولا سيما النساء والشباب والممارسين في القرى البعيدة عن المراكز الحضرية.

3. التراث والسياسة: الاعتراف دون التوظيف:

لا يعيش التراث خارج علاقات القوة. فاختيار ما يعرض، ومن يمثل الثقافة المحلية، وما يحصل على التمويل والظهور الإعلامي، كلها قرارات قد تؤثر في توزيع الاعتراف والموارد داخل المجتمع.

وقد تساهم المؤسسات العمومية والمهرجانات في تعزيز مكانة الثقافة المحلية، لكنها قد تؤدي، إذا غابت الشفافية والتعددية، إلى تثبيت صورة رسمية واحدة عن التراث أو منح بعض الفاعلين قدرة أكبر على تمثيله.

ولا يعني ذلك أن كل دعم عمومي للتراث هو توظيف سياسي، وإنما يستدعي اعتماد معايير واضحة للفصل بين الرعاية الثقافية المشروعة والاحتكار الرمزي أو الاستعمال الدعائي.

فالسياسة الثقافية الرشيدة لا تفرض على التراث خطابا سياسيا واحدا ، ولا تعزله عن التحولات الاجتماعية، بل تضمن تعددية التعبير، وتكافؤ فرص المشاركة، واستقلالية الإبداع، وربط الدعم العمومي بالمصلحة الثقافية العامة.

7. من المحلي إلى الوطني والدولي : بناء حوار ثقافي متكافئ .

1. المستوى المحلي: حماية التنوع داخل المجال.

ينبغي أن تنطلق استراتيجية صيانة أحواش من التوثيق الدقيق للتنوع المحلي، وعدم اختزال الممارسات المختلفة في نموذج موحد تفرضه متطلبات البرمجة أو التسويق.

ويمكن للمهرجان الوطني لفنون أحواش بورزازات أن يشكل منصة للتلاقي بين الفرق، وتبادل الخبرات، وإبراز التنوع الفني، بشرط ألا يحل محل الممارسة الثقافية في سياقاتها المحلية.

كما يمكنه أن يؤدي دور الوسيط بين الفنانين والمؤسسات التعليمية والبحثية والجماعات الترابية، بما يسمح بتحويل التظاهرة من حدث سنوي محدود زمنياً إلى جزء من سياسة ثقافية مستمرة.

2. المستوى الوطني: إدماج التراث في السياسات الثقافية.

على المستوى الوطني، تبرز الحاجة إلى سياسة متكاملة تربط بين التوثيق العلمي، والتكوين الفني، وحماية حقوق المبدعين، ودعم البنيات الثقافية، وتعزيز حضور التراث في التعليم والإعلام.

كما أن التنسيق بين المؤسسات الثقافية والجامعات والمراكز البحثية يمكن أن يساعد على إنتاج معرفة علمية أكثر دقة حول تاريخ أحواش وتنوعه الجغرافي وخصائصه الشعرية والإيقاعية، دون إهمال المعرفة التي يحملها الممارسون أنفسهم.

ومن المهم كذلك ضمان التوازن بين دعم الممارسات التراثية الراسخة وتشجيع الأشكال الجديدة المستلهمة منها، مع توضيح الفروق بينهما، وتوفير فرص عادلة للوصول إلى التمويل والفضاءات الثقافية.

3. المستوى الدولي: الانفتاح دون فقدان القدرة على التمثيل الذاتي.

يتيح التعاون الدولي فرصا لتبادل الخبرات والتعريف بفنون أحواش في فضاءات أوسع، والاستفادة من تجارب التوثيق والصون والتعليم الفني.

لكن الانفتاح الدولي يطرح أيضا مسألة من يملك سلطة تمثيل التراث، ومن يتحكم في صورته المتداولة، وكيف توزع المنافع الناتجة عن استخدامه.

لذلك، ينبغي أن يقوم التعاون الدولي على الاعتراف بمساهمات الممارسين، واحترام حقوقهم، وتوثيق مصادر العناصر الفنية المستعملة، وتجنب تقديم التجارب المحلية باعتبارها مجرد مواد خام لإنتاج عروض عالمية.

ويمكن للإقامات الفنية المشتركة والمشاريع البحثية وبرامج التبادل الجامعي أن تشكل أدوات فعالة للحوار الثقافي، إذا بنيت على التكافؤ في القرار والإبداع والاستفادة، لا على علاقة أحادية الاتجاه بين ثقافة تعرض وثقافة تتحكم في شروط العرض.

8. نحو استراتيجية عملية لصيانة أحواش وتطويره :

إن الانتقال من الخطاب العام حول رفض تحنيط التراث إلى سياسة قابلة للتنفيذ يتطلب تحديد الأهداف والوسائل والجهات المسؤولة والمؤشرات التي تسمح بقياس النتائج.

المحور الأول: بناء مرجع علمي موثق :

− ينبغي إطلاق برنامج لجرد وتوثيق أشكال أحواش بحسب المناطق والفرق والممارسات، يشمل التاريخ الشفوي، والمتون الشعرية، والخصائص الإيقاعية والحركية، والأزياء والأدوات، وسياقات الأداء، وسير الممارسين.

− ويمكن تطوير مدونة مرجعية علمية ورقمية لأحواش تتضمن مواد صوتية وبصرية ونصية وبيانات وصفية دقيقة، مع مراعاة التعدد المحلي والحقوق المرتبطة بالتسجيل والنشر.

ومن الضروري التمييز بين الجرد الوصفي والتحليل العلمي؛ فالجرد يحدد ما يوجد وأين يوجد ومن يمارسه، بينما يسعى التحليل إلى تفسير تطوره ووظائفه وعلاقاته بالسياق الاجتماعي والتاريخي.

كما أن مصطلح «الأنطولوجيا الرقمية» يمكن استعماله عندما يتعلق الأمر ببناء نموذج معرفي منظم يحدد المفاهيم والعلاقات بينها، أما إذا كان المقصود مجرد جمع التسجيلات والنصوص، فالأدق الحديث عن أرشيف أو مدونة مرجعية رقمية.

المحور الثاني: ضمان استمرارية النقل بين الأجيال .

يقتضي هذا المحور :

− تطوير ورشات للتعلم والتكوين، وإقامة شراكات بين الفرق الفنية والمؤسسات التعليمية والثقافية، وتوفير فرص منتظمة للشباب للتعلم على أيدي الممارسين ذوي الخبرة.

− وينبغي ألا يتحول إدماج أحواش في المؤسسات التعليمية إلى فرض قالب رسمي واحد، بل إلى فرصة للتعرف على التنوع الثقافي المحلي، وتعلم مبادئ الممارسة الفنية، وفهم سياقاتها التاريخية والاجتماعية.

− كما يتعين دعم مشاركة النساء والفتيات والشباب وفق خصوصيات كل ممارسة محلية، مع تجنب فرض تصورات مسبقة عن الأدوار التي ينبغي أن يشغلها كل طرف.

المحور الثالث: تشجيع التجريب الفني المسؤول:

يمكن تنظيم إقامات فنية تجمع فرق أحواش وفنانين من تقاليد موسيقية أخرى، على أن تنطلق من مرحلة بحث وتعارف، ثم تجريب مشترك، ثم عرض وتقييم.

ومن المفيد أن تنتج هذه الإقامات أعمالا متنوعة: بعضها يلتزم بدرجة عالية من المحافظة على بنية الممارسة المحلية، وبعضها يستلهمها لإنتاج تعبيرات جديدة، وبعضها يجرب التفاعل بين أنظمة موسيقية مختلفة.

ويجب تقديم هذه الأعمال للجمهور بشفافية، مع توضيح طبيعتها ومصادرها، حتى لا يختلط التوثيق التراثي بالتجريب المعاصر.

المحور الرابع: تقوية البنية التحتية الثقافية المحلية.

لا ينبغي أن تظل الأنشطة الثقافية مرتبطة بالمهرجانات الموسمية. بل يتعين التفكير في فضاءات محلية للتدريب والاجتماع، ومراكز للتوثيق، ومكتبات رقمية، وبرامج للتكوين في الصوتيات والتصوير والتدبير الثقافي.

كما يمكن تطوير شراكات بين الجماعات الترابية والجهات والمؤسسات الثقافية والجامعات والفاعلين الجمعويين، مع توزيع واضح للمسؤوليات والموارد.

المحور الخامس: تطوير اقتصاد ثقافي منصف.

يتطلب هذا المحور :

− تحسين شروط التعاقد والتعويض للفنانين،

− وتطوير المهارات المهنية،

− ودعم المبادرات الاقتصادية المحلية المرتبطة بالثقافة،

− وضمان إعادة استثمار جزء من المنافع في صيانة التراث ونقله.

ويجب أن يظل نجاح الاستثمار الثقافي مرتبطا بجودة الممارسة واستمراريتها، لا بتحويلها إلى نشاط تجاري منفصل عن المجتمع الذي يحملها.

المحور السادس: إرساء آليات للتقييم والتتبع.

ينبغي وضع نظام لتقييم أثر البرامج والمهرجانات والإقامات الفنية، اعتمادا على مؤشرات قابلة للتحقق، مع إشراك الممارسين والجمهور والباحثين والجهات الممولة.

ويمكن أن يشمل التقييم تطور عدد الممارسين النشطين، وانتظام فرص التعلم، وعدد المواد الموثقة وفق معايير علمية، ومستوى مشاركة النساء والشباب، وشروط استفادة الفرق من التمويل، ومدى استمرار الشراكات بعد انتهاء الأنشطة.

والغاية ليست إخضاع الثقافة لمنطق الأرقام وحده، بل الاستفادة من المؤشرات لفهم ما تحقق، وتحديد الاختلالات، وتصحيح البرامج، مع احترام القيمة الرمزية والجمالية والاجتماعية للتراث.

9. الجامعة والبحث العلمي : من التوثيق إلى إنتاج المعرفة.

لا يمكن بناء استراتيجية متكاملة لصيانة أحواش دون إشراك البحث العلمي، لكن هذا الإشراك ينبغي ألا يختزل في منح الجامعة دورا تقنيا في تسجيل المعطيات أو إضفاء الشرعية الأكاديمية على قرارات سبق اتخاذها.

فالبحث في التراث يحتاج إلى تعاون بين تخصصات متعددة، من الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والتاريخ واللسانيات والدراسات الموسيقية إلى الاقتصاد الثقافي والجغرافيا والدراسات الرقمية.

ويمكن لهذا التعاون أن يعالج أسئلة من قبيل:

− كيف تطورت أشكال أحواش في المجالات المختلفة؟

− وما أثر الهجرة والتحولات الاقتصادية في استمرارية الممارسة؟

− وكيف تغيرت علاقته بالمناسبات الاجتماعية؟

− وما موقع النساء والشباب في نقل المعرفة؟

− وكيف أثرت المهرجانات ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية في طرق الأداء والتلقي؟

كما ينبغي أن تقوم العلاقة بين الباحثين والممارسين على تبادل المعرفة، لا على اعتبار المعرفة الأكاديمية وحدها مرجعا نهائيا. فالممارسون يمتلكون معرفة عملية وتاريخية لا يمكن تعويضها بالملاحظة الخارجية، بينما يتيح البحث العلمي أدوات للمقارنة والتوثيق والتحليل النقدي.

ويستحسن اعتماد مقاربة بحثية تشاركية تسمح لحاملي التراث بالمساهمة في تحديد الأسئلة، ومراجعة المعطيات المتعلقة بممارساتهم، ومناقشة شروط نشر النتائج واستعمالها.

ومن شأن ذلك أن يحول التوثيق من عملية جمع للمعلومات إلى مشروع مشترك لإنتاج المعرفة، ويعزز الثقة بين المؤسسات العلمية والمجتمعات المحلية.

10. المرجعية الدولية ومبادئ الصون المستدام :

تقدم اتفاقية اليونسكو لعام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي إطارا مهما لهذا النقاش، لأنها تنظر إلى التراث باعتباره ممارسات ومعارف وتعبيرات تعترف بها الجماعات بوصفها جزءاً من موروثها الثقافي، وتعيد إنتاجها باستمرار في علاقتها ببيئتها وتاريخها.

وتؤكد الاتفاقية أهمية مشاركة الجماعات الحاملة للتراث في عمليات تحديده وصونه، كما تربط حماية التراث باحترام حقوق الإنسان، والاحترام المتبادل، ومتطلبات التنمية المستدامة.

ويترتب عن ذلك عدد من المبادئ العملية:

1. لا يمكن صون التراث بصورة مستدامة دون مشاركة فعلية لحامليه.

2. لا تعني حماية التراث فرض شكل واحد من الأصالة أو منع التحول، بل ضمان استمرار الممارسات مع احترام سياقاتها الثقافية.

3. ينبغي ألا تؤدي التنمية الاقتصادية أو السياحية إلى إضعاف الوظائف الاجتماعية والثقافية للتراث، أو إلى حرمان حامليه من حقوقهم في المشاركة والاستفادة.

4. يتطلب التوثيق والنشر الرقميان احترام الخصوصية والحقوق الفكرية والمعارف التي قد تكون مقيدة التداول.

5. لا يقاس نجاح الصون بعدد المواد المؤرشفة أو التظاهرات المنظمة فقط، وإنما أيضا بقدرة الجماعات على مواصلة ممارسة تراثها ونقله وتطويره.

ويتيح هذا الإطار الانتقال من التعامل مع أحواش باعتباره موضوعاً للعرض والتعريف، إلى اعتباره ممارسة ثقافية تستدعي سياسات عمومية ومبادرات مجتمعية متكاملة.

ختاما : من المحافظة على صورة التراث إلى ضمان استمرارية الحياة الثقافية:

إن النقاش الذي يثيره شعار «رفض تحنيط التراث» يفتح الباب أمام إعادة التفكير في علاقتنا بالذاكرة الثقافية، وبالحدود الفاصلة بين الصيانة والتجميد، وبين التجديد والإفراغ، وبين الاستثمار الاقتصادي والإنصاف الثقافي.

ولا تتمثل الإجابة في اختيار الأصالة ضد الحداثة، أو الحداثة ضد الأصالة، وإنما في تجاوز هذه الثنائية نحو فهم التراث باعتباره عملية مستمرة لإنتاج المعنى والهوية، تتفاعل فيها الذاكرة والإبداع، والاستمرارية والتحول، والخصوصية والانفتاح.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن يتحول أحواش إلى صورة متحفية لماض مفترض، ولا إلى مادة استعراضية تُقاس قيمتها بقدرتها على إرضاء جمهور عابر. بل يتعين الاعتراف به باعتباره مجالاً للذاكرة الجماعية والإبداع الفني والتفاعل الاجتماعي، تتحدد استدامته بقدرة حامليه على ممارسته ونقله والتعبير من خلاله عن تحولات حياتهم.

كما أن تطويره لا يمكن أن يكون مسؤولية الفنانين وحدهم، بل يتطلب التزاماً مشتركاً من المؤسسات الثقافية والجماعات الترابية والجامعات والمدارس والجمعيات والفاعلين الاقتصاديين ووسائل الإعلام.

وعلى المستوى المحلي، تبرز ضرورة ربط المهرجان باستراتيجية ثقافية ترابية مستمرة؛ وعلى المستوى الوطني، تبرز أهمية إدماج التراث في سياسات الثقافة والتعليم والتنمية؛ أما على المستوى الدولي، فإن التحدي يتمثل في بناء شراكات متكافئة تسمح بالتعريف بأحواش وتطويره دون اختزال خصوصياته أو مصادرة حق حامليه في تمثيله.

يمكن تلخيص الرؤية المقترحة في خمس قواعد مترابطة:

1. توثيق الذاكرة دون اختزالها: حفظ المعارف والممارسات وتنوعاتها، مع الاعتراف بحدود التوثيق المكتوب والرقمي.

2. صون الممارسة دون تجميدها: ضمان استمراريتها الاجتماعية، وإتاحة التجريب الواعي الذي يحترم سياقاتها ومرجعياتها.

3. تشجيع الإبداع دون تسليع الهوية: فتح المجال أمام التفاعل الفني مع حماية الحقوق والمصالح الثقافية للممارسين.

4. استثمار التراث دون استغلال حامليه: بناء اقتصاد ثقافي يضمن الإنصاف في توزيع المنافع واستدامة الموارد والمهارات.

5. تدبير الثقافة بالمشاركة والمساءلة: إشراك المجتمعات المحلية في القرار، وتقييم النتائج، وضمان الشفافية وتكافؤ الفرص.

إن القيمة الاستراتيجية لفنون أحواش لا تكمن فقط في كونها موروثا ينبغي المحافظة عليه، بل في قدرتها على ربط الأجيال بذاكرتها، وتحويل المعرفة المتوارثة إلى مورد للإبداع، وفتح المجال أمام تنمية ثقافية ومجالية أكثر إنصافاً.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي ليس كيف نحافظ على أحواش كما كان، ولا كيف نجعله شبيها بما تنتجه الموسيقى العالمية، بل كيف نضمن أن يظل قادرا على التعبير عن مجتمعاته، وأن يجد مكانه في الحاضر، وأن ينتقل إلى المستقبل دون أن يفقد صلته بذاكرته أو حق حامليه في تطويره.

فصون التراث لا يعني أن نمنعه من التغيير، بل أن نضمن أن يكون التغيير امتدادا واعيا لحياة ثقافية يشارك المجتمع في صنعها، لا عملية تفرض عليه من الخارج.

مراجع مقترحة :

المرجعيات الدولية المراجع البيبليوغرافية المقترحة وفق الأصول الأكاديمية، مع توضيح حالة توفر كل مرجع باللغة العربية أو اقتصاره على الإنجليزية/الفرنسية:

1. وثائق واتفاقيات منظمة اليونسكو (UNESCO)

1. UNESCO (2003). Convention for the Safeguarding of the Intangible Cultural Heritage. Paris: UNESCO.

• الترجمة بالعربية:

اليونسكو (2003). اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي. باريس: منشورات اليونسكو.

• حالة التوفر: متوفر رسمياً باللغة العربية (صادرة عن اليونسكو باللغات الرسمية الست، وتعتبر وثيقة مرجعية مؤطرة للسياسات الثقافية الوطنية والدولية).

2. UNESCO (2015). Policy Document for the Integration of a Sustainable Development Perspective into the Processes of the World Heritage Convention. Paris: UNESCO.

• الترجمة بالعربية:

اليونسكو (2015). وثيقة السياسة العامة لإدماج منظور التنمية المستدامة في عمليات اتفاقية التراث العالمي. باريس: منشورات اليونسكو. (تستفاد منها مبادئ التكامل بين الثقافة والتنمية المستدامة، مع مراعاة أنها تتعلق أساساً بإطار التراث العالمي).

• حالة التوفر: متوفر باللغة العربية (ضمن الوثائق الرسمية لاجتماعات هيئات اتفاقية التراث العالمي لعام 1972 باللغات الرسمية لليونسكو).

3. UNESCO (2005). Convention on the Protection and Promotion of the Diversity of Cultural Expressions. Paris: UNESCO.

• الترجمة بالعربية:

اليونسكو (2005). اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي. باريس: منشورات اليونسكو.

• حالة التوفر: متوفر رسميا باللغة العربية (من الأطر القانونية الدولية المعتمدة لدى الدول الأعضاء).

2- مراجع نظرية في الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والتراث

4. Hobsbawm, E., & Ranger, T. (Eds.). (1983). The Invention of Tradition. Cambridge University Press.

• الترجمة بالعربية:

هوبسباوم، إريك، ورينجر، ترنس (تحرير) (1983). اختراع التراث أو: اختراع التقاليـد. منشورات مطبعة جامعة كامبريدج.

• حالة التوفر:

o الأصل: باللغة الإنجليزية.

o التوفر بالعربية: غير متوفر بترجمة عربية كاملة رسمية حتى الآن؛ وتوجد ترجمات ومقالات لمفاهيمه الأساسية في مجلات وبحوث أكاديمية مترجمة (مثل مفهوم “اختراع التقاليد/التراث”). متوفر بكثرة باللغة الفرنسية تحت عنوان: L’Invention de la tradition.

5. Smith, L. (2006). Uses of Heritage. Routledge.

• الترجمة بالعربية:

سميث، لوراجين (2006). استخدامات التراث. دار روتليدج للنشر.

• حالة التوفر:

− الأصل: باللغة الإنجليزية.

− التوفر بالعربية: غير متوفر باللغة العربية (مرجع محوري في الدراسات النقدية للتراث Critical Heritage Studies، ومتوفر بالإنجليزية والفرنسية).

6. Kirshenblatt-Gimblett, B. (1998). Destination Culture: Tourism, Museums, and Heritage. University of California Press.

• الترجمة بالعربية:

كيرشنبلات-غيمليت، باربرا (1998). وجهة الثقافة: السياحة، المتاحف، والتراث. منشورات مطبعة جامعة كاليفورنيا.

• حالة التوفر:

− الأصل: باللغة الإنجليزية.

− التوفر بالعربية: غير متوفر باللغة العربية ( من أهم المراجع النظرية التي تناولت مسألة “فلكرة التراث” وعرض الثقافة وسلعتها).

7. Bourdieu, P. (1984). Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. Harvard University Press.

• الترجمة بالعربية:

بورديو، بيير (1984). الهيمنة والتمَايُز: نقد اجتماعي لحكم الذوق يترجم أيضا : التميز: نقد اجتماعي لرأي الذوق]. منشورات مطبعة جامعة هارفارد.

• حالة التوفر:

− الأصل: باللغة الفرنسية (La Distinction: Critique sociale du jugement, 1979).

− التوفر بالعربية: متوفر باللغة العربية (ترجمة الدكتور أسامة الحاج، المعهد العالي للترجمة/المنظمة العربية للترجمة، بيروت)، كما توجد دراسات وقراءات عربية متعددة لكتابات بورديو حول الرأس المال الثقافي والرمزية.

8. Appadurai, A. (Ed.). (1986). The Social Life of Things: Commodities in Cultural Perspective. Cambridge University Press.

• الترجمة بالعربية:

أبادوراي، أرجون (تحرير) (1986). الحياة الاجتماعية للأشياء: السلع من منظور ثقافي. منشورات مطبعة جامعة كامبريدج.

• حالة التوفر:

− الأصل: باللغة الإنجليزية.

− التوفر بالعربية: غير متوفر ككتاب مترجم كاملاً باللغة العربية؛ بينما تدرس مقاربته حول “تسليع التراث والأشياء” ونقلت مفاهيمه الأساسية عبر مقالات وترجمات لبعض فصوله في أنثولوجيات أنثروبولوجية عربية.

3- مراجع وطنية

9. دستور المملكة المغربية لسنة 2011، ولا سيما المقتضيات المتعلقة بالهوية الوطنية والتنوع الثقافي واللغوي.

10. القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية.

تشكل هذه المراجع أساسا نظريا أوليا، ولا تغني عن إعداد بيبليوغرافيا متخصصة في تاريخ أحواش وتنوعاته الجهوية، والتحقق من الدراسات الإثنوغرافية والمونوغرافية ذات الصلة بورزازات والمجالات الواحية والجبلية المجاورة. كما ينبغي إسناد أي استنتاجات تفصيلية بشأن خصائص الأداء أو وظائفه الاجتماعية أو آثاره الاقتصادية إلى دراسات ميدانية أو مصادر موثوقة محددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى