24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهة

​تصميم تهيئة الجديدة: حين تُنقذ الوزارة المدينة من “جريمة” وتُسقطها في فخ “التعجيز”.

​تعتبر مدينة الجديدة اليوم حالة دراسية فريدة في سجلات التعمير المغربي، ليس لجمال شواطئها وتاريخها العريق فحسب، بل لكونها كانت مسرحاً لما وصفته وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، فاطمة الزهراء المنصوري، باللفظ الصريح “جريمة تعميرية مكتملة الأركان”. فمنذ مطلع الألفية، وتحديداً منذ دخول الميثاق الجماعي لسنة 2002 حيز التنفيذ، والمدينة تترقب خروج تصميم تهيئة يواكب التوسع العمراني والضغط الديموغرافي، وهي رحلة ماراثونية شهدت تعاقب أربعة عمال على رأس الإدارة الترابية للإقليم، ظل خلالها ملف التصميم يراوح مكانه بين الرفوف والمكاتب، مما يعكس حجم التخبط وغياب الاستمرارية في الرؤية التدبيرية التي جعلت المدينة رهينة لانتظار طال أمده، وفتحت الباب أمام “الاستثناءات” التي أجهزت على الكثير من الفضاءات العمومية.

​وفي لحظة حقيقية وأمام قبة البرلمان في يناير 2023، فجرت الوزيرة قنبلة من العيار الثقيل معلنة توقيف نسخة تصميم التهيئة التي كانت في مراحلها النهائية، مؤكدة أنها أوقفت جريمة كانت ستُرتكب في حق المدينة، ولو نُشر ذلك التصميم في الجريدة الرسمية لتحمل الجميع مسؤولية تاريخية عن كارثة عمرانية. وقد كشفت التقارير حينها عن اختفاء 87 هكتاراً من المساحات الخضراء من التصميم الأصلي، وتحويل بقع مخصصة لمؤسسات تعليمية إلى مشاريع تجارية خاصة، فضلاً عن “تفتيت” الحي الإداري بالمطار لصالح تجزئات سكنية تفتقر لأدنى شروط الحياة الكريمة، في ظل ثبوت إعداد مسودة التصميم في مكاتب خاصة بعيداً عن أعين الوكالة الحضرية وبأيدي أفراد يمثلون تحالفاً بين المال والسياسة.
​ولم يتوقف الضرر عند تشويه الملامح العمرانية، بل امتد لضرب الجاذبية الاستثمارية للمدينة، إذ جاء قانون التعمير المرافق للتصميم الحالي بضوابط “تعجيزية” مثقلة بشروط تقنية وإدارية معقدة، مما خلق نوعاً من “البلوكاج” الممنهج الذي دفع بالمستثمرين ورجال الأعمال نحو الهجرة صوب مدن تقدم تسهيلات أكبر ورؤية أوضح مثل الدار البيضاء ومراكش، لتتحول الجديدة بفعل هذه القيود إلى مدينة طاردة للاستثمار ومجهضة لفرص الشغل. وما زاد الطين بلة هو تفشي “الريع المعلوماتي”، حيث كشفت الكواليس عن تورط بعض النخب المحلية في استغلال مناصبهم للوصول الاستباقي لتفاصيل التصميم قبل صدوره، مما مكنهم من تجزيء مشاريع عقارية وتمريرها في وقت قياسي لفرض “أمر واقع” على الأرض قبل قرار التوقيف الوزاري، محولين أحياءً كاملة إلى غابات إسمنتية تخدم أرصدتهم الخاصة على حساب جودة حياة الساكنة.

​واليوم، بينما تحاول المدينة لملمة جراحها العمرانية من خلال إطلاق دراسة جديدة لتصميم التهيئة تحت إشراف مباشر من الوزارة لضمان عدم تكرار “المجزرة” السابقة، يظل الرهان قائماً على استرجاع المرافق المنهوبة وإعادة الثقة للمستثمر والكرامة للمواطن الجديدي الذي عانى لسنوات من إهمال تدبيري طال أمده وحول شوارع مدينته إلى مرآة عاكسة للخراب والتدبير العبثي. إن معركة تصميم التهيئة الجديد ليست مجرد معركة خرائط، بل هي صراع لاسترداد هوية مدينة ضاعت بين مخالب الجشع الإداري والسياسي، وفشلت أربع إدارات ترابية متعاقبة في إخراجها من نفق المجهول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى