24 ساعةأخبار وطنيةالواجهة

حينما تباع المدرجات تأشيرات مُفخخة تهدد بنسف عدالة كأس العالم

بقلم ذ. سيداتي بيدا

ما يجري اليوم لم يعد قابلاً للتوصيف كإجراء تنظيمي، بل هو انزلاق خطير نحو تسليعٍ فجّ لأكثر حدث رياضي شعبية في العالم. فرضُ ضمان مالي يصل إلى 15 ألف دولار على جماهير دول مشاركة في كأس العالم ليس مجرد شرط إداري، بل هو قرار صادم يعيد تعريف من يملك حق الانتماء إلى اللعبة: الأغنياء فقط.

تحت لافتة “برنامج تأشيرة الضمان التجريبي”، تمارس عملية فرز قاسية تستهدف مواطني عشرات الدول، بينها ، السنغال، تونس، ساحل العاج، والرأس الأخضر. هؤلاء لم يفشلوا في التأهل، بل نجحت منتخباتهم في الوصول، ومع ذلك يُعاقَبون جماعياً بإقصاء مالي لا يمكن تبريره بأي منطق رياضي أو إنساني. إنها معادلة مختلة: تأهل في الملعب، وإقصاء عند الحدود.

الخطير في الأمر أن هذا الإجراء لا يقف عند حد التعقيد البيروقراطي، بل يرتقي إلى مستوى الردع الاقتصادي المتعمد. فحين يُطلب من مشجع بسيط تجميد مبلغ ضخم مقابل “ضمان حسن السلوك”، فإن الرسالة واضحة وقاسية: حضورك غير مرغوب فيه ما لم تُثبت قدرتك المالية. هذا ليس تنظيماً، بل إقصاء مقنن.

وفي قلب هذا المشهد، تتكشف مفارقة أكثر حدّة: تحركات لضمان تسهيلات للاعبين والوفود الرسمية، مقابل صمت مريب تجاه الجماهير. وكأن البطولة يمكن أن تُقام في فراغ، بلا أصوات، بلا ألوان، بلا روح. هذا الانفصال بين من يصنع الحدث ومن يُمنح حق حضوره يكشف خللاً بنيوياً في فهم ماهية الرياضة نفسها.

إذا استمرت هذه السياسة، فإننا لا نتجه نحو كأس عالم، بل نحو نموذج مشوّه لبطولة انتقائية تُدار بمنطق القدرة على الدفع. إنها سابقة تُهدد بتكريس واقع تصبح فيه المدرجات امتداداً للفوارق الاقتصادية العالمية، لا مساحة لتلاقي الشعوب.

إن لحظة الحسم تقترب، ولا مجال للحياد. إما أن تُراجع هذه السياسات بشكل جذري يعيد الاعتبار لمبدأ العدالة، أو يُسجّل هذا الحدث كواحد من أكثر النسخ إثارة للجدل في تاريخ كرة القدم. لأن ما يُهدد اليوم ليس فقط حضور الجماهير، بل جوهر اللعبة نفسها.

في النهاية، حين تُغلق الأبواب أمام الشعوب وتُفتح للحسابات البنكية، فإن كرة القدم تخسر معركتها الأخلاقية وتتحول من لعبة توحّد العالم إلى أداة تُعيد تقسيمه بصرامة أشد.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى