خطبة الجمعة : المال العام أمانة.. والجشع خيانة والظلم لا يدوم
من اعداد عزيز الدروش

بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والطغيان، وجعل الأمانة أساس صلاح المجتمعات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإن التقوى أساس العدل، والعدل أساس استقامة المجتمعات.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ \[النحل: 90\].
أيها المؤمنون،
إن من أخطر الآفات التي تهدد المجتمعات أن تتحول المسؤولية من أمانة لخدمة المواطنين إلى وسيلة للاغتناء وتكديس الامتيازات.
لقد أصبحنا أمام مفارقة مؤلمة: مواطنون يكافحون من أجل قوت يومهم، وآباء يعجزون عن توفير مصاريف الدراسة والعلاج لأبنائهم، وشباب يبحثون عن فرصة عمل تحفظ كرامتهم، وفي المقابل تتداول وسائل الإعلام أرقاماً ضخمة حول تعويضات سنوية لفائدة مسؤولين في مؤسسات وطنية.
فقد أثارت المعطيات المنشورة بشأن التعويضات المنسوبة إلى بعض مسؤولي المكتب الشريف للفوسفاط، والتي قيل إنها تتجاوز 18 مليار سنتيم سنوياً، أسئلة مشروعة حول أسس صرف هذه الأموال ومدى خضوعها لمبادئ الحكامة والشفافية.
وهنا نقول: إن الكفاءة لا تعني الجشع، والمسؤولية ليست امتيازاً مفتوحاً، والثروة الوطنية ليست غنيمة يتقاسمها أصحاب المناصب.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ \[البقرة: 188\].
وقال سبحانه: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ \[الحشر: 7\].
أيها المؤمنون،
إن الإسلام لا يحارب الغنى ولا يعادي النجاح، ولكنه يرفض الظلم والاحتكار والجشع، ويرفض أن تتكدس الثروات في أيدي قلة بينما تعيش فئات واسعة من المجتمع في الهشاشة والحاجة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
فالمسؤولية تكليف وليست تشريفاً، وأمانة وليست امتيازاً، ومحاسبة وليست حصانة.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
عباد الله،
إن محاربة الفساد ليست مجرد شعار سياسي، بل هي واجب أخلاقي وديني ووطني، لأن الظلم إذا انتشر أضعف المجتمع، وأفقد المواطنين الثقة في المؤسسات.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ \[إبراهيم: 42\].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». رواه مسلم.
ومن هذا المنبر، نوجه نداءً واضحاً إلى مؤسسات الدولة المعنية:
- إلى النيابة العامة، من أجل فتح تحقيق جدي ومستقل للتحقق من حقيقة التعويضات المتداولة وأسس صرفها ومشروعيتها.
- إلى المجلس الأعلى للحسابات، من أجل ممارسة اختصاصاته الرقابية والتدقيق في أوجه تدبير هذه الأموال.
- إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، من أجل إثارة الانتباه إلى أبعاد العدالة الاجتماعية والحق في الكرامة وتكافؤ الفرص.
- وإلى رئيسة الحكومة، لتحمل مسؤوليتها في ضمان الحكامة والشفافية في تدبير المؤسسات العمومية.
كما نوجه نداءً إلى أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس، باعتباره الضامن لاحترام الدستور وحسن سير المؤسسات، من أجل دعم تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة وصيانة الثروة الوطنية من كل أشكال سوء التدبير، في إطار الاختصاصات الدستورية والقانونية.
أيها المؤمنون،
لا يمكن بناء وطن قوي وعادل بينما يشعر الفقير بأن القانون يطال ضعفه ولا يطال امتيازات الأقوياء.
ولا يمكن الحديث عن التنمية والعدالة الاجتماعية دون محاربة الفساد والجشع، ودون جعل كرامة المواطن فوق كل اعتبار.
فالثروة الوطنية ملك لجميع المغاربة، وحق الأجيال القادمة، وليست ملكاً لفئة أو امتيازاً لمسؤول.
اللهم ارزقنا العدل والإنصاف، وأبعد عنا الظلم والفساد، واحفظ وطننا من كل سوء، واجعل المغرب بلداً للكرامة والعدالة والمساواة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
ملاحظة: صيغت الإشارة إلى التعويضات باعتبارها معطيات منشورة ومتداولة تستوجب التحقق، لا باعتبارها جريمة ثابتة. وهذا يحافظ على قوة الخطبة ومصداقيتها.





