الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

سوسيولوجيا العمل النقابي بالمغرب

تقديم كتاب ” سوسيولوجيا العمل النقابي بالمغرب المكتب الشريف للفوسفاط نموذجا” لعبد الرحيم بودلال.
توطئة:
تدرس سوسيولوجيا العمل النقابي بالمغرب التنظيمات النقابية باعتبارها ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية متحركة، وليست مجرد هياكل إدارية أو أرقام إحصائية.
تركز هذه المقاربة على فهم طبيعة النضال العمالي، وتحولات العلاقة بين النقابات والدولة، وأرباب العمل، والقواعد العمالية.
وقد عرف المسار التاريخي للعمل النقابي المغربي تحولات مفصلية من مرحلة المقاومة للمستعمر الفرنسي والإسباني إلى مرحلة الخضر للعمل الحزبي مع بداية الاستقلال، ثم التأسيس الأيديولوج والسياسي للعمل النقابي المستقل، الذي أدى إلى المواجهة المباشرة مع الدولة في ثمانينات وتسعينات القرن 20. ثم مرحلة المأسسة .
وقد تميزت بداية الألفية الثالثة، بتبني مقاربة تشاركية تعتمد تشريعات مهيكلة أهمها مدونة الشغل.
ساهم ذلك في صياغة مسوسيولوجيا العمل النقابي بالمغربواثيق تعاقدية داخلية لتنظيم آليات التفاوض الجماعي بين الشركاء النقابيين والإدارة، داخل قطاعات استراتيجية متعددة على رأسها المكتب الشريف للفوسفاط الشيء الذي جعل من الحوار الاجتماعي أداة مؤسساتية رسمية لتسوية المنازعات المهنية والحفاظ على السلم الاجتماعي.
ويأتي كتاب ” سوسيولوجيا العمل النقابي بالمغرب المكتب الشريف للفوسفاط نموذجا ” لعبد الرحيم بودلال ليجلي بعض الحقائق على مسار العمل النقابي بكل تحدياته، والوقوف على التحولات داخل المؤسسات الكبرى، مثل تجربة الفعل النقابي داخل المكتب الشريف للفوسفاط، ويعرج على البدايات والنشأة للعمل النقابي مسترشدا بالمفكر عابد الجابري باعتباره مرجعا في فهم بنية الفكر السياسي العربي، وبما قدمه من قراءات نقدية عميقة لتطلعات الطبقة العاملة بالمغرب. وصاحب الكتاب متحصل على الماستر في العلوم السياسية والقانون بجامعة محمد الخامس السويسي – الرباط، والإجازة في علم الا بجامعة شعيب الدكالي الجديدة، ومهتم بالتنظيمات السياسية ومفهوم النظام السياسي ومسألة الدولة ونظريات التحديث.
– مضامين الكتاب:
يقع الكتاب في 156 صفحة، صدر عن دار الإحياء للنشر والتوزيع _ طنجة، الطبعة الأولى 2026.
إن من أبرز محاور سوسيولوجيا العمل النقابي بالمغرب النشأة والتطور التاريخي، حيث ترتبط الحركة النقابية المغربية بمسار الحركة الوطنية ومحطات الاستعمار وما بعد الاستقلال، وقد تحولت من أدوار التحرر والدفاع عن الحقوق الوطنية إلى تنظيمات تؤطر القطاعات الإنتاجية والخدماتية.
كما تميزت بظاهرة البيروقراطية المركزية، وبهذا الخصوص تشير الدراسات السوسيولوجية (مثل كتابات وبحوث حول البيروقراطية النقابية) إلى هيمنة القيادات التاريخية على صنع القرار، مما يخلق فجوة بين القواعد العمالية والقيادة، ويؤدي إلى إقصاء العناصر الشابة والدينامية.
• التنوع والتحول المؤسسي (نموذج القطاعات) حيث تدرس التحولات داخل المؤسسات الكبرى، مثل تجربة العمل النقابي داخل المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) وتحديدا في مواقع مثل الجرف الأصفر، وهنا انتقلت العلاقة من الصدام النضالي المباشر إلى ديناميات “الشراكة الاجتماعية” وتحفظ الذاكرة الفوسفاطية.
• الفئوية والانقسامات وتتجلى في تنامي النزعات الفئوية داخل صفوف الموظفين والعمال، وتأثير ذلك على وحدة الخطاب النقابي وتعدد التيارات (تيار الأجور، تيار حماية مناصب العمل، وغيرها).
• سوسيولوجيا النوع (مشاركة المرأة)، وذلك ببحث واقع تمثيلية النساء ومشاركتهن في العمل النقابي داخل قطاعات حيوية مثل الصحة والوظيفة العمومية، والإكراهات الاجتماعية والثقافية التي تواجهها المناضلة النقابية.
• دوافع الانخراط وعزوفه، بتحليل المحفزات الموضوعية (العدالة الاجتماعية، تحسين الدخل) والنفسية والشخصية التي تدفع الفرد للانخراط في العمل الجماعي أو تؤدي إلى تفشي العزوف والإحباط النقابي
وقد ارتبط التصور الأول لهذا العمل/ الكتاب بفكرة إجراء سلسلة من الحوارات الصحفية مع تقابيين سابقين لهم مساهمات مهمة في تأسيس العمل النقابي داخل المكتب الشريف للفوسفاط، خصوصاً مركزي الجرف الأصفر وأسفي.
الهدف من الكتاب:
كان الهدف الأول من نشر هذه المادة على منابر إلكترونية مستقلة، إتاحة فرصة للعامل كي يطلع عليها ويستفيد من مضامينها، وذلك بغرض إعادة قراءة التاريخ النقابي الغني بالتضحيات واستحضار نموذج عمل نقابي مختلف عما عليه الوضع اليوم، إلا أنه بعد الاطلاع على مصادر كثيرة، وبالوقوف على أحداث وسياقات مختلفة، تطور المشروع ليتحول من عمل صحفي عابر إلى كتاب مستقل حول العمل النقابي، من شأنه أن يكون أكثر نجاعة وفائدة، بما يتيحه من إمكانيات أوسع في حفظ الذاكرة الجماعية وتوثيق الوقائع والأحداث التاريخية ذات الصلة، وبشكل علمي وموضوعي أكثر
وبمجرد الشروع في إنجاز الكتاب بدأ المؤلف يصل إلى وعي بمحدودية قدرته المعرفية في الإحاطة بكل تاريخ وسوسيولوجيا العمل النقابي، وأن رصيده المعرفي أضعف من تأليف كتاب في الموضوع، خصوصاً تكوينه الأكاديمي الذي ينتمي إلى حقل السوسيولوجيا لذلك خصص الزمن الكافي قصد تحقيق قدر من الإحاطة الشاملة المختلف أبعاد الكتاب، والتعمق في تفاصيله الأساسية استغرق العمل سنتين كاملتين من البحث والكتابة؛ كما تم الاستعانة بعدد من الأساتذة والباحثين المتخصصين في مجال التاريخ واللغة العربية، بغرض مراجعة مضامينه العلمية وتمحيصها، والوقوف على ما قد يعتريه من نقص.
وكلما تقدم المؤلف في أطوار الكتاب إلا وجد أنه من الضروري التوسع في التحليل ليشمل محاور أخرى تفرضها الإشكالات الكبرى التي يطرحها أي بحث أكاديمي رصين في موضوع العمل النقابي، مثل دور الطبقة العمالية والتنظيمات النقابية في إحداث التغير الاجتماعي والسياسي، والعلاقة المركبة بين العمل النقابي والعمل الحزبي، والعلاقة بين الاجتماعي والسياسي. مقدمة الكتاب ص 7.
وقد توقف الكاتب كثيراً عند عوامل تشكل الطبقة العاملة في المغرب خلال مرحلة الاستعمار وبعد الاستقلال، لفهم علاقاتها بكل من الطبقة الوسطى والبرجوازية، في سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي، مما أفاده في معالجة هذه الإشكالات، سواء في أبعادها الكلاسيكية أو المعاصرة، من أعمال عدد من الباحثين والمفكرين، مثل روبير مونتاني، وعبد الرحمن المالكي، وعزمي بشارة، ومحمد عابد الجابري، وجرمان عياش وصامويل هنتغتون، التي وفرت إطاراً نظرياً مساعداً على فهم الظاهرة. مقدمة الكتاب ص 8.
سياق ومنهجية البحث:
جاء الاهتمام بالعمل النقابي في قطاع الفوسفاط لكونه يشكل بنية مركزية في العمل النقابي المغربي، ارتبط بمختلف التحولات التي عرفها العمل النقابي، واضطلع بدور محوري في عدد من المحطات المفصلية من تاريخ الحركة النقابية الوطنية؛ وذلك للحجم الكبير للكتلة العمالية التي يضمها القطاع، ثم المكانة الاستراتيجية للصناعة الفوسفاطية إحدى ركائز الاقتصاد الوطني وأهم الموارد التي تعتمد الدولة في تمويل سياساتها الاجتماعية. مقدمة الكتاب ص 8.
ولم يقتصر هذا العمل، فقط على السوسيولوجيا أو علم التاريخ، بل امتدت إلى حقل الدراسات السياسية والاقتصادية التي تعالج ظاهرة العمل النقابي والطبقة العمالية باعتبارهما فاعلا مركزياً في ديناميات التغير الاجتماعي والسياسي….
لقد تم تأليف هذا الكتاب في سياق السعي إلى توثيق الذاكرة النقابية الوطنية بصفة عامة، والذاكرة الفوسفاطية خاصة، باستحضار رموز وتجارب. لم يكن الهدف تأريخ المسار التقني أو التنظيمي للمؤسسة الصناعية، ولا إلى تتبع تطور مراكز الاستخراج أو البنيات الإنتاجية، بقدر ما يقوم بتحليل السياقين الاجتماعي والسياسي اللذين أسهما في نشأة تنظيمات نقابية جديدة مركزية أو قطاعية؛ يركز أيضاً على البعد الاجتماعي المتعلق بتجربة العمال الفوسفاطيين ونضالاتهم الأولى، وظروفهم الصحية والاجتماعية ومستوى الدخل الفردي، وأنماط الترقية المهنية، ونظم التقاعد والتغطية الاجتماعية؛ إضافة إلى بعض الامتيازات الاجتماعية المرتبطة بالمنح والعطل ومرافق الترفيه والسكن وذلك في إطار مقاربة تسعى إلى فهم العمل النقابي باعتباره نتاجاً لمسارات تعززت بالحوار المؤسساتي وتبادل الثقة بين المؤسسة والفرقاء الاجتماعيين. مقدمة الكتاب ص 11.
إن مواكبة التحولات التي تعرفها السوق العالمية للفوسفاط، والاستعداد للتحديات المستقبلية المرتبطة بالتنافسية والاستدامة، تتطلب فهما أعمق لثقافة المؤسسة والقيم التي تعمل على ترسيخها لدى مواردها البشرية، وتأثيراتها التنموية والثقافية على المحيط الحضري والاقليمي. تحليل هذه الأبعاد يشكل عنصرا مهما استشراف مستقبل المؤسسة، وفى تقييم قدرتها على التكيف مع التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى. الكتاب ص 12
ونظرا لندرة الكتابة العلمية التي تناولت العمل النقابي بصفة عامة، وشبه غياب للدراسات التي تناولت تحربة العمل النقابي بقطاع الفوسفاط خاصة، جعلت البحث يعتمد بالأساس على تقنية المقابلة، باعتبارها إحدى التقنيات الأساسية المعتمدة في الفاعلين النقابيين الأوائل، ولا سيما المؤسسين منهم الذين اضطلعوا بأدوار مركزية البحث السوسيولوجى الميدانى تتمثل في إنجاز مقابلات علمية موجهة مع عدد من فى المراحل الأولى لتشكل العمل النقابي، وكانوا فى الصفوف الأمامية لمختلف المحطان النضالية والتنظيمية.
ويعود اختيار هذه الفئة من المبحوثين إلى ما يتوفرون عليه من معرفة مباشرة بالظواهر المدروسة، وبالأحداث التي رافقت نشأتها، وبالسياقات التاريخية والسياسية والاجتماعية التي أنتجتها. كما تتيح المقابلة العلمية إمكانية استنطاق الذاكرة الفردية بوصفها مدخلاً لفهم الديناميات الجماعية، والإسهام في سد الفراغات التي خلفها غياب التوثيق المكتوب، بما يخدم أهداف البحث في إعادة بناء الوقائع وترتيبها وتحليلها. الكتاب ص 12.
وقد فرض الوعي المنهجي والحس الإبستيولوجي، الحرص على وضع مسافة تحليلية كافية بين الذات الباحثة وموضوع الدراسة، بما يقتضيه من فصل بين الانتماء العمالي والخلفية النقابية والأيديولوجيا من جهة، وبين موضوع البحث بوصفه تاريخاً مركباً يتضمن أحداثاً ومحطات نضالية وتضحيات ومواقف سياسية وحضور تنظيمات نقابية متعددة يتطلب ذلك تبني حسن نقدي يقوم على استحضار أقوال المستجوبين كما وردت في سياقها الأصلي، مع إخضاعها للحذر الإبستيمولوجي بمقارنتها بمعطيات ووثائق أخرى، وربطها بالسياقات الوطنية العامة، ما يسمح بتجاوز الأحكام المسبقة، وتعزيز شروط الموضوعية العلمية. الكتاب ص 14\15.
يضم الكتاب جانبا مهما من سوسيولوجيا العمل النقابي، يتعلق بمحاولة لفهم دور الطبقة العاملة عموما ومساهمتها في إحداث تحولات في المجتمعات الحديثة، مع ذكر أهم النظريات التي سعت إلى تفسير العوامل التي أدت إلى الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث بالتركيز على دراسة مسارات التنمية والتحديث التي عرفتها هذه المجتمعات ودور الفاعلين فيها، وما رافقها من تحولات شملت مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ثم رهان المدرسة الماركسية على الطبقة العاملة، ثم اسقاط ذلك على الحالة المغربية. الكتاب ص 16.
وقد تضمن الكتاب بعد التقديم سبعة محاور، عنون الأول ب : المنهج العلمي المعتمد، المحور الثاني: الدرسات العلمية حول العمل النقابي بقطاع الفوسفاط، الثالث: سوسيولوجيا العمل النقابي، الرابع: ميلاد الحركة النقابية المغربية، المحور الخامس: سوسيولوجيا العمل النقابي المغربي، السادس: سوسيولوجيا العمل النقابي بالمكتب الشريف للفوسفاط، السابع: تاريخ الملفات الاجتماعية.
خلاصة:
إن تجربة العمل النقابي بالمكتب الشريف للفوسفاط تعتبر إحدى أبرز التجارب العمالية في التاريخ الاجتماعي المغربي، ليس فقط بحكم الامتداد الزمني الذي يغطي ما يقارب قرناً من التحولات، ولكن أيضاً الطبيعة الاستراتيجية للقطاع وموقعه المركزي داخل الاقتصاد الوطني، وما واكب ذلك من تحولات جوهرية على الشركة، وطبيعة الفاعلين الاجتماعيين أدت أزمة التمثيل النقابي بعد الاستقلال، إلى بروز ديناميات جديدة داخل الوسط العمالي الفوسفاطي، توجت بتأسيس النقابة الوطنية لعمال الفوسفاط، مثل هذا التحول لحظة قطيعة مع أنماط التنظيم التقليدية، ومحاولة لإعادة الاعتبار للديمقراطية القاعدية، والاستقلالية النقابية، وربط النضال بالمصلحة العامة. غير أن هذا المسار لم يكن سهلاً، إذ تزامن مع مرحلة جديدة من القمع الشديد، أنتج إضرابات عامة وطويلة، وتسريحات جماعية.
ضمن كل هذا المسار الطويل، تظهر تجربة الجرف الأصفر، التي تناولها الكتاب كحالة دراسية تحولاً نوعياً في مسار العمل النقابي الفوسفاطي. فقد أنتجت طبيعة المركب الصناعي الجديد، ومستوى التأهيل العالى لليد العاملة، وعودة مناضلين ذوي تجربة نضالية سابقة، شروطاً مواتية لبناء فعل نقابي أكثر وعياً وتنظيماً، نجحت هذه التجربة تدريجياً في الانتقال من منطق الصراع المفتوح إلى منطق الحوار الاجتماعي، دون التفريط في حقوق ومصالح العمال.
أظهر العمل النقابي بالجرف الأصفر قدرة لافتة على إنتاج قيادات جديدة، وعلى تدبير الاختلاف الداخلي بآليات ديمقراطية، وعلى فرض نفسه كفاعل تفاوضي حقيقي، كما ساهم في تحسين ملموس للأوضاع المعيشية والمهنية للعمال، وفي ترسيخ ثقافة السلم الاجتماعي داخل مؤسسة حيوية. الكتاب ص145\ 146.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى