قراءة و تحليل للنص المسرحي “هاملت” لشكسبير

بقلم : خالد حسين
مأساة الأمير الذي رأى الحقيقة فلم يحتمل ثقلها.. الرجل الذي تردد فقتل الجميع: لماذا “أكون أو لا أكون” أصبح أشهر سؤال في تاريخ المسرح؟ “هاملت” لشكسبير
● البداية: شبح يمشي على الأسوار:
ليل بارد في قلعة إلسينور الدنماركية. حراس يرتجفون من البرد لا من الخوف فقط. ثم يظهر شيء.
شكل يشبه الملك الراحل. درعه. مشيته. صمته الثقيل.
شبح:
هذا المشهد الافتتاحي ليس مجرد إثارة مسرحية. هو إعلان: العالم الذي تدخله الآن مكسور. الموتى لا يستريحون. والحقيقة تأتي من القبر لأن الأحياء لا يجرؤون على قولها.
وحين يلتقي هاملت بالشبح، يسمع ما سيُدمر حياته: عمه كلوديوس قتل أباه. وتزوج أمه بعد أيام من الجريمة. والعرش الذي يجب أن يكون له صار في يد القاتل.
ويُطلب منه شيء واحد: الانتقام.
● الرجل قبل المسرحية: أب فقد ابناً اسمه هامنت:
وُلد ويليام شكسبير عام 1564 في ستراتفورد. عائلة من الطبقة المتوسطة. تعلم في مدرسة محلية حتى الرابعة عشرة ثم انقطع بسبب أزمة مالية لوالده.
تزوج وعمره ثمانية عشر عاماً. وأنجب ثلاثة أطفال. من بينهم توأمان: هامنت وجوديث.
في عام 1596 مات هامنت وعمره أحد عشر عاماً.
وبعد خمس سنوات كتب شكسبير مسرحية اسمها “هاملت.”
التشابه بين الاسمين ليس صدفة في نظر كثير من الباحثين. وفي عام 1601 أيضاً مات والد شكسبير. رجل في الأربعين يكتب عن أب فقده وابن فقده في فترة واحدة. ويكتب مسرحية يطارد فيها شبح أب ابنه.
● “أكون أو لا أكون”: السؤال الذي يتجاوز المسرح:
في وسط المسرحية يقف هاملت وحيداً ويقول جملة ستصير الأشهر في تاريخ الأدب الإنجليزي.
“أكون أو لا أكون. تلك هي المسألة.”
كثيرون يقرؤون هذا كتأمل في الانتحار. وهذا صحيح جزئياً. لكنه أعمق من ذلك.
هاملت يسأل: هل الفعل في عالم فاسد له معنى؟ هل أتحمل الألم وأستمر، أم أنهي كل شيء؟ وإذا أنهيت كل شيء، ماذا بعد الموت؟ هل الموت راحة أم عذاب جديد لا أعرفه؟
هذا السؤال ليس سؤال أمير دنماركي في القرن السادس عشر. هو سؤال كل إنسان واجه يوماً عبثاً لا يحتمل وتساءل: لماذا أستمر؟
● التردد: ضعف أم وعي؟
هاملت يعرف من قتل أباه منذ الفصل الأول تقريباً. ومع ذلك تستمر المسرحية خمسة فصول قبل أن يقتل كلوديوس.
لماذا هذا التأخير؟
التفسير السطحي: هاملت جبان أو ضعيف الشخصية.
لكن شكسبير يبني شيئاً أعمق. هاملت يعرف القتل سهل. لكن القتل الصحيح في اللحظة الصحيحة يحتاج تأكداً. الشبح قد يكون شيطاناً يخدعه. والانتقام بلا دليل قاطع جريمة لا عدالة.
فينظم مسرحية داخل المسرحية. يعرض على كلوديوس مشهداً يُحاكي جريمته بالضبط. ويرى رد فعله.
كلوديوس يهرب من القاعة مرتعباً.
الآن هاملت متأكد. لكنه يجد كلوديوس يُصلي ويتردد مرة أخرى: “لا أقتله وهو يُصلي فيذهب إلى السماء وأبي ربما في العذاب.”
هذا التردد ليس جبناً. هو وعي مُفرط يُصبح عبئاً. هاملت يرى كل الزوايا. ويفكر في كل النتائج. وهذا الوعي الزائد يجعل الفعل البسيط مستحيلاً.
● أوفيليا: البراءة التي سحقتها الحرب بين الرجال:
أوفيليا لم تختر شيئاً من هذه المأساة. أحبت هاملت. وأبوها بولونيوس يأمرها بالتجسس عليه. وحبيبها يُهينها علناً ويتنكر لعلاقتهما. ثم يقتل والدها بالخطأ.
ثلاث ضربات في وقت قصير: الحب يُهجر. الأب يُقتل. والمنزلة الاجتماعية تنهار.
تجن أوفيليا. وتُغني أغاني عن الزهور والموت. وتغرق في النهر.
هل انتحرت؟ هل سقطت؟ شكسبير لا يُحدد. ويترك الشك معلقاً حتى في موتها.
وأوفيليا في الرواية ترمز لكل من يقع بين صراعات الكبار دون أن يُسأل رأيه. ضحية جانبية في حرب لم تبدأها.
● غرترود: الأم التي يُحاكمها ابنها قبل التاريخ:
غرترود تزوجت كلوديوس بسرعة بعد موت زوجها. وهاملت يراها متواطئة أو على الأقل خائنة لذكرى أبيه.
لكن النص لا يُؤكد أن غرترود كانت تعرف بالقتل. ربما كانت ضحية أيضاً. امرأة في بلاط لا يمنحها خياراً حقيقياً سوى الزواج بمن يحمي مكانتها.
ومع ذلك يُحمّلها هاملت ذنباً أكبر مما يحمّله كلوديوس نفسه في لحظات. ويصرخ في وجهها بكلمات قاسية.
وهذا يعكس شيئاً عن المجتمع الذي كُتبت فيه المسرحية: المرأة تُحاسَب على أفعال الرجال حولها أكثر من محاسبة الرجال على أفعالهم.
● مشهد المقبرة: الفلسفة أمام الجمجمة:
من أشهر مشاهد المسرحية حين يحمل هاملت جمجمة المهرج يوريك الذي عرفه طفلاً.
يتأمل هاملت: هذا الرجل كان يضحك ويغني ويُسعد الناس. والآن هو عظم بلا اسم تقريباً.
ويسأل: الإسكندر الأكبر، أعظم فاتح في التاريخ، ماذا تبقى منه؟ تراب يُمكن أن يُسد به ثقب في برميل.
هذا المشهد ليس عبثياً. هو تذكير قاسٍ: كل الصراعات على السلطة والانتقام والشرف ستنتهي إلى نفس الشيء. تراب لا اسم له.
فلماذا كل هذا الصراع؟
● السياق التاريخي: إنجلترا إليزابيث والملوك الذين يُقتلون
كُتبت المسرحية حوالي عام 1600 أو 1601. إنجلترا في أواخر عهد الملكة إليزابيث الأولى. والملكة عجوز بلا وريث مباشر. وسؤال من سيحكم بعدها يُثير قلقاً عميقاً.
وفي 1601 حدث تمرد إيرل إسكس ضد الملكة. تمرد فاشل انتهى بإعدامه.
وفي هذا الجو الكثير من المسرحيات التي تتناول خلع الملوك كانت محظورة أو مراقَبة بشدة. وشكسبير وضع أحداثه في الدنمارك لا في إنجلترا. ملك يُقتل. وملك مغتصب. وأمير يتساءل عن شرعية السلطة.
كل هذا في الدنمارك. لا في إنجلترا. وهذا قناع يُتيح الكلام دون المحاسبة المباشرة.
● ما بين سطور هاملت.. المسرحية تحمل رسائل لم تُصرَّح بها.
الأول هو أن الانتقام لا يُنتج عدالة بل يُنتج المزيد من الموت. النهاية تُغرق المسرح بالجثث: هاملت وكلوديوس وغرترود وليرتس وأوفيليا وبولونيوس. ولا أحد ينتصر. حتى من يجلس على العرش في النهاية هو فورتينبراس الذي لم يكن جزءاً من الصراع أصلاً.
الثاني هو أن الوعي قد يكون عبئاً أكثر من الجهل. هاملت أذكى من كل من حوله. ويعرف أكثر من اللازم. وهذه المعرفة بدلاً من أن تحرره تُشلّه.
الثالث هو أن السلطة تُعيد إنتاج نفس الجرائم. كلوديوس قتل ليحكم. وهاملت يفكر في القتل ليُصحح. والدورة لا تنتهي إلا بفناء الجميع.
● “هاملت هو كل منا”.
قال الناقد كوليردج: “هاملت هو كل منا. إنه الإنسان الذي يرى أكثر مما يريد.”
وهذه الجملة تُلخص لماذا بقيت المسرحية بعد أربعمئة عام.
كل إنسان واجه لحظة يعرف فيها ما يجب أن يفعله ولا يستطيع. كل إنسان رأى ظلماً وتردد بين الفعل والصمت. وكل إنسان سأل نفسه: هل الحياة تستحق هذا الثقل؟
هاملت لا يُقدم إجابة. يموت في النهاية وهو يطلب من صديقه هوراشيو أن يروي قصته. كأن المعنى الوحيد الباقي هو أن تُحكى الحكاية، حتى لو لم يكن لها حل.
● الخاتمة: شبح لا يزال يمشي
شكسبير مات عام 1616. وشخصيته هاملت لا تزال تُمثَّل في كل لغة وكل مسرح حول العالم.
والشبح الذي ظهر على أسوار إلسينور في الليلة الأولى لا يزال يمشي. ليس في القلعة. في كل مرة يسأل فيها إنسان: هل أفعل أم أتردد؟ هل أنتقم أم أسامح؟ هل الحياة تستحق العناء؟
الأسئلة لم تُغلق. وهذا سر الخلود.
والأن السؤال لك انت…
“شكسبير يجعل هاملت أكثر شخصياته وعياً وأشدها فشلاً في الفعل. فهل الوعي الزائد يُشل القدرة على القرار؟ وهل من يرى كل الزوايا يصبح عاجزاً عن الاختيار، بينما من يتصرف بسرعة دون تفكير ينجو؟”
========
والى روايات وكتب أخرى قريبا ان شاء الله
الكاتب والروائى خالد حســــــين.





