أموال أوروبا للهجرة تحت المجهر: أين ذهبت؟ والنيابة العامة مطالبة بفتح التحقيق
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

منذ سنة 2012 إلى اليوم، تعاقبت على المغرب حكومات وأحزاب سياسية مختلفة، وتوالت معها برامج واتفاقيات ودعم مالي أوروبي موجه، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تدبير ملف الهجرة، ومحاربة الهجرة غير النظامية، ومراقبة الحدود، ودعم الإدماج والتنمية وخلق فرص للشباب.
وبحسب المعطيات الأوروبية المنشورة، فقد حصل المغرب على تمويلات مهمة في هذا المجال، من بينها برامج بمئات الملايين من اليوروهات، كما أُعلن عن برامج جديدة خلال السنوات الأخيرة، في الوقت الذي تستمر فيه أزمة الهجرة وتستمر معها محاولات الشباب والمهاجرين للوصول إلى أوروبا.
وهنا يطرح المواطن المغربي سؤالاً بسيطاً، لكنه في غاية الخطورة:
أين ذهبت هذه الأموال؟ وما هي النتائج التي تحققت على أرض الواقع؟
أكثر من عقد من الدعم… والظاهرة مستمرة
طيلة أكثر من أربعة عشر عاماً، لم يتوقف الحديث عن محاربة الهجرة غير النظامية.
مراقبة الحدود تطورت، والتعاون الأمني مع الاتحاد الأوروبي تعزز، والبرامج والمشاريع تعددت، والأموال رُصدت، لكن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الشباب المغربي إلى التفكير في الهجرة لا تزال قائمة.
البطالة، الهشاشة، ضعف فرص الشغل، ارتفاع تكاليف المعيشة، الفوارق الاجتماعية والمجالية، والإحساس بانسداد الأفق، كلها عوامل تجعل جزءاً من الشباب يرى في الهجرة حلاً لمستقبله.
وهنا يجب طرح السؤال الحقيقي:
هل استُعملت الأموال فقط لتقوية الحواجز ومراقبة الحدود، أم استُثمر جزء كبير منها فعلاً في الإنسان المغربي وفي خلق فرص حقيقية للشباب؟
لأن منع شخص من عبور الحدود لا يعني معالجة الأسباب التي دفعته إلى محاولة العبور.
سبتة… لحظة كشفت حجم الأزمة
وجاءت الأحداث المرتبطة بسبتة لتعيد هذا الملف إلى الواجهة بقوة، وتكشف أن قضية الهجرة لا يمكن اختزالها في الجانب الأمني وحده.
فحين يصل اليأس بشباب إلى المخاطرة بحياته من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط:
كيف نمنعه من العبور؟
بل يجب أن يكون أيضاً:
لماذا يريد المغادرة أصلاً؟
وهنا تظهر مسؤولية السياسات العمومية التي دُبرت على مدى سنوات، ومسؤولية الحكومات والأحزاب التي شاركت في تدبيرها.
من بنكيران إلى العثماني إلى أخنوش… من يتحمل المسؤولية؟
المسؤولية السياسية عن مرحلة 2012–2026 لا يمكن اختزالها في حكومة واحدة.
فقد تعاقبت حكومات وأغلبيات حزبية مختلفة، من حكومة عبد الإله بنكيران، إلى حكومة سعد الدين العثماني، ثم حكومة عزيز أخنوش، مع مشاركة أحزاب متعددة في تدبير قطاعات وملفات مرتبطة بالتشغيل والشباب والداخلية والمالية والتنمية والشؤون الاجتماعية.
وبالتالي فإن الأحزاب التي شاركت في تدبير هذه المرحلة مطالبة اليوم بتقديم حصيلتها أمام الرأي العام.
ليس من المنطقي أن يتحمل حزب مسؤولية عندما يكون في الحكومة، ثم يتنصل منها عندما يغادرها.
وليس مقبولاً أن تتغير الحكومات وتبقى الملفات المالية بلا كشف شامل للحصيلة.
كل حزب شارك في تدبير هذه المرحلة، وكل وزير أو مسؤول تولى قطاعاً له علاقة بهذه البرامج، يجب أن يكون مستعداً للإجابة عن سؤال واضح:
ماذا أنجزتم؟ وكم صُرف؟ وأين صُرف؟ وما هي النتائج؟
إلى النيابة العامة: نريد تحقيقاً لا اتهاماً
المطالبة بفتح تحقيق قضائي لا تعني اتهام أي حكومة أو حزب أو مسؤول مسبقاً.
بل العكس تماماً.
التحقيق هو الطريق إلى الحقيقة.
ولهذا نطالب النيابة العامة والجهات المختصة بفتح بحث شامل ومستقل حول الأموال التي حصل عليها المغرب في إطار برامج مكافحة الهجرة غير النظامية، منذ بداية هذه المرحلة إلى اليوم.
ويجب أن يشمل التحقيق، على الأقل:
مجموع التمويلات الأوروبية الموجهة للمغرب في مجال الهجرة.
الجهات والمؤسسات التي تلقت هذه الأموال.
البرامج والمشاريع التي مولتها.
الأموال المخصصة للشباب والتشغيل والتنمية والإدماج.
الصفقات والعقود المرتبطة بهذه البرامج.
طرق صرف الأموال ومراقبتها وتدقيقها.
النتائج المحققة مقارنة بالأهداف المعلنة.
الأموال التي لم تحقق المشاريع المرتبطة بها أهدافها.
والمسؤوليات السياسية والإدارية والقانونية، إذا ثبت وجود اختلالات.
لا نتهم أحداً قبل التحقيق، ولا نبرئ أحداً قبل التدقيق.
هذه هي دولة المؤسسات.
قبل استقبال أموال جديدة… أين حصيلة الأموال السابقة؟
كلما أُعلن عن تمويل أوروبي جديد، يجب أن يكون السؤال الأول:
وماذا عن الأموال السابقة؟
إذا كانت البرامج السابقة ناجحة، فأين التقارير المفصلة؟
وإذا كانت فاشلة، فلماذا لم تتم محاسبة المسؤولين عن فشلها؟
وإذا كانت حققت جزءاً من أهدافها، فما هو الجزء الذي تحقق وما الذي لم يتحقق؟
لا يكفي أن نسمع عن ملايين ومئات الملايين من اليوروهات.
المطلوب هو معرفة الأثر الحقيقي لهذه الأموال على المواطن.
فالشباب لا يعيش بالأرقام التي تعلنها الحكومات، وإنما يعيش بالعمل والدخل والكرامة والأمل في المستقبل.
الأحزاب مطالبة بالمحاسبة السياسية
نحن لا نطالب بمحاكمة الأحزاب لمجرد أنها شاركت في الحكومة.
لكننا نطالبها بالمساءلة السياسية عن المرحلة التي ساهمت في تدبيرها.
فالأحزاب التي شاركت في الحكومات منذ 2012 لا يمكن أن تعتبر نفسها خارج دائرة المسؤولية السياسية عن نتائج السياسات العمومية التي كانت طرفاً فيها.
والمسؤولية السياسية شيء، والمسؤولية الجنائية شيء آخر.
فإذا أثبت التحقيق وجود أخطاء سياسية، فليتحمل أصحابها مسؤوليتهم أمام الناخبين.
وإذا أثبت وجود اختلالات مالية أو جرائم أو مخالفات للقانون، فهنا يجب أن تتحرك المؤسسات القضائية المختصة.
المطلوب ليس تصفية الحسابات مع الأحزاب، وإنما تصفية الحسابات مع الفساد وسوء التدبير إن ثبت وجودهما.
السؤال الأكبر: هل نعالج الهجرة أم نديرها فقط؟
بعد كل هذه السنوات، يجب أن نعيد طرح السؤال من أساسه:
هل نجح المغرب في معالجة الهجرة غير النظامية؟
أم أنه نجح فقط في إدارتها أمنياً؟
لأن الفرق كبير.
قد نمنع آلاف الأشخاص من العبور، لكن إذا ظل الشباب المغربي يبحث عن فرصة خارج البلاد، فإن المشكلة لم تُحل.
قد نقوي الحدود، لكن إذا لم نقوِّ المدرسة والمستشفى وسوق الشغل والعدالة الاجتماعية، فإن أسباب الهجرة ستظل موجودة.
وقد نحصل على مئات الملايين من اليوروهات، لكن إذا لم يشعر المواطن بأي تغيير في حياته اليومية، فستبقى الأرقام مجرد أرقام.
سبتة ليست مجرد حادث حدودي
الأحداث الأخيرة في سبتة يجب ألا تُدفن في أرشيف الأخبار.
بل يجب أن تكون مناسبة لفتح نقاش وطني صريح حول السياسة المغربية في مجال الهجرة، وحول الأموال التي رُصدت لها، وحول النتائج التي تحققت.
فالسمعة الدولية للمغرب، والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، والأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذه القضية، كلها تجعل من الضروري معرفة الحقيقة كاملة.
من المسؤول؟ ماذا أُنجز؟ ماذا فشل؟ وكم من المال صُرف؟
هذه ليست أسئلة معارضة أو حكومة.
إنها أسئلة المواطن.
وأخيراً…
منذ 2012 إلى 2026، تعاقبت الحكومات، وتغيرت التحالفات، وتبدلت الوجوه، لكن ملف الهجرة بقي مفتوحاً.
والآن، وبعد سنوات من الدعم والبرامج والتمويلات، وبعد استمرار محاولات الهجرة والمآسي المرتبطة بها، وبعد أزمة سبتة وتداعياتها، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالبلاغات والتصريحات.
نريد كشف الحساب.
نريد أن نعرف كم دخل من المال، ومن استفاد منه، وأين صُرف، وما هي النتائج.
وإذا كان كل شيء قد تم وفق القانون، فليُكشف ذلك للرأي العام.
وإذا كانت هناك اختلالات، فليحدد التحقيق المسؤوليات دون انتقائية أو حسابات سياسية.
فالنيابة العامة مطالبة اليوم بفتح ملف أموال الهجرة، والأحزاب التي دبرت هذه المرحلة من 2012 إلى 2026 مطالبة بتقديم الحساب السياسي أمام الشعب.
السؤال لم يعد: كم أعطى الاتحاد الأوروبي للمغرب؟
السؤال الأخطر هو: أين ذهبت الأموال، ولماذا ما زال الشباب المغربي يريد الهجرة؟
التحقيق أولاً… والحقيقة فوق الجميع.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





