المؤسسات الأمنية ليست طرفا في كل أزمة.. المسؤولية تحددها الاختصاصات والأدلة
بقلم عادل .س

إن حماية النقاش العمومي من الخلط لا تعني الدفاع عن جهة ضد أخرى، بقدر ما تعني التمسك بقاعدة أساسية: لا يجوز تحميل أي مؤسسة مسؤولية قرار لم تتخذه، ولا اتهامها بالتقصير من دون تحديد الواجب القانوني الذي أخلت به والأدلة التي تثبت ذلك.
وتبرز أهمية هذه القاعدة في النقاش الذي يرافق بعض الإعفاءات الحكومية، عندما يجري الانتقال من مساءلة الجهات السياسية التي اقترحت المرشحين إلى اتهام المؤسسات الأمنية، من دون توضيح طبيعة العلاقة بين اختصاصات هذه المؤسسات والقرار موضوع الجدل.
فالقرار السياسي المتعلق باختيار الوزراء لا ينبغي الخلط بينه وبين أي إجراءات للتدقيق أو التحقق قد تمارسها جهات مختصة في إطار القانون. فالأدوار مختلفة، والمسؤوليات لا تنتقل تلقائيا من طرف إلى آخر لمجرد أن النتيجة النهائية أثارت نقاشا أو انتهت بالإعفاء.
وفي هذا السياق، تظل الأحزاب مطالبة بتحمل مسؤولية اختياراتها، وتقديم تفسيرات بشأن معايير الترشيح، ومراجعة مساطرها عندما تظهر معطيات موثوقة تستدعي ذلك. فالمساءلة السياسية لا تعني بالضرورة وجود مخالفة قانونية، لكنها تفرض الاستعداد لمناقشة القرارات وتبعاتها.
وفي المقابل، إذا ظهرت أدلة جدية على تقصير من مؤسسة أمنية في ممارسة اختصاص قانوني محدد، فإن ذلك يستوجب فحصا موضوعيا للمسألة وفق القواعد والإجراءات المناسبة. فلا حصانة مطلقة لأي جهة، لكن لا مسؤولية من دون دليل، ولا يجوز بناء الاتهامات على مجرد التزامن أو التخمين.
إن الإشكال في بعض القراءات المتداولة هو أنها تتعامل مع المؤسسات الأمنية كما لو كانت صاحبة القرار في كل ما يثير الجدل، ثم تنقل إليها المسؤولية السياسية عن اختيارات تعود إلى جهات أخرى. وهذا الخلط لا يساعد على معرفة الحقيقة، بل يوسع دائرة الاتهام ويضعف القدرة على تحديد المسؤول الفعلي.
والمطلوب هو نقاش يلتزم بتوزيع المسؤوليات وفق الاختصاصات، ويمنح الوقائع الموثقة الأولوية على التأويلات، ويفصل بين النقد المشروع والاتهام الذي يحتاج إلى إثبات.
فالأحزاب مسؤولة عن ترشيحاتها، والجهات الرسمية مسؤولة عن قراراتها في حدود صلاحياتها، والمؤسسات الأمنية مسؤولة عن أداء اختصاصاتها القانونية. وعندما يقع خلل مثبت، ينبغي أن تتجه المساءلة إلى الجهة التي يثبت أنها تتحمل مسؤوليته.
بهذا المعنى، فإن الدفاع عن وضوح الأدوار ليس دفاعا عن الإفلات من المحاسبة، بل هو شرط لتحقيقها. فالمحاسبة الجادة لا تبحث عن شماعة، وإنما تحدد المسؤولية وتثبتها وتربطها بالفعل والاختصاص والدليل.





