الواجهةمجرد رأي

حين تتحول الورقة إلى أفعى.

المصطفى عبسي

طالما تناولتُ في كتاباتي قضية الصحراء المغربية، وكنت دائمًا أرى أن هذه القضية أكبر من أن تكون مجرد خلاف سياسي عابر؛ إنها، بالنسبة إليّ، قضية وطن وذاكرة وانتماء ووحدة ترابية لا يمكن أن تكون موضع مساومة.
وقد كان هذا الهم حاضرًا في عدد من نصوصي وقصائدي المتواضعة، وخصوصًا في ديواني «أوجاع من بعيد»، وسيظل حاضرًا في تجربتي الزجلية المقبلة «ب صراحة»؛ لأنني أؤمن أن الكاتب لا يكتب فقط عما يراه، بل يكتب أيضًا عما يؤلمه، وعما يخشى أن ينساه الناس.
ومن موقعي كمغربي، لا يسعني إلا أن أتساءل عن ذلك الكيان الوهمي الذي احتضنته الجزائر لعقود، ووفرت له الأرض والدعم والإمكانات، وجعلت منه ورقة أساسية في صراعها السياسي مع المغرب.
فالسياسة لا تكتب دائمًا النهاية التي يريدها أصحابها.
قد يظن أصحاب القرار في الجزائر، الذين ظل تاريخ علاقاتهم بالمغرب مثقلًا بالخلافات والعداء السياسي، أنهم يستطيعون توظيف هذه القضية بما يخدم حساباتهم الداخلية والإقليمية، وأن الورقة التي يدعمونها ستظل أداة يمكن توجيهها متى شاءوا. لكن منطق السياسة يؤكد في محطات وأحداث كثيرة أن المشاريع التي تُرعى طويلًا قد تكبر خارج الحسابات الأولى لمن رعاها، وأنها قد تكتسب منطقها الخاص ومصالحها الخاصة وطموحاتها التي لا تتوقف بالضرورة عند الحدود التي رسمها لها من احتضنها.
ومن هنا يبرز السؤال:
ماذا لو تحولت الورقة التي تم الرهان عليها سرًا وعلانية إلى كيان يبحث عن مصالحه الخاصة، ويعيد حساباته وفقًا لما يراه مناسبًا لمستقبله؟
قد يحدث ذلك الآن، وقد يحدث بعد حين. فمن يزرع الريح لا ينبغي أن يستغرب حين تهب العواصف.
وهنا أتذكر حكاية ذلك الرجل الذي وجد أفعى ترتعش من قسوة البرد وشدة الشتاء. رقّ قلبه لحالها، فأدخلها إلى جيبه ليمنحها الدفء ويحميها من الهلاك.
وما إن استعادت حرارتها وشعرت بالأمان حتى لدغته بشدة.
قد لا تكون المشكلة في الأفعى وحدها، بل في اليد التي ظنت أن بإمكانها أن تجعل منها حيوانًا أليفًا بمجرد أن تمنحها الدفء.
فالأفعى لم تخنه حين لدغته؛ هو الذي أخطأ حين ظن أن الدفء سيغير طبيعتها.
وهذه الحكاية، في نظري، تصلح استعارة لما قد يحدث عندما يُحتضن مشروع سياسي لعقود خلت، ولعقود قد تمضي، اعتقادًا بأنه سيظل مجرد أداة في يد صاحبه.
قد تظن أنك تمسك بخيوط اللعبة، ثم تكتشف أن ما رعيتَه طويلًا أصبح له منطقه وحساباته وطموحاته الخاصة؛ وقد تتحول الأداة التي صنعتها لخدمة معركتك إلى لاعب يبحث عن مكانه في اللعبة، فتجد نفسك غير قادر على احتواء طموحاته، أو التحكم في اتجاهاته، أو حساب خطواته.
إن المشاريع السياسية لا تبقى دائمًا بالحجم الذي أراده لها أصحابها.
وهذه ليست إلا دعوة قبل فوات الأوان إلى قراءة المشهد السياسي بعين مفتوحة، وقراءة التاريخ بعقل حر، وتربية الأجيال على الحقيقة لا على الحقد.
فالتمسك بمقاليد الحكم لا يحتاج إلى كراهية الجار، واحتضان كيان وهمي لا يحتاج إلى إهانة الإنسان واستعباده، على غرار ما يقع في مخيمات تندوف.
وإذا كان من حق المغرب أن يدافع عن وحدته الترابية بكل الوسائل المشروعة، فمن واجب المغاربة أيضًا، كلٌّ من موقعه، أن يدافعوا عن هذه القضية بالوعي والحجة والتاريخ والكلمة المسؤولة.
لكن ما يؤلمني أكثر هو أن الخلاف السياسي لم يبقَ دائمًا داخل غرف السياسة، بل تسرب إلى الخطاب الإعلامي، وأصبح جزءًا من معركة التأثير في الوعي الشعبي.
فعند تناول العلاقات المغربية الجزائرية، أرى في الخطاب الإعلامي الرسمي الجزائري، مقارنةً بنظيره المغربي، حضورًا واضحًا لصورة نمطية سلبية عن المغرب، مع توظيف انتقائي لبعض الروايات التاريخية بما يخدم الموقف السياسي الرسمي الجزائري، وتركيز في بعض المنابر على تقديم المغرب باعتباره الطرف المعتدي.
وهنا أتساءل:
لماذا نترك التاريخ يُروى للأجيال من زاوية واحدة؟
لماذا لا نفتح كتب التاريخ بكل شجاعة، ونضع أمام المواطن الجزائري والمواطن المغربي الوقائع كما حدثت، بكل تعقيداتها، بعيدًا عن التوظيف السياسي والانتقائية وتزوير الحقائق؟
فالتاريخ ليس ملكًا للأنظمة السياسية، ولا ينبغي أن يتحول إلى مادة لإنتاج الكراهية بين الشعوب.
وهذا هو الدور المنوط بالمثقف الجزائري في هذه المرحلة بالذات، حيث تعج بعض الخطابات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي بالسرديات المغلوطة وخطابات الحقد والتآمر والتخوين التي تتماهى مع ترهات النظام العسكري المتهالك الذي لا يعرف للدبلوماسية سبيلًا.
فالمثقف، في نظري، ليس موظفًا لدى السلطة، ولا صدى للإعلام الرسمي؛ وظيفته أن يسأل، وأن يناقش، وأن يراجع الروايات السائدة، وأن ينبه شعبه إلى ما قد تخفيه الدعاية السياسية، بدل أن يكتفي بترديدها.
لكن تاريخ الجزائر الحديث يحمل صفحات ثقيلة من العنف والقمع والاختفاءات والقتل خلال سنوات الأزمة في التسعينيات، فيما عُرف بالعشرية السوداء.
ولهذا فإن الخوف من السلطة، أو مناخ العنف الذي عاشته الجزائر، لا يمكن تجاهله عند الحديث عن مساحة المثقف في المجتمع، ولا عن مدى قدرته على التعبير بحرية عن مواقف تخالف السردية الرسمية.
ومع ذلك، فإن الحاجة إلى صوت المثقف تبقى قائمة؛ لأن الصمت الطويل أمام الخطاب الأحادي قد يترك الساحة مفتوحة أمام الدعاية، ويجعل الأجيال القادمة ترث روايات لم تتح لها فرصة مناقشتها أو مقارنتها بغيرها.
أما أن تنتقل الخصومة السياسية إلى عقول الأطفال، فذلك أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب.
وإذا كانت بعض المضامين التعليمية أو الكتب المدرسية تقدم، بشكل مباشر أو غير مباشر، صورة عدائية عن المغرب، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط:
ماذا نعلّم أبناءنا؟
بل:
أي أجيال نريد أن نصنع؟
جيلًا يعرف تاريخ جيرانه ويحترم اختلافهم؟
أم جيلًا يرث خصومة لم يخترها، وعداوة لم يصنعها، وصراعًا سياسيًا لم يكن له فيه رأي؟
فما أخطر أن يربي الإنسان خصومةً في عقول أبنائه، ثم يكتشف بعد عقود أن الكراهية التي زرعها لم تعد ملكًا له.
وهذه، في نظري، هي أخطر نتيجة يمكن أن يتركها الصراع السياسي حين يتحول إلى تربية على الخصومة لدى الأجيال القادمة.
إنني، كمغربي، أنبذ بشدة السياسة الجزائرية تجاه بلادي، وأرفض كل موقف أو مشروع يمس بوحدة المغرب الترابية. لكنني، في الوقت نفسه، لا أضع الشعب الجزائري الشقيق في الخانة نفسها.
فالشعبان المغربي والجزائري بينهما أكثر مما تستطيع السياسة أن تمحوه: جغرافيا واحدة، وتاريخ متداخل، وثقافة متقاربة، ولهجات يفهم بعضها بعضًا، وعائلات ودماء وروابط إنسانية واجتماعية لا تعترف بسهولة بالحدود السياسية.
وشخصيًا، وهذا حال كل مغربي غيور على وطنه، لا أحتاج إلى كراهية الجزائري حتى أحب المغرب، ولا إلى إهانة الشعب الجزائري حتى أرفض سياسة حكومته التي أصبحت، عن طريق قنواتها الإعلامية، تتناول ما يجري بالمغرب في كل وقت وحين، دون الإشارة إلى الحال والمآل الجزائري.
ولهذا سأظل أكتب.
كتبت بالأمس في «أوجاع من بعيد»، وسأكتب غدًا في «ب صراحة»؛ لأن الوطن بالنسبة إليّ ليس شعارًا نرفعه حين تشتد العاصفة، بل مسؤولية نحملها في كلمتنا ومواقفنا وضميرنا.
فالكاتب، في نظري، لا ينبغي أن تكون مهمته زيادة النار اشتعالًا، وإنما أن يضع أمام الناس الأسئلة التي قد لا يريد السياسيون سماعها.
المغرب بلدنا الذي ننتمي إليه، وسندافع عن وحدته بالحجة والكلمة والموقف، لأننا نراها جزءًا من هويتنا وذاكرتنا وتاريخنا.
وشخصيًا، سأظل أنتقد ما أراه ظلمًا أو توظيفًا سياسيًا للتاريخ، كما سأظل حريصًا على أن يبقى الفرق واضحًا بين رفض سياسة دولة وكره شعب بأكمله.
فالمغرب لا يحتاج إلى الحقد حتى يكون قويًا، والمغربي لا يحتاج إلى الإساءة إلى الجزائر حتى يثبت وطنيته. يكفيه أن يعرف تاريخه، وأن يفهم حاضره، وأن يحسن قراءة المستقبل؛ لأن حب الوطن موقف، والدفاع عن الأرض مسؤولية، أما كراهية الشعوب عمومًا، والجار منها خصوصًا، فليست وطنية، وهذا ما ينبغي أن يفهمه النظام الجزائري، وأن يلقنه للأجيال، حتى لا يأتي يوم تلدغ فيه الأفعى اليد التي ظنت أنها تملكها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى