24 ساعةأخبار وطنيةالواجهةمجرد رأي

خطبة الجمعة: العدل أساس الملك… فهل يُطبَّق القانون على الجميع؟

بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

*الخطبة الأولى*

 

الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والعدوان، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، عباد الله، فاتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن من أعظم ما قامت عليه رسالة الإسلام إقامة العدل بين الناس.

يقول الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾

ويقول سبحانه:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

أيها المؤمنون،

إن العدل لا يتجزأ، ولا يكون عدلاً إذا طُبِّق على الضعيف وتُرك للقوي، ولا يكون عدلاً إذا حوسب المعارض وتُرك صاحب النفوذ، ولا يكون عدلاً إذا كان القانون صارماً على المواطن البسيط ومتسامحاً مع صاحب المال والسلطة.

وقد قال رسول الله ﷺ:

«إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».

هذه رسالة عظيمة: لا شريف فوق القانون، ولا ضعيف تحت القانون.

عباد الله،

نحن نعيش في مرحلة تكثر فيها التصريحات السياسية، وتُطرح فيها اتهامات خطيرة أمام الرأي العام، وتتحدث بعض التصريحات عن أموال ضخمة، وعن المخدرات، وعن الفساد، وعن المال العام، وعن مسؤوليات سياسية.

وهنا لا يجوز للمؤمن أن يحكم على الناس بمجرد الكلام، لأن الإسلام يأمرنا بالتثبت.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾

ولكن، في المقابل، إذا ظهرت معطيات جدية وشبهات تستوجب البحث، فإن الواجب هو التحقق والتحقيق، لا التجاهل ولا الانتقائية.

ومن هنا يحق للمواطن أن يسأل:

هل القانون واحد على الجميع؟

هل تُفتح الأبحاث عندما تكون هناك تصريحات خطيرة، أياً كان صاحبها وأياً كان الشخص الذي تتعلق به؟

هل تتم مساءلة كل من يقدم معطيات جدية إلى الرأي العام؟

هل المال العام له حرمة؟

وهل حماية المجتمع تقتضي أن يكون القضاء والمؤسسات فوق الحسابات السياسية والحزبية؟

أيها المسلمون،

إن النيابة العامة، وسائر مؤسسات الدولة، ليست موجودة لحماية الأشخاص، وإنما لحماية الحق والعدل والمجتمع والقانون.

ومن الخطأ أن تتحول المؤسسات إلى أدوات في الصراع السياسي، كما أنه من الخطأ أن تتحول التصريحات السياسية إلى أحكام قضائية.

فلا ندين أحداً قبل ثبوت مسؤوليته، ولا نحمي أحداً من المساءلة بسبب منصبه أو نفوذه.

هذه هي العدالة التي يريدها الإسلام.

وهذه هي دولة الحق والقانون.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله،

إن من أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات أن يفقد المواطن ثقته في العدالة وفي المؤسسات.

فإذا اعتقد المواطن أن القانون يطبق على فئة دون أخرى، وأن الضعيف يحاسب بينما القوي يفلت، فإن الثقة تنهار، وحين تنهار الثقة يضعف احترام القانون.

وقد حذرنا الله تعالى من الظلم فقال:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾

وقال سبحانه:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

أيها المؤمنون،

إن محاربة الفساد ليست شعاراً انتخابياً، ولا ورقة حزبية، ولا وسيلة لتصفية الحسابات.

إنها أمانة ومسؤولية دينية ووطنية.

والمال العام أمانة في أعناق المسؤولين، ومن اعتدى عليه فقد اعتدى على حق المجتمع كله.

ولهذا فإن المواطن من حقه أن يطالب بالشفافية، ومن حقه أن يسأل، ومن حقه أن يطالب بالتحقيق عندما تكون هناك معطيات جدية.

لكن عليه كذلك أن يتقي الله، فلا يتهم الأبرياء، ولا ينشر الإشاعات، ولا يحول الخصومة السياسية إلى تشهير وقذف.

نريد عدالة لا انتقاماً، وتحقيقاً لا تصفية حسابات، وقانوناً لا يخاف من القوي ولا يظلم الضعيف.

أيها المسلمون،

إن قوة الدولة لا تكون بالخوف من القانون، وإنما بالثقة في عدالته.

وقوة المؤسسات لا تكون بحماية المسؤول من المساءلة، وإنما بإخضاع الجميع للقانون.

وقوة الوطن لا تكون بإسكات الأصوات المعارضة، وإنما بفتح المجال لكل من يملك معلومة أو دليلاً أن يضعه أمام المؤسسات المختصة، لتقول كلمتها وفق القانون.

فنسأل الله تعالى أن يحفظ وطننا، وأن يحفظ ملك البلاد، أمير المؤمنين، وأن يوفقه لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يحفظ مؤسسات المملكة، وأن يجعل العدل أساساً للحكم، والأمانة أساساً للمسؤولية.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

اللهم احفظ المغرب من الفساد والظلم والاستبداد، واحفظ أموال الأمة من كل اعتداء.

اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين.

عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى