الواجهةمجرد رأي

سيكولوجية الطاعة و صناعة الاستبداد

بقلم: عبد المولى المروري

سيكولوجية الطاعة و صناعة الاستبداد
وبعبارة أخرى: نديم السلطان في مدح و ذم الباذنجان..
======

قبل أن تبدأ بقراءة هذا الموضوع.. أقدم بين يديك هذه الملاحظات الأولية:
– هذا الموضوع كتبته قبل «التوضيح».. حالت دون نشره في إبانه بعض الظروف الخاصة..
– هذا الموضوع مرآة تنعكس فيها حقيقة الكثير من الوجوه .. وأسهل ما سيقوم بعضهم هو كسر هذه المرآة بدل التأمل الجيد والموضوعي في حقيقته.. وسيعتبره البعض الآخر موضوعا مهما يحظى بالكثير من الموضوعية والنزاهة..
– هذا الموضوع هو نهاية الفصل الأخير من فصول كتاباتي عن الحزب..
– هذا الموضوع يفتح بابا للنقاش الموضوعي والعميق في إطار الاحترام والتقدير.. فمن وجد في نفسه رغبة للسخرية والتهكم والشتم فلا داعي لإضاعة وقته في قراءته والتشويش على هذه الصفحة بتعليقات لا تغني النقاش ولا تفيد الأصدقاء..
– أتمنى لكم قراءة موضوعية ومفيدة..
بالنسبة إلي، لا تكمن المشكلة في أن يغير السياسي رأيه؛ فالسياسة التي لا تعرف المراجعة تتحول إلى عقيدة جامدة، والإنسان الذي لا يراجع نفسه و يناقشها قد يكون أسيراً لمواقفه أكثر منه وفياً لمبادئه.
المشكلة تبدأ عندما يغير الزعيم رأيه، فيغير بعض أتباعه آراءهم معه، ثم يتكفلون بعد ذلك بالبحث عن المبررات.
قال «نعم» فقالوا «نعم».. ثم قال «لا»، فقالوا «لا».
و الأغرب أنهم يجدون في الحالتين من الحجج ما يثبت أن الزعيم كان مصيباً!
و هنا لا نعود أمام اختلاف سياسي عادي، وإنما أمام ظاهرة تستحق أن تُقرأ من زاوية علم النفس السياسي وعلم الاجتماع السياسي، إذ كيف تتحول العلاقة بين القائد وأتباعه من علاقة سياسية تقوم على الأفكار والمؤسسات إلى علاقة ولاء نفسي قد يكون فيها الزعيم وحده معياراً للصواب و الخطأ؟ و كيف يساهم الأتباع و المريدون، من حيث يعلمون أو لا يعلمون، في صناعة الزعيم المستبد؟
وحتى لا يزايد عليّ أحد.. وقبل الدخول في الموضوع، لا بد من توضيح شخصي له علاقة بالتوقيع على التطبيع.
حينها لم أنتظر عبد الإله ابن كيران أو غيره كي أحدد موقفي من توقيع سعد الدين العثماني على الإعلان الثلاثي المغربي الأمريكي الصهيوني.. فقد كنت من أوائل و أشد المنتقدين للعثماني عندما تم توريطه واستدراجه إلى ذلك التوقيع، وعبّرت عن موقفي بوضوح، رغم أن ابن كيران نفسه خرج آنذاك طالباً من أعضاء الحزب عدم التسرع في مهاجمة العثماني ملتمسا له الأعذار والتبريرات.
و موقفي هذا من التطبيع معروف ولم يتغير حتى أحتاج اليوم إلى إعادة إثباته.. ولذلك فأنا لا أدافع هنا عن توقيع العثماني.. ولا أبحث له عن مبررات بأثر رجعي.. الموضوع مختلف تماماً.
موضوعي بالأساس هو ازدواجية المعايير، واستقلال الموقف عن موقف الزعيم، وأخلاق الاختلاف، وحدود الاحترام الواجب بين إخوان المسار الواحد، ثم تلك القابلية العجيبة لدى بعض الأتباع للعثور على المبررات للزعيم في الموقف  ونقيض الموقف.
وبما أن للتاريخ ذاكرة.. وبعد توقيع سعد الدين العثماني على الإعلان الثلاثي في دجنبر 2020، تعرض الرجل لهجوم شديد.. لكن عبد الإله ابن كيران خرج يومها رافضاً التسرع في إدانته، وداعياً إلى انتظار مؤسسات الحزب والاستماع إلى العثماني قبل الحكم عليه.
لقد كان منطق ابن كيران واضحاً حينها، «فالعثماني لم يوقع بوصفه شخصاً عادياً، وإنما بصفته رئيساً للحكومة، والرجل الثاني في الدولة، وتوقيعه مرتبط بالدولة ورئاستها».. هكذا قال..
بل طرح ابن كيران بنفسه السؤال، هل كان بإمكان العثماني أن يرفض التوقيع؟ ثم عاد بعد ذلك ليؤكد أن الدولة هي التي طبعت، لا حزب العدالة والتنمية.. وما تزال كلمته تلك تطوف صفحات التواصل الاجتماعي..
كان هذا موقف ابن كيران.. وكان موقفي مختلفاً عنه تماما.. حيث انتقدت سعد الدين العثماني، وطلبت منه تقديم استقالته كأمين عام الحزب حفاظا على ماء وجهه وماء وجه الحزب.. كما انتقدت ابن كيران عندما طالب من أعضاء الحزب الصمت كي لا نساهم في إضعاف الدولة.. وأكدت خلالها أن الدولة هي التي اضعفت نفسها بذلك التوقيع المشؤوم عندما قبلت الخضوع للابتزاز السياسي الأمريكي الصهيوني.. وانتقدت كذلك في مقال طويل تلك النظرية التي تقول:«للأنظمة إكراهاتها .. وللشعوب اختياراتها» والتي سوق لها أحد قياديي الحزب كي يخفف وطأة الضغط على الدولة وعلى سعد الدين العثماني..
ومرت ست سنوات تقريباً.. ثم خرج ابن كيران ليخاطب الرجل نفسه بلهجة أخرى: «الزم بيتك»… «وشد تيقارك». واستحضر توقيعه على اتفاق التطبيع باعتباره عبئاً على الحزب، حيث أصبح خصوم الحزب يعيرونه به.
ورغم ذلك، من حق ابن كيران أن يغير موقفه.. ومن حقه أن يقول اليوم إن تقديره سنة 2020 كان خاطئاً.. ومن حقه أن ينتقد العثماني بأشد العبارات السياسية.. لكن السؤال هو، ما الذي تغير في الوقائع حتى ينتقل التوقيع من فعل كان ينبغي فهمه وقبوله والدفاع عنه داخل بنية الدولة.. إلى عبء شخصي وحزبي يُلقى اليوم على كتفي العثماني وحده؟
إن تغير الموقف ليس مشكلة في حد ذاته.. المشكلة هي تغير المعيار دون تفسير.. وهذا ما لم نجده في تهجم ابن كيران على العثماني!!
ثم هناك شيء آخر مستقل تماماً عن التطبيع.. لأن الإشكال في العمق وفي الحقيقة له علاقة بسؤال الأخلاق..
فحتى لو سلمنا بأن سعد الدين العثماني أخطأ.. وحتى لو حملناه المسؤولية السياسية كاملة عن التوقيع.. وحتى لو اعتبرنا مشاركته الأخيرة في الحملة الانتخابية خطأ في التقدير.. فهل يبرر ذلك أن يُخاطَب رجلٌ كان أميناً عاماً للحزب ورئيساً للحكومة وأخًا ورفيقا في المشروع السياسي لعقود بعبارة: «الزم بيتك… وشد تيقارك»؟
هنا لا أناقش السياسة.. وإنما أناقش الأخلاق والسلوك واللغة المستعملة.. لأن الاختلاف شيء، والإهانة شيء آخر.. ونقد الموقف شيء، والحط من صاحبه شيء آخر.
وإذا كانت المرجعية التي يستند إليها الحزب مرجعية إسلامية أخلاقية، فإن أول اختبار لهذه المرجعية ليس حين نتعامل مع خصومنا، وإنما حين نختلف مع إخواننا.. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.. وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
فالسياسة لا تلغي الأخلاق.. والمعركة السياسية لا تمنحنا رخصة لإهانة الأشخاص.. ومن الغريب أن يصبح التذكير بهذه المبادئ عند البعض مجرد انغماس في «الخطاب الأخلاقوي».. فمتى أصبحت الأخلاق في حزب ذي مرجعية إسلامية أخلاقوية؟
وهنا تحضرني  تلك الحكاية الأدبية الشهيرة المتداولة عن الأمير وخادمه.
– قال الأمير يوماً لخادمه: تميل نفسي إلى أكلة باذنجان.
فانطلق الخادم في مدحه:
– الباذنجان سيد المأكولات؛ يؤكل مقلياً ومشوياً، وله من المحاسن ما له.
– فقال الأمير: ولكنني أكلت منه قبل أيام فنالني منه كرب.
فانقلب الخادم في اللحظة نفسها:
– لعنة الله على الباذنجان! ثقيل غليظ نفّاخ!
– فاستغرب الأمير: ويحك! تمدح الشيء وتذمه في وقت واحد؟.
– فأجابه الخادم بالعبارة التي تختصر فلسفة كاملة في التملق:
– «أنا خادم للأمير يا مولاي، لا خادم للباذنجان.. إذا قال الأمير نعم.. قلت نعم، وإذا قال.. لا قلت لا».
قد تكون الحكاية ساخرة.. لكنها تلخص تاريخاً طويلاً من علاقة السلطة بالبطانة، والشيخ بالمريد.
المشكلة كانت في أن الخادم لم تكن له علاقة مستقلة بالباذنجان أصلاً.. لكن موقفه من الباذنجان يمر عبر الأمير.. وهذا هو جوهر التبعية السياسية.
وبهذا عرفت قصور الملوك والسلاطين عبر التاريخ صنفاً من البشر يعيش بالقرب من الحاكم، يتعلم بالتجربة ماذا يحب أن يسمع وماذا يكره.. والداء نفسه انتقل إلى الأحزاب والجماعات السياسية، ومن هنا تنشأ واحدة من أخطر آليات الاستبداد التي تتمثل في الرقابة الذاتية أمام الحاكم والزعيم.
إنها الحالة التي لا يعود فيها المرء بحاجة إلى شرطي يمنعه من الكلام.. لأن الشرطي أصبح داخله.. وقبل أن يتكلم يسأل نفسه: كيف سيتلقى الأمير (أو الحاكم أو الزعيم) كلامي؟
ومن هنا عرفت البلاطات والقصور عبر التاريخ الشعراء والندماء والكتاب الذين بالغوا في صناعة صورة الحاكم، كما عرفت مقرات الأحزاب أتباع ومريدين بالغوا في رسم صورة الزعيم بشكل تنزهه عن الخطأ وتحصنه عن النقد..
فالنصر الصغير يصبح فتحاً عظيماً.
والقرار العادي يصبح حكمة تاريخية.
والخطأ تُختلق له أسباب ومبررات لم يفكر فيها الحاكم أو الزعيم نفسه.
والمنتقد يصبح حاقداً.
والمعارض يصبح خائناً.
علما أن بعض هؤلاء الندماء أو الاتباع ليسوا من العوام أو الأميين.. وهنا تكمن الخطورة.. فقد يكون المتملق مثقفاً، ذكياً، فصيحاً، قادراً على بناء الحجج.. لكنه يستخدم ذكاءه لا لاختبار رأي السلطان (الزعيم)، وإنما لإثبات صحة رأيه.. وهنا ننتقل من التملق البسيط إلى ما يمكن تسميته «التملق الذكي».
فالخادم القديم كان صريحاً عندما قال إذا قال الأمير نعم.. قلت نعم.. أما التابع السياسي المعاصر فأكثر تعقيداً.. فهو لا يقول قال الزعيم نعم.. ولذلك سأقول نعم.. بل يقول الزعيم نعم أولاً، ثم يبدأ التابع بالبحث في التاريخ والدستور والسياسة والفقه والمصلحة والظرفية والسياق حتى يجمع عشرة أسباب تثبت أن «نعم» التي قالها الزعيم هي عين الحكمة.
ثم يقول الزعيم بعد سنوات: لا.. فيعود العقل نفسه إلى المصادر نفسها والوقائع نفسها، فيستخرج عشرة أسباب أخرى تثبت أن «لا» هي عين الحكمة!
وهنا يصبح الذكاء نفسه خادماً للتبعية.. حيث لم يعد العقل يبحث عن الحقيقة.. بل يبحث عن الحجة التي يحتاج إليها الزعيم.. وهذا أخطر من الخادم الساذج.
فالخادم القديم كان يعرف أنه ينافق..أما المثقف المبرر فقد ينجح مع كثرة التبريرات في إقناع نفسه بأنه يفكر باستقلال.
وهنا نصل إلى واحد من أعمق النصوص القرآنية في فهم العلاقة بين الاستبداد والطاعة، فقد قال الله تعالى ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾.
فدقة التعبير القرآني مدهشة للغاية.. فالله عز وجل لم يقل: فأمر قومه فأطاعوه.. بل قال سبحانه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾.. فالاستخفاف جاء أولاً، ثم جاءت الطاعة نتيجة له.. وقد فسر المفسرون الاستخفاف هنا بمعنى التأثير في عقول القوم وحملهم على الانقياد.
لكن الآية لا تقدم فرعون وحده.. بل أيضاً قوم فرعون.. فهناك مستخِف.. وهناك من هو قابل للاستخفاف.. أي هناك مستبد.. وهناك مطيع.
ومن هنا نستطيع أن نقول بلغة علم الاجتماع السياسي إن الاستبداد علاقة، وليس شخصاً فقط. فالزعيم المستبد يحتاج إلى بيئة تسمح باستبداده. بل إن هذه البيئة قد تشارك في صناعته.. لذلك فالزعيم يصنع المطيعين.. والمطيعون يصنعون الزعيم.. إنها علاقة تبادلية..

فنحن عادة ما نسأل لماذا يستبد الزعماء؟
لكن السؤال الآخر لا يقل أهمية عن الأول، لماذا يطيع الأتباع؟
ولماذا يتحول بعضهم من أعضاء في مؤسسة سياسية إلى مريدين لشخص وكأنهم في زاوية؟
علم النفس السياسي يقدم لنا عدة مفاتيح..
أولها التماهي: فحين يرتبط الإنسان سنوات بزعيم معين، قد يصبح هذا الزعيم جزءاً من هويته الشخصية والسياسية.. وعندها لا يشعر أن نقد الزعيم موجه إلى الزعيم وحده.. بل يشعر أن النقد موجه إليه هو أيضا .. لذلك يتحول النقاش السياسي إلى دفاع نفسي عن الذات.
أنت تقول مثلا: الزعيم أخطأ.
وهو وكأنه يسمع: أنت أخطأت حين اتبعته كل هذه السنوات.
ومن هنا تبدأ المقاومة.
ثانيها التنافر المعرفي، فهذه آلية شديدة الأهمية.. فالإنسان يحتاج إلى قدر من الانسجام بين أفكاره ومواقفه وصورته عن نفسه وعن الأشخاص الذين يؤمن بهم.
فإذا أمضى العضو سنوات يقول إن الزعيم حكيم.. وصاحب بصيرة.. وثابت على المبادئ… ثم صدر عن هذا الزعيم موقف يتعارض مع هذه الصورة التي تكونت لدى هذا العضو منذ سنوات، تنشأ حالة نفسية غير مريحة.. ويصبح أمام خيارين:
إما أن يقول: لقد أخطأ الزعيم.. وهذا يعني تعديل الصورة التي بناها عنه وربما الاعتراف بأنه بالغ في تقديره.
وإما أن يحافظ على الصورة، ويعيد تفسير الواقعة.. وهذا غالباً أقل كلفة نفسية.. ومن هنا يبدأ التبرير: “لم يقصد”.. “كلامه أخرج من سياقه”.. “هناك معطيات لا نعرفها”.. “المرحلة تقتضي ذلك”.. “لقد استفزوه”.. “إنه يعرف أكثر منا”.. وهكذا …
ثم، إذا أصبح الدفاع عن الفعل نفسه صعباً بسبب انزلاقات الزعيم الكبيرة، ينتقل الدفاع إلى مستوى آخر: نعم، ربما أخطأ في الأسلوب، لكن علينا أن نناقش الجوهر..
وهكذا تتحرك «نقطة النقاش» باستمرار من موضوع إلى آخر.. حتى تبقى صورة الزعيم محصنة عن أي نقد.. محمية من أي خدش.
ثالثها الامتثال للجماعة باعتبارها قوة فوق العضو ومؤثرة عليه.. فالإنسان لا يعيش داخل الحزب منفرداً.. هناك أصدقاء ورفاق وإخوة وأصدقاء ومجموعات ومناضلون وقيادات، وهناك تاريخ مشترك وهوية مشتركة.
فإذا رأى العضو المحيطين به يتبنون موقفاً واحداً، يبدأ ضغط الجماعة في الاشتغال.. وقد لا يكون مقتنعاً تماماً.. لكنه يسأل نفسه: هل يعقل أن يكون هؤلاء جميعاً مخطئين وأنا وحدي المصيب؟ فيلوذ بالصمت.

ثم يرى عضو آخر صمته، فيعتقد أنه موافق.. فيصمت هو أيضاً.. وهكذا يمكن أن توجد داخل التنظيم أغلبية من المتحفظين، بينما يعتقد كل واحد منهم أنهم أقلية.
وهنا لا ينتصر الرأي دائماً لأنه الأقوى حجة.. بل قد ينتصر لأنه الأكثر ظهوراً والأعلى صوتاً والأقوى نفوذا والأقرب إلى مركز السلطة.
رابعها التفكير الجماعي النمطي، وهي مرحلة أعمق .. وتأتي بعد مرحلة الامتثال.. حيث تصبح في هذه الحالة المحافظة على انسجام الجماعة أهم من اختبار صحة وسلامة قراراتها.
ويبدأ الأمر غالباً بعبارات تبدو معقولة ومنطقية بالنسبة للعقل الجمعي: “ليس هذا وقت الخلاف”.. “علينا المحافظة على وحدة الصف”.. “الخصوم يتربصون بنا”.. “لا تعطوا خصوم الحزب مادة ضدنا”.
لكن هذه العبارات قد تتطور تدريجياً إلى العبارات الموالية: “النقد يضعف الحزب”.
ثم إلى : “المنتقد يشوش على الحزب”.
ثم إلى: “المنتقد يخدم الخصوم”.
ثم: “من ينتقد القيادة يستهدف الحزب”.
وهنا تحدث أخطر عملية في التنظيم، حيث يصبح الزعيم والحزب شيئاً واحداً.. فانتقاد الزعيم يصبح انتقاداً للحزب.. والاختلاف معه يصبح خروجاً عن الصف.. والدفاع عنه يصبح دليلاً على الوفاء للمشروع… وهكذا … إنها «النمطية الفكرية» و«التصلب التنظيمي».. (مفهومان سأتوسع فيهما في مقالات قادمة)..
وخامسها الطاعة للسلطة والهيبة، حيث تحظى سلطة الموقع نفسه بمكانة كبيرة، وأحيانا متضخمة.. فالزعيم، خصوصاً إذا امتلك تاريخاً نضالياً وكاريزما وقدرة خطابية وشعبية واسعة، لا يعود مجرد شخص داخل التنظيم.. بل يصبح رمزاً كبيرا .. ويتحول رصيده التاريخي إلى نوع من الرأسمال الرمزي يستعمله للضغط بكل ثقله على الفكر الجمعي.. فتنتج عن ذلك نمطية فكرية واحدة..
وهنا يبدأ بعض الأتباع في التفكير بهذه الطريقة: “هذا الرجل عاش السياسة أكثر مني”.. “يعرف ما لا أعرف”.. “له خبرة لا أملكها”.. رأى ما لم أره أنا”.. “هو الوحيد القادر على المواجهة”…
وهذه الاعتبارات قد تكون صحيحة ولو جزئياً.. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الخبرة من سبب للاستماع إلى الزعيم إلى سبب لعدم مساءلته أو مراجعته.. فالخبرة تمنح الرأيَ وزناً.. لكنها لا تمنحه العصمة والحصانة والمنعة.
سادسها التبرير بعد الواقعة.. وهنا نصل إلى واحدة من أهم الآليات في موضوعنا.
ففي التفكير المستقل تكون العملية على هذا النحو: وقائع، يتبعها تحليل، وتنتهي بموقف.
فالمنهج السليم أن نبحث في الوقائع أولاً، ثم نحللها، ثم نحدد موقفنا.. لكن التابع المفرط في الولاء غالبا ما يعكس العملية، فيبدأ من موقف الزعيم ثم النتيجة، وأخيرا البحث عن الحجج.
فالنتيجة معروفة مسبقاً.. والمطلوب من عقل التابع تبريرها وليس الوصول إليها عن طريق التحليل.
قال الزعيم نعم؟ فيبدأ البحث عن الأسباب التي تجعل «نعم» صحيحة.
قال بعد سنوات لا؟ ثم يعود العقل نفسه إلى الوقائع نفسها ليبحث عن الأسباب التي تجعل «لا» صحيحة.
وهنا ننتقل من التملق الساذج إلى التملق الذكي.. فخادم الأمير القديم كان يقول ببساطة: «إذا قال الأمير نعم، قلت نعم، وإذا قال، لا قلت لا».. أما التابع المعاصر فلا يقول ذلك.. إنه يستطيع أن يكتب مقالاً كاملاً يشرح فيه لماذا كانت «نعم» أمس عين الحكمة، ثم يكتب مقالاً آخر يشرح فيه لماذا أصبحت «لا» اليوم مقتضى الحكمة نفسها.
وهنا لا يعود العقل أداة لمراقبة ومساءلة ومراجعة القائد أو المسؤول.. بل يصبح مصنعاً لإنتاج مبرراتها.
وآخرها إعادة التأطير.. وهي آلية شديدة الذكاء، لأنها تعمل على إعادة تأطير المشكلة من الأساس، وإعادة عرضها.
فعندما يصبح الدفاع المباشر عن موقف الزعيم صعباً ومربكا للبعض، حينها لا نجيب عن السؤال المطروح موضوع القضية، بل نغير السؤال.. وهذا ما يجعل بعض أشكال التبرير قوية ظاهرياً.
خذ الحالة التي بدأنا منها.. السؤال الأصلي بسيط: «لماذا انتقل ابن كيران من الدفاع عن العثماني إلى مخاطبته بتلك القسوة؟»
يمكن أن تكون الإجابة كالتالي:
لأنه راجع موقفه.
أو لأن معطيات جديدة ظهرت له.
أو لأنه يرى اليوم أن تقديره السابق كان خاطئاً.
لكن يمكن القيام بشيء آخر (إعادة تأطير النقاش)، نغير مركز السؤال كله فنقول:
لماذا شارك العثماني في الحملة؟
لماذا لم يفسر للناس توقيعه على التطبيع ؟
كيف استفاد الخصوم من مشاركته في المهرجان؟
كيف شوشت مشاركته على حملة الحزب؟

كل هذه الأسئلة قابلة للنقاش في ذاتها.. لكنها لا تجيب بالضرورة عن السؤال الأصلي، «لماذا تغير موقف ابن كيران؟»
وهنا تحدث عملية نفسية وخطابية دقيقة قلما ننتبه إليها:
بدأنا بتفسير سلوك ابن كيران الذي بدأ بالتهجم على العثماني.
وانتهينا بمحاكمة العثماني الذي هاجمه ابن كيران.
أي انتَقَلَت المسؤولية من الفاعل إلى موضوع الفعل.
وهذا بالضبط ما يجعل تدوينات البعض التي اعتمدت هذا الأسلوب مثيرة للاهتمام وتصبح كنموذج يستدعي الدراسة والتحليل.
فبعضها تعترف منذ البداية أن ابن كيران دافع عن العثماني بالأمس… كما تعترف أن ابن كيران هاجمه اليوم.
لكنها بعد ذلك تنتقل إلى نوع من الاتهام حول مشاركة العثماني في الحملة، وعدم توضيحه الكافي لظروف التوقيع، واستفادة الخصوم من مشاركته، والتذكير بموقف الحزب من التطبيع، لتنتهي إلى أن العثماني هو الذي «شوّش على اللحظة السياسية داخل الحملة».
وهكذا بدأ السؤال «لماذا هاجم ابن كيران اليوم من دافع عنه بالأمس؟»
وانتهى تقريباً إلى «لماذا وضع العثماني ابن كيران في وضع سياسي دفعه إلى مهاجمته؟»
وهذا نموذج واضح لما يمكن أن نسميه “إعادة بناء الواقعة لحماية صورة الزعيم”.
وهناك اختبار ذهني بسيط يساعدنا على معرفة مقدار استقلال موقف العديد من الأتباع عن الزعيم.
لنفترض أن ابن كيران لم يهاجم العثماني.. ولنفترض أنه خرج ليقول: «سعد الدين أخونا، وقد تحمل مسؤولية الدولة في ظرف استثنائي، ولا يجوز تحميله منفرداً مسؤولية قرار لم يكن قرار الحزب».
هل كان المدافعون عن ابن كيران اليوم سيخرجون ليقولوا له: «أنت مخطئ يا ابن كيران عندما أثنيت على العثماني؛ كان عليك مهاجمته؟».. هل كان الأتباع سيقولون ذلك؟
ولنفترض العكس.. لو خرج ابن كيران غداً وقال: «لقد قسوت على أخي سعد الدين، والرجل تحمل مسؤولية لم يكن يستطيع التنصل منها، وأنا أعتذر له».. هل سيستمر هؤلاء بالحدة نفسها في تحميل العثماني مسؤولية «التشويش على اللحظة السياسية»؟ أم سيبدأ البحث عن الأسباب التي تجعل موقف ابن كيران الجديد حكيماً أيضاً؟
هنا يعود إلينا خادم الأمير مرة إخرى:«أنا خادم للأمير، لا خادم للباذنجان».
إذن، اختبار الاستقلال الفكري ليس: «ما رأيك في الباذنجان؟»، بل «هل تستطيع أن تحدد رأيك في الباذنجان قبل أن تعرف رأي الأمير فيه؟»..

وهذا هو ما أسميه الانتقال من «الانضباط التنظيمي» إلى «العبودية التنظيمية»، وهي الظاهرة الذي لا يقبل الكثيرون الاعتراف بها داخل التنظيمات التي يطوف أعضاؤها حول مركزية الزعيم..
فإذا كان كل حزب يحتاج إلى الانضباط.. وكل مؤسسة تحتاج إلى قيادة.. وكل قيادة تحتاج إلى قدر من الثقة.. حتى لا يتحول التنظيم إلى سوق يقرر فيه كل فرد ما يشاء متى شاء.. فإن الانضباط شيء، وإلغاء العقل شيء آخر.. احترام القيادة شيء، وتقديسها شيء آخر.. وحدة الصف شيء، ووحدة الرأي شيء آخر.. والوفاء للزعيم شيء، وتسليمه وظيفة التفكير نيابة عنا شيء آخر.
المشكلة تبدأ عندما تصبح عبارة: «هذا رأي الأمين العام» نهاية للنقاش بدل أن تكون بداية له.. وهذه هي العبودية التنظيمية.. فكيف تتطور هذه الظاهرة داخل التنظيمات في صمت وهدوء..؟
يشرح مفهوم التفكير الجماعي – الذي أشرت إليه أعلاه – جانباً آخر من هذه الظاهرة.. حيث قد تكون داخل التنظيم مجموعة كبيرة من الأشخاص لديهم تحفظات على قرار ما.. لكن كل واحد منهم يعتقد أن الآخرين مقتنعون به.. فيصمت.
فيرى الآخر صمته فيعتبره موافقة.. فيصمت بدوره.
وهكذا يمكن أن توجد داخل الحزب أو التنظيم أغلبية غير مقتنعة، لكنها تتصرف كما لو كانت مقتنعة لأن كل فرد يخشى أن يكون وحده. ثم تتحول المحافظة على «وحدة الصف» إلى قيمة أعلى من البحث عن الصواب أو الحقيقة.
وغالبا ما يبدأ الأمر على الشكل التالي:
الوقت ليس مناسباً للنقد.
ثم، النقد يضعف الحزب.
ثم، النقد يخدم الخصوم.
ثم، من ينتقد القيادة يستهدف الحزب.
وفي النهاية، الزعيم هو الحزب.. والحزب هو الزعيم..
والإنصاف يقتضي ألا نضع الجميع في خانة واحدة.. فليس كل المطيعين سواء، هناك المريد الصادق الذي يحب زعيمه ويثق به إلى درجة أنه يفوض إليه التفكير نيابة عنه.. وهناك الخائف الذي يرى الخطأ ولا يريد دفع ثمن الاعتراض عليه.. وهناك الانتهازي الذي يعرف الخطأ، لكنه يعرف أيضاً أن قربه من الزعيم يفتح له أبواباً مغلقة.. وهناك المبرر المثقف الذي يحول ثقافته إلى مصنع لإنتاج لحجج.. وهناك الصامت الذي يقول ليست هذه هي اللحظة المناسبة للنقد.. ثم تمر اللحظات كلها ولا تأتي اللحظة المناسبة أبداً.
لكن أخطر هؤلاء ربما هو المبرر الذكي.. لأن الخائف يعرف أنه خائف.. والانتهازي يعرف أنه انتهازي.. أما المبرر فقد يعتقد فعلاً أنه يمارس التفكير النقدي، بينما كل ما يفعله هو البحث عن أفضل طريق عقلي للوصول إلى النتيجة التي حددها الزعيم مسبقاً.
ويبقى السؤال الآخر، كيف نصنع «أنا الزعيم»؟ وماذا يحدث للزعيم نفسه وسط كل هذا؟
فالزعيم بشر.. يعيش سنوات يسمع فيها باستمرار:
أنت الأعلم.
أنت الأشجع.
أنت الأقدر.
لولاك لضاع الحزب.
الجماهير لا تريد غيرك.
خصومك يخافون منك.
من ينتقدك فهو حاقد.
ومن يخالفك لا يفهم السياسة.
قد لا يصدِّق كل ذلك في البداية.. لكن الإنسان يتأثر بالصورة التي يعيد محيطه عرضها عليه كل يوم.. وهكذا تتضخم الصورة بالتدريج: «أنا الزعيم».
كل تصفيق ينفخ فيها.. كل متملق يضيف إليها شيئاً.. كل ناقد لهذا الوضع ولكنه يغادر المنظومة، يزيل حاجزاً أمام تضخمها.. حتى يبدأ القائد بالانتقال نفسياً وتنظيمياً من: «أنا أقود الحزب».. إلى: «أنا أعرف الحزب»..
ثم: «أنا أعرف مصلحة الحزب».
ثم: «أنا أمثل الحزب».
ثم، دون أن ينطق بها ينتهي به الأمر إلى: «أنا الحزب».
وهنا تتكون دائرة خطيرة داخل المنظومة المغلقة، حيث يصنع الزعيم المطيعين.. ثم يصنع المطيعون الزعيم.. ثم يصبح الزعيم أكثر ثقة في ذاته.. فيزداد المطيعون يقيناً بأنه استثنائي.. فيزداد هو اقتناعاً بذلك.. فيَقِل النقد.. وتقل المعلومات المخالفة التي تصل إليه.. فتكبر أخطاؤه.
لكن المبررين يعيدون تفسير الأخطاء.. فيزداد اقتناعه بصواب رؤيته.. وهكذا تغلق المنظومة.. وهذا ما يجعل الاستبداد التنظيمي أحياناً أخطر من الاستبداد المفروض بالقوة؛ لأنه يتحول إلى ثقافة جماعية وعبودية تنظيمية.

وهنا تكمن واحدة من أعظم مفارقات القيادة.. فالمادح يُسعد ويُريح الزعيم.. أما الناقد فيزعجه ويغضبه.

لكن الناقد يعطيه شيئاً لا يستطيع المادح أن يعطيه إياه.. الحقيقة التي لا يريد سماعها.. ولهذا فإن الزعيم الذكي لا يقيس وفاء المحيطين به بمقدار اتفاقهم معه.. بل بمقدار صدقهم معه.
فالذي يقول لك أخطأتَ.. قد يحميك من خطأ أكبر.
أما الذي يقول أنت دائماً على صواب.. فقد يكون، من حيث لا يدري، واحداً ممن يحفرون لك الطريق إلى الهاوية.
لذلك الناقد والمعارض قد يكون أكثر وفاءً للزعيم من المادح..
وعليه، لا يكفي أن نسأل، لماذا يستبد الزعيم؟
بل ينبغي أن نسأل أيضاً، لماذا يحتاج بعض الناس إلى زعيم يفكر عنهم؟
لماذا يحتاجون إلى من يحدد لهم من يحبون ومن يكرهون؟
من هو المناضل ومن هو المشوش؟
متى يتكلمون ومتى يصمتون؟
متى يكون الشخص بطلاً ومتى يصبح عبئاً؟
ومن هنا نستنتج أن المرض ليس في الزعيم وحده.. بل فيمن يحيطون به ويزينون له أخطاءه..
فالحرية متعبة.. والتفكير متعب.. واتخاذ الموقف مسؤولية صعبة.. أما الطاعة فهي مريحة لأنها بدون تكلفة.. هي انتظار فقط.

سيقول الأمير رأيه في الباذنجان.. وعندها ستعرف أنت أيضاً رأيك فيه.
وأخيراً..
فقضية سعد الدين العثماني هنا ليست هي القضية الحقيقية.. و توقيع اتفاق التطبيع ليس هو موضوع المقال.. و عبد الإله ابن كيران ليس وحده المقصود بهذه الظاهرة.
إنها ظاهرة أقدم من هؤلاء جميعاً.. من بلاط السلطان إلى الحزب الحديث.
من النديم الذي يمدح الباذنجان ويذمه في اليوم نفسه، إلى المثقف الذي يستطيع أن يكتب مقالاً طويلاً يثبت فيه صحة «نعم»، ثم يكتب غداً مقالاً أطول يثبت فيه صحة «لا».
تتغير الأدوات.. لكن الآلية واحدة.. «أنا خادم للأمير، لا للباذنجان».
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب حزباً ليس أن يخطئ زعيمه.. الزعماء بشر يخطئون ويصيبون.. وإن أخطر ما يصيب الحزب ليس أن يغير زعيمه موقفه.. فمراجعة المواقف قد تكون فضيلة..
الخطر الحقيقي يبدأ عندما يفقد الأعضاء القدرة على أن تكون لهم مواقف مستقلة عن موقف الزعيم.. حين يؤمن هؤلاء أن نقده خيانة.. ومدحه وفاء.. وتبرير تناقضاته ذكاءً سياسياً.. والاعتراض عليه «تشويشاً».
وعندها لا تعود المؤسسة هي التي تنتج المواقف.. بل الزعيم هو من ينتج الموقف، والأتباع ينتجون المبررات.. وعندها أيضاً نفهم بصورة أعمق قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾.
فالاستبداد لا يصنعه المستبد وحده.. أحياناً يصنعه الذين يصفقون له.. وأحياناً يصنعه الذين يصمتون أمامه.. وأحياناً يصنعه المثقفون الذين يجدون له في كل مرة حجة.. وأحياناً يبدأ الاستبداد كله بجملة بسيطة جداً: «إذا قال الأمير «نعم» قلت «نعم»، وإذا قال «لا» قلت «لا».
لذلك يناضل بعض الأتباع تحت شعار: «إذا أحسن الزعيم أحسنا.. وإذا أساء الزعيم أسأنا»..
ولله في خلقه شؤون..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى