24 ساعةأخبار وطنيةالواجهةتربية وتعليمحقوق الإنسان

​اليوسفية : الهدر المدرسي بإقليم اليوسفية: حين تقف عوائق الإيواء والتنقل سداً منيعاً أمام حلم التمدرس

​لا تكفي القوانين وحدها، ولا الميزانيات الضخمة المرصودة، لتحقيق شعار “المدرسة العمومية الجودة للجميع”، طالما ظلت التحديات الميدانية واللوجستية تقف حجر عثرة أمام أبناء العالم القروي والأسر المعوزة. فبين رحاب إقليم اليوسفية، تتكرر مع بداية كل موسم دراسي مأساة صامتة تعيشها العائلات، عنوانها الأبرز: شبح الهدر المدرسي الناتج عن تعثرات الاستفادة من خدمات دور الطالب والطالبة والأقسام الداخلية، لتتكسر على صخرة الواقع أحلام طفولة بريئة في متابعة التعليم الإعدادي والثانوي.

​1. معاناة الأسر وسؤال البعد المكاني

​تتجلى قمة المعاناة لدى الأسر القاطنة في الدواوير والمناطق النائية والبعيدة عن المراكز الحضرية، ولا سيما مدينة الشماعية والمراكز المجاورة. فالبعد المكاني الشاسع، وغياب وسائل النقل المدرسي المنتظمة أو عجز الأسر المادية عن تغطية مصاريف التنقل اليومي، يجعل من وصول التلميذ إلى حجرة الدرس مغامرة يومية محفوفة بالمشاق.

​هذا الوضع المتردي يضع الآباء والأمهات أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما مغامرة إرسال أبنائهم لمسافات طويلة في ظروف قاسية، أو الاستسلام المرّ لقرار الإنقطاع المبكر عن الدراسة.

​2. الإيواء الاجتماعي: بين طموح الاحتضان وواقع الخصاص

​تأتي مؤسسات الرعاية الاجتماعية، المتمثلة في الداخليات ودور الطالب والطالبة، لتمثل طوق نجاة حقيقي لتأمين تمدرس أبناء العالم القروي. غير أن الواقع الإقليمي يكشف عن مفارقة مؤلمة؛ فالعرض المتاح لا يواكب البتة حجم الطلب المتزايد.

​مئات الأسر تصطدم سنوياً بمحدودية الطاقة الاستيعابية، ومعايير الاستفادة التي تحرم عدداً من التلامذة المنحدرين من أسر هشّة، ليجد هؤلاء أنفسهم خارج أسوار المؤسسات الداعمة، ومعزولين عن أي بديل يحفظ حقهم الدستوري في التعلم. هنا بالذات، يتحول الحلم الدراسي إلى كابوس يومي يعجل بقرار مغادرة مقاعد الدراسة.

الهدر المدرسي: إهدار لطاقات الوطن

​إن استمرار هذا الوضع يفرغ الجهود الرسمية المبذولة من طرف الدولة من محتواها؛ فالأموال الطائلة التي تضخ في برامج محاربة الهدر المدرسي والارتقاء بالتعليم القروي تظل مهددة بالإخفاط، طالما لم يتم معالجة الحلقات الأضعف في المنظومة، والمتمثلة في:

​العجز في البنيات التحتية للإيواء والإطعام المدرسي.

​غياب التغطية الشاملة لشبابيك النقل المدرسي في المناطق البعيدة والنائية.

​ضعف التنسيق الميداني بين المتدخلين الترابيين والقطاع الوصي.

​4. المسؤولية المشتركة: من يتحمل الوزر؟

​إن مأساة انقطاع التلاميذ عن دراستهم لا تحمل عنواناً لجهة واحدة، بل هي مسؤولية تشاركية تتوزع بين:

​القطاعات الوصية المطالبة بتوسيع خريطة الداخليات ودور الطالب والطالبة، وتبسيط مساطر الاستفادة لتشمل الفئات الأكثر هشاشة.

​المجالس المنتخبة والسلطات الإقليمية، التي يفترض فيها جعل دعم البقاع النائية بالنقل المدرسي أولوية قصوى وليست مجرد مبادرات موسمية.

​المجتمع المدني، الذي يبقى مطالباً بلعب دور الرقابة والاقتراح والمواكبة الاجتماعية للأسر المكلومة في تعليم أبنائها.

​5. نداء إلى الأسر: الصبر استثمار والتعليم درع المستقبل

​وسط هذه الإكراهات القاسية، وتساוג الأسر المرير: “إلى متى سيستمر هذا الصبر والتحمل في ظل وضع يزيد من أعباء المعيشة والخصاص؟”، تظل الكلمة الأهم موجهة لهؤلاء الآباء والأمهات:

​ندرك تماماً حجم القهر اليومي، ونشعر بثقل المعاناة التي يكابدها الأبناء على طرقات النضال من أجل العلم. لكن، رغم قسوة الظروف ومحدودية الإمكانيات، يظل العلم السلاح الوحيد والدرع الأمثل لانتشال الأسر من براثن التهميش. إن التخلي عن الدراسة هو استسلام مبكر للواقع المر، لذا وجب التشبث بكل بصيص أمل، ومؤازرة الأبناء نفسياً ومعنوياً، وتوجيه النداءات تلو الأخرى للجهات المسؤولة حتى تتحمل مسؤوليتها كاملة.

​لا ننكر أبداً حجم المجهودات المبذولة على الصعيد المركزي والمحلي من طرف المسؤولين والغيرة على قطاع التعليم، لكن التحديات الكبرى بإقليم اليوسفية تستوجب نفَساً استثنائياً، وتدابير استعجالية جريئة، تُنصف أطفال البوادي وتحفظ لهم حقهم في مستقبل مشرق، بعيداً عن شبح الهدر المدرسي وظلال الأمية والضياع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى