24 ساعةالواجهةحقوق الإنسانشؤون بيئية

اليوسفية: مطرح الشماعية العشوائي.. المجلس الجماعي في قفص الاتهام وجريمة التواطؤ الصامت

​كم يحتاج المواطن من جُرح غائر، وكم يتطلب الأمر من صرخات مكبوتة، لتتحرك الضمائر الحية ويستيقظ المسؤولونمن سباتهم العميق؟ سؤال يطرح نفسه بإلحاح مرير وألم يتقطر سمّاً أمام مشهد بيئي وإنساني يندى له الجبين بمدينة الشماعية؛ حيث يواصل مطرح النفايات العشوائي رمي حممه السامة على صدور أطفال أبرياء، وتلاميذ تتفتح أزهار طفولتهم بين شوارع ورفوف مؤسسات تعليمية تحولت إلى غرف ضغط تنبعث منها روائح تزكم الأنوف وتخنق الأنفاس.

​

فهل يعقل أن يقف المجلس الجماعي بالشماعية، باعتباره المسؤول الأول قانونياً وأخلاقياً عن تدبير الشأن المحلي وحماية البيئة الحضرية، عاجزاً كلياً أو متواطئاً بصمته عن إيجاد حل جذري لمعضلة مطرح يفترض أن يكون قد دُفن في متاحف التدبير العشوائي منذ عقود؟ أم أن هذا العجز ليس سوى غطاء لغياب الإرادة السياسية، أو وراء الأكمة ما وراءها ممّن لا يعلم المواطن البسيط بواطن أمورهم؟

​لقد وضع جلالة الملك محمد السادس نصره الله التوجهات الكبرى لرجالات الدولة والقائمين على الشأن العام في خطابه السامي التاريخي بمناسبة افتتاح البرلمان (14 أكتوبر 2016)، حين أعلنها صريحة وقاطعة:

“إن الهدف الذي يجب أن تسعى إليه كل المؤسسات، هو خدمة المواطن. وبدون قيامها بهذه المهمة، فإنها تبقى عديمة الجدوى، بل لا مبرر لوجودها أصلا.”

​إن التذكير بهذه الرؤية الملكية السامية يضع المجلس الجماعي بالشماعية في مواجهة مباشرة ومحرجة مع حجم مسؤولياتهم؛ فإذا كان وجود هذه المجالس المنتخبة مبرره الأول والأخير هو صيانة كرامة المواطن وحماية صحته وتوفير البيئة السليمة التي كفلها له الدستور، فكيف يستقيم هذا التوجيه مع التماطل واللامبالاة أمام كارثة بيئية يرتكبها المجلس في حق الساكنة صباح مساء

​إن العيش بجوار مطرح عشوائي ليس مجرد إزعاج عابر، بل هو حكم بطيء بالتسمم البيئي. فالأحياء المجاورة للمطرح وتلامذة المؤسسات التربوية المجاورة باتوا رهائن لدخان الأدخنة المتصاعدة ليلاً ونهاراً، وللروائح الكريهة التي تتسلل إلى غرف النوم والفصول الدراسية.

​وأي مستقبل يُرتجى لتلميذ يجلس على مقاعد الدراسة وهو يصارع ضيق التنفس وغثيان الروائح السامة؟ ألم يُخلَق المنتخب ليكون درعاً يحمي سلامة المواطن وراحته وحقه الدستوري في بيئة سليمة؟ أم إن لغة الحسابات الضيقة والمصالح الظرفية للمجلس تعلو دائماً فوق مصلحة الإنسان وصحة الأجيال الصاعدة؟

​لقد ملّ الشارع الشماعي من استهلاك الأسطوانة المشروخة المتمثلة في “الوعود الفضفاضة” و”الخطط المؤجلة” التي لا تسمن ولا تغني من جوع، والتي تتفنّن مجالس التدبير في ترويجها كلما اشتدت اصوات الاحتجاج.

​وهنا يجب أن نقولها بصوت مسموع ودون لف أو دوران: إن هذا المجلس الجماعي، الذي استمرأت غالبيته صمت القبور ورضيَت بأن تحول أرواح أطفالنا إلى ورقة مساومة وحطب في معارك سياسوية ضيقة، لا يستحق شرعاً ولا أخلاقاً أن يمثلنا. فحين تفرز صناديق الأقتراع مجالس ترفع شعار الهروب إلى الأمام وتترك المواطن يصارع الموت وحيداً، تفقد تلك المجالس صفتها التمثيلية وتصبح عبئاً ثقيلاً ووباءً بيئياً يجب فضحه ورفضه. المطرح ليس قدراً محتوماً، وإغلاقه أو تأهيله ليس معجزة خارقة، بل هو اختبار حقيقي لمدى شعور المنتخب بمسؤوليته الأخلاقية. أم أن من اعتادوا الكراسي الوثيرة لا يهزهم أنين طفل او شيخ او إمرأة مسنة يختنقون ليلاً؟

​إن التغيير الحقيقي لا يحتاج إلى لجان تلو الأخرى يتبادل فيها أعضاء المجلس تبرير الفشل، بل يحتاج إلى رجال دولة ومسؤولين يتحلون بالشجاعة والجرأة السياسية لوقف هذا النزيف البيئي الذي يسيء إلى وجه المدينة وتاريخها.

​إلى متى سيظل صوت المواطن البسيط مجرد صدى يتردد في فضاءات إهمال المجلس الجماعي؟ إن ساكنة الشماعية وأطفالها ليسوا حقول تجارب للاستنشاق القسري للسموم.

​الكرة الآن في ملعب السلطات الإقليمية والمحلية لفرض محاسبة حقيقية على هذا المجلس المنتخب: إما أن يتحمل المنتخبون مسؤولياتهم كاملة ويجدوا حلاً عاجلاً وجذرياً لهذا المطرح تماشياً مع التعليمات الملكية السامية، وإما أن يتركوا التاريخ يسجل أن هذا المجلس كان شاهد زور على اختناق مدينة بأكملها، وأن هذه الوجوه التي خانت الأمانة لن تهتدي إلى ثقة أبناء الشماعية مرة أخرى أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى